في ظاهرة لم تشهدها العاصمة الفرنسية ولا أي عاصمة غربية منذ ظهور البابوات إلى اليوم، امتلأت شوارع العاصمة الفرنسية باريس بحشود تنتظر مرور موكب قداسة البابا لتلقي التحية أو لنيل بركة السلام التي يلوح بها بيديه للجماهير المحتشدة على طول الشوارع الباريسية التي عبرها موكبه.
تحولت شوارع باريس إلى “كرسي اعتراف”، فتوزع الكهنة في الشوارع والزوايا يسمعون اعترافات المؤمنين الذين يطلبون مغفرة الخطايا.
باريس وفرنسا التي نشرت العقلنة والعلمانية منذ قرون، وودّعت مع ثورتها زمن سيطرة رجال الدين على اختلاف مراتبهم، وأنهت عهد الظلمات وبيع صكوك الغفران، هي نفسها فرنسا اليوم التي تحتشد لملاقاة رأس الكنيسة الكاثوليكية في الطرقات والساحات. حيث تجاوز عدد الذين حجزوا مقاعد للمشاركة في القداس الإلهي الذي يقيمه قداسة البابا أكثر من مليون شخص، في حين شارك أكثر من 80 ألف شاب وشابة في لقاء الشبيبة مع الحبر الأعظم.
يسود الاعتقاد أن العودة إلى الدين ليست في فرنسا وحدها بل في الغرب عموماً، وترتبط ببروز النزعات اليمينية التي تنافس على السلطة في معظم الدول الأوروبية وتحقق انتصارات في أكثر من دولة.
قد ترتبط العودة إلى الدين ببروز اليمين في ربط تاريخي بين اليسار والإلحاد، فيقف اليمين المتطرف في مواجهة اليسار الملحد؛ فهل هذا ما يحصل في فرنسا وفي الغرب؟
أم أن انتشار ظاهرة “الإسلاموفوبيا” هو الذي يغذي ظاهرتي بروز التيار اليميني والعودة إلى الدين؟ وذلك عندما أدرك الأوروبيون، متأخرين، أن بعض المسلمين يستغلون القوانين العلمانية والمدنية التي تحكم الدول الأوروبية للإفادة منها —خصوصاً لجهة حق التعبير عن الرأي وحرية ممارسة العقيدة—وصولاً إلى فرض عادات وتقاليد إسلامية على مجتمع علماني لا يعترف بهويته الدينية أصلاً.
أيقظت هذه الممارسات—التي قام ويقوم بها مسلمون في أوروبا يرفضون الاندماج في الثقافة الغربية—شعوراً عنصرياً مجتمعياً ودينياً في المجتمعات المضيفة. حيث بدأت علامات التذمر تظهر تباعاً لجهة: افتراش الشوارع لممارسة الصلاة في مواقيتها، اشتراط عدم بيع الكحول ولحم الخنزير في المحال الأوروبية، وارتداء الحجاب والنقاب بوصفهما تعبيراً عن هوية دينية لا اجتماعية، وصولاً إلى رفع الأذان بواسطة مكبرات الصوت في القرى والمدن الأوروبية التي تنتشر فيها الجاليات الإسلامية. ناهيك عن لجوء عدد ممن تصنفهم المجتمعات الغربية كإرهابيين إلى المساجد ورجال الدين لنشر أفكار الكراهية للغرب وثقافته وطريقة عيشه، والتأكيد على ضرورة نشر الدين الإسلامي في الغرب.
وإلى جانب الملايين الذين احتشدوا اليوم لملاقاة الحبر الأعظم في باريس، تشهد فرنسا أيضاً عودة إلى تقبل “سرّ العماد” (أحد أسرار الكنيسة الإيمانية)؛ إذ يقبل العشرات من البالغين ممن لم يُعمدوا بـ “الميرون” على المعمودية مجدداً، وقد قدرت إحدى الدراسات عدد الذين طلبوا تقبل سر العماد بأكثر من 23 ألفاً في سنة واحدة!
فهل شكلت زيارة البابا إلى باريس الفتيل الذي سيعيد فرنسا إلى كاثوليكيتها قبل علمانيتها؟ ومن هو المسؤول عن إيقاظ المشاعر الدينية بأبشع صور الكراهية في الغرب وصولاً إلى اعتماد مصطلح “الإسلاموفوبيا”؟
لعل الأيام القادمة تحمل الكثير من التغيير في النظرة الأوروبية إلى المسلمين، ولعله يندرج في هذا التغيير قرار الحكومة الألمانية إعادة مئات الآلاف من السوريين إلى بلادهم بعد انتفاء أسباب لجوئهم. فهل تحذو دول أوروبية أخرى حذو ألمانيا؟

لا توجد أي علاقة بين التدين والعلمانية، والتدين يخص البشر، بينما العلمانية تخص الدولة، وهذا الكاثوليكي المتدين يدافع عن علمانية الدولة بشراسة ولا يقبل أن يكون للمؤسسة الدينية أي دور في الحكم..