تعتبر “جامعة المصطفى العالمية” و”حوزة قم” ضمن مشروع الجمهورية الإسلامية الإيرانية لـ”تصدير الثورة” عن طريق تعليم الطلاب غير الإيرانيين ثم إرسالهم بعد إنهاء تعليمهم إلى بلدانهم. لكن ليس كل طالب أجنبي أو إيراني أو كل رجل دين يتخرّج في المدينة سيعمل في السياسة أو سيكون فاعلا في الأنشطة الأمنية الحكومية.
نعم هناك هدف حكومي من جلب الأجانب للدراسة في “قم”، وهو تكوين شبكات دينية وفكرية واجتماعية وحتى سياسية بل وثورية خارج إيران تحمل نسخة من الإسلام الشيعي المتأثرة بنموذج نظرية ولاية الفقيه السياسية التي تبناها المرشد السابق الإمام الخميني وشكّل على أساسها الجمهورية الإسلامية.
لقد كانت مدينة “قم” قبل الثورة الإسلامية مركزا شيعيا عالميا يحتضن مراجع الدين الشيعة وتتشكل فيه الحوزات وتنظم فيه الدروس الدينية لتخريج طلبة الدين، لكن، بعد نجاح الثورة، أرادت القيادة السياسية الجديدة استخدام المكانة الفقهية للحوزة لبناء “نفوذ ديني وثقافي” خارج إيران.
في 1980 أُنشئ مجلس للإشراف على الطلاب غير الإيرانيين في “حوزة قم”، ثم في 1986 أصبح إسمه “المركز العالمي للعلوم الإسلامية”. وفي 1991 أُنشئت منظمة للإشراف على الحوزات والمدارس الدينية خارج إيران. وفي 2008 جرى دمج هذه المؤسسات في “جامعة المصطفى العالمية”.
وكانت الفكرة الأساسية لذلك هي استقبال الطالب الأجنبي في “قم” ثم تعليمه وتكوينه دينيا وفكريا ثم إعادته إلى بلده ومساعدته على إنشاء شبكة أو مؤسسة دينية هناك.
ولم تكن “جامعة المصطفى” مجرد حوزة تقليدية. فقد جمعت بين العلوم الحوزوية الشيعية والفقه والأصول والقرآن والحديث والفلسفة والكلام والتاريخ الإسلامي والعلوم الاجتماعية والسياسية إضافة إلى اللغات والإعلام والترجمة.
ولم يكن هدف الجامعة، حسب دراسة أكاديمية، تخريج رجال دين فقط، وإنما “تدويل الخطاب الشيعي وجعل “قم” مركزا عالميا للتعليم الشيعي”. ما يعني أن الجامعة أرادت أن تتجاوز ما تفعله الحوزة التقليدية، وأن تخدم هدف النظام في نشر الثقافة الدينية/ السياسية الثورية الشيعية حول العالم. او بعبارة أخرى تصدير المذهب الشيعي بنموذجه السياسي القائم على “نظرية ولاية الفقيه” وأن يكون للفقيه الشيعي الجامع للشرائط دورٌ في قيادة الدولة والمجتمع بل والأمة.
وتقول الدراسة، التي أجرتها الباحثة اليابانية كيكو ساكوراي حول حوزة قم وجامعة المصطفى، إن الجامعة ارتبطت بمشروع “تصدير الثورة”، تحديدا من خلال نشر “النسخة الإيرانية من التشيُّع” التي تعطي أهمية خاصة لمفهوم ولاية الفقيه. لذلك كان الطالب الأجنبي يتعلم كيف يكون رجل دين شيعيا، وكيف يفهم الثورة الإيرانية، وعلاقة الدين بالدولة، ومعنى ولاية الفقيه، وكيف ينبغي أن يكون دور رجل الدين في المجتمع، وكيف تُبنى المؤسسات الدينية والثقافية.
فالطالب الأجنبي هو أهم مُنتَج للمشروع الإيراني بعد الثورة. والنظام الإسلامي لم يكن بحاجة إلى إرسال آلاف رجال الدين الإيرانيين إلى العالم العربي وأفريقيا وآسيا وأوروبا، إنما فعل شيئا أكثر فعالية، وهو تدريب أبناء تلك المجتمعات أنفسهم. وعند عودة هؤلاء إلى بلدانهم إما يصبح أحدهم إمام مسجد أو خطيبا أو مدرسا دينيا أو مؤسسا لِحسينيّة أو مترجما للكتب الإيرانية أو ناشطا ثقافيا أو مؤسسا لمركز إسلامي. وهذه كلها تمثل حلقة وصل مع المؤسسات الإيرانية.
وهكذا تحولت العلاقة بين الجمهورية الإسلامية والطلبة الأجانب في جامعة المصطفى بعد عودتهم إلى بلدانهم، إلى علاقة بين نظام إسلامي وشبكة محلية كاملة. وكانت الجامعة استقبلت عشرات الآلاف من الطلاب من دول مختلفة، ولديها حاليا مؤسسات وشبكات تعليمية خارج إيران.
إذاً، هدف الجمهورية الإسلامية لم يكن أن يعود الطالب إلى بلده فقط، بل أن يساعد على بناء بنية تحتية دينية شيعية وثقافية سياسية ثورية. ولهذا ظهرت مؤسسات مرتبطة بخريجي “قم” في مناطق كثيرة حول العالم.
