(كلام الصورةـ بولا يعقوبيان: وسام على صدري انني لست ضمن عشاء “بومبيو” ولي الشرف ان اكون في ضيعة السيد حسن نصرالله وتحية لكل مقاوم. يمكن مشاهدة الفيديو على https://twitter.com/NadimKoteich/status/1109377063323086848)
*
خاص بـ”الشفاف”
بحث في الفارق العجيب بين الحضور السياسي والمضمون السياسي
لطالما امتازت السياسة اللبنانية بقدرة استثنائية على صناعة الشخصيات العامة. أمّا رجال الدولة، فهم أكثر ندرة بكثير. ونائبتنا المحترمة نموذج لافت لهذه الظاهرة الوطنية: سياسية تبدو شهيّتها للسجالات العامة بلا حدود، فيما يصعب تحديد قناعاتها السياسية، وتبدو ثقتها المطلقة في الخوض في الاقتصاد والمصارف والقانون الدستوري متناسبة عكسياً مع مقدار التروّي الفكري الذي تتطلّبه هذه المواضيع عادةً.
أهدافها المفضّلة هي رئيس الجمهورية ومصرف لبنان، أمّا دِرعُها المفضّل فهو صندوق النقد الدولي. تستحضر الإصلاحات التي يدعمها الصندوق بِخشوعٍ يُخصَّص عادةً للنصوص المقدّسة، حتى ليخطر للمرء أحياناً أن يتساءل عمّا إذا كانت قد قرأت الفصول المعنية، ناهيك عن فهم تداعياتها. وصندوقُ النقد الدولي، على الرغم من كل ما يمكن أخذُه عليه، يستحقّ أفضل من أن يتحوّل إلى بديلٍ عن التفكير المستقل.
ومع ذلك، فإن مسيرتها الشخصية تستحقّ الاعتراف بما حقّقته. فقد بدأت صحافية، وشقّت طريقها تدريجياً نحو الشهرة والحضور العام. وهذا إنجاز لا يجوز إنكارُه. فالصحافة قد تكون مدرسة ممتازة للعمل السياسي، شرط أن تصمد عادات البحث والتقصّي، والفضول الفكري، واحترام الوقائع، أمام إغراءات الانتقال إلى السلطة.
لكن الانتقال من طرح الأسئلة إلى الاعتقاد بأن المرء مؤهّل وحده للإجابة عنها قد يحدث بسرعة مذهلة.
وبمساعدة بيئة إعلامية متطوّرة، وعلاقات شخصية مفيدة، وجواز سفر أميركي سهّل لها الدخول إلى دوائر الاستقبالات السياسية في واشنطن، راحت تبني لنفسها صورة الإصلاحية ذات العلاقات الدولية الواسعة. فتحوّلت اللقاءات مع أعضاء في مجلس الشيوخ وشخصيات من مراكز الأبحاث إلى شهادات على أهمية جيوسياسية مفترضة. وفي الاقتصاد السياسي اللبناني العجيب، يبدو أن مصافحةً في واشنطن قد ترتفع قيمتها، خلال رحلة العودة إلى بيروت، لتصبح دليلاً على النفوذ في صناعة القرار الأميركي.
لا عيبَ في بناء العلاقات الدولية. إنما تبدأ المشكلة عندما يختلط الوصول إلى المسؤولين بالسلطة عليهم، والمعرفة السطحية بالخبرة، واستعراض الأسماء بصناعة السياسة الخارجية.
أمّا صورتها العامة، فهي أكثر طموحاً: ليبرالية، تقدّمية، مستقلّة، شجاعة، وإصلاحية لا تعرف المساومة. وكلّها صفات محمودة، لكنها لا تُمنح بمجرد إعلانها. فالاستقلالية السياسية تُثبتها المواقف، والإصلاحية تُثبتها المشاريع، والشجاعة يُثبتها الثبات على المبادئ، والليبرالية يُثبتها احترام المختلفين في الرأي.
الفوزُ في الانتخابات إنجاز، لكنه ليس فلسفة سياسية. ومعارضة الطبقة الحاكمة لا تكفي لإثبات الإصلاحية إذا كانت الوسائل المعتمدة لا تختلف كثيراً عن وسائل تلك الطبقة نفسها.
وقد تعرّضت حملاتها الانتخابية لانتقادات بسبب اعتمادها على المكوّنات التقليدية للسياسة اللبنانية: المال، وشبكات العلاقات، والحضور الشخصي، والتحالفات المدروسة. وهذه الممارسات ليست حكراً عليها، وهنا تحديداً تكمن المفارقة. فالمشكلة ليست في أنها تمارس السياسة اللبنانية كما هي، بل في أنها تقدّم نفسها وكأنها ارتفعت فوقها وتحرّرت من آلياتها.
ويبحث المرء عن برنامج سياسي متكامل، أو عقيدة اقتصادية متماسكة، أو بيانٍ انتخابي منشور يشرح ما الذي يميّز إصلاحيّتها عن الترتيبات السياسية التي تُدينها. وقد لا يكون البحث ميؤوساً منه، لكنه بالتأكيد ليس سهلاً.
وعلاقتها بالتاريخ اللبناني لا تقلّ انتقائية. فتعقيدات الجمهورية قبل الحرب، والدمار المؤسسي الذي خلّفته الحرب الأهلية، والاقتصادُ السياسي لمرحلة ما بعد الحرب، نادراً ما تبدو قادرة على الحدّ من التبسيط المفرط في مواقفها.
إنها، من نواحٍ كثيرة، إبنةُ المرحلة الحريرية: تلك البيئة التي كان فيها الحضور الإعلامي، والقربُ الشخصي من أصحاب القرار، والرعاية السياسية، قادرة أحياناً على الحلول محلّ العمل الطويل والأقلّ بريقاً لبناء قاعدة سياسية ذات عقيدة واضحة.
ولا عيب في الانتماء إلى تلك المرحلة. فمعظم السياسيين اللبنانيين المعاصرين خرجوا من رحمها. إنما تبدأ المفارقة عندما يُدانُ الإرث السياسي بأكمله، فيما يبقى التعلّق بأساليبه شديداً إلى هذا الحد.
ثم نصل إلى مسألة القضايا الرائجة.
نائبتنا مدافعة متحمّسة عن العدالة الاجتماعية، فيما يُقال إنها تتمتّع بمستوى معيشي لو تيسّر لمعظم ناخبيها لكانوا أكثر ارتياحاً. ولا تمنع الثروة أحداً من الدفاع عن الفقراء؛ بل إن الميسورين قد يؤدّون دوراً قيّماً في الإصلاح الاجتماعي. لكن من يجعل التفاوت الاجتماعي عرضاً سياسياً دائماً، عليه أن يتوقّع أسئلة عن العلاقة بين خطابه وممارساته.
تتحدّث بحماسة عن المساءلة البرلمانية، رغم ما يُؤخذ على سجلّها في مسألة التمديد لولاية المجلس النيابي. وتستحضر المبادئ الدستورية بحماسة المدّعي العام، وإن كانت حججها لتستفيد من معرفة أعمق بالاجتهاد الدستوري. وتحذِّرُ من عقوبات أميركية وشيكة، وكأن اقتراحَ قانون يُقدّمه عضو في مجلس الشيوخ يعادل قراراً صادراً عن حكومة الولايات المتحدة.
فمشروع القانون المقدّم في واشنطن ليس سياسة أميركية. وعضو مجلس الشيوخ ليس الإدارة الأميركية. وندوة في أحد مراكز الأبحاث ليست اجتماعاً لمجلس الأمن القومي. وقد تبدو هذه الفوارق تفاصيل تقنية مملّة، لكنها تظلّ ضرورية لمن يرغب في فهم كيفية عمل النظام السياسي الأميركي.
وتقدّم أنشطتها الإعلامية نافذة أخرى على مفهومها للنقاش السياسي. فقناة على “يوتيوب” وتعليقات مرافقة توفّر لها منبراً للهجوم المتكرّر على الخصوم، غالباً بِيَقينٍ يفوق مقدارَ التمييز والتحليل. والنقدُ، بطبيعة الحال، ضرورة في أي ديمقراطية. لكنه يفقد الكثير من قيمته عندما يتحوّل إلى مهنة دائمة، بدل أن يستند إلى الأدلة والبدائل والاستعداد لإخضاع المواقف الشخصية للمساءلة نفسها.
فهناك فارق جوهري بين محاسبة السلطة وبين اعتبار كل اختلاف في الرأي دليلاً على الفساد أو الجهل أو المؤامرة.
ولا تقلّ تحالفاتها السياسية المتحوّلة إثارة للاهتمام. فبعد ارتباطها سابقاً بالمحيط السياسي للرئيس سعد الحريري، تبدو اليوم حريصة على التموضع في فلك رئيس الحكومة نواف سلام.
والتطوّر السياسي مشروع، بل إن رفض مراجعة القناعات قد يكون دليلاً على الجمود الفكري. لكن التطوّر يفترض عادةً شرح ما الذي تغيّر، ولماذا تغيّر، وأي المبادئ بقي ثابتاً.
ومن دون هذا الشرح، يبدأ التطوّر السياسي بالتشابه مع الانتقال من عنوان إلى آخر.
إن الخلفية المهنية للرئيس سلام، وخبرته القضائية، وتكوينه الفكري، أمور معروفة. أمّا نجاح برنامجه السياسي، فمسألة أخرى. وما هو أقلّ وضوحاً، الأساس الذي تستند إليه نائبتنا في الإيحاء بوجود علاقة سياسية مميّزة تجمعها بمشروعه، أو في تقديم نفسها باعتبارها إحدى الشخصيات التي لا غنى عنها لتمثيله.
ولعلّ انتشار صورهِ في محيطها السياسي يعبّر عن الإعجاب أو الحماسة أو الرغبة في إظهار القرب منه. لكنه لا يثبت، بحدّ ذاته، وجود نفوذ سياسي
. فالصورة ليست برنامجاً، والملصق ليس تفويضاً.
وهكذا تتراكم التحوّلات.
تتحوّل الشخصية التلفزيونية إلى معلّقة سياسية. والمعلّقة إلى إصلاحية. والإصلاحية إلى مرجعية دستورية. والمرجعية الدستورية إلى مفسّرة لعقيدة صندوق النقد الدولي. ثم تتحوّل مفسّرة عقيدة الصندوق إلى عرّافة غير رسمية للعقوبات الأميركية.
إنها سيرة ذاتية مثيرة للإعجاب، شرط ألّا يدقّق المرء كثيراً في المؤهّلات المطلوبة لكل ترقية.
. وهي ليست الوحيدة التي تقع في التناقض، أو تسعى إلى استحسان الخارج، أو تخلط بين العلاقات العامة والسياسات العامة. فالطبقة السياسية اللبنانية جعلت من هذه الممارسات الثلاث صناعة قائمة بذاتها.
لكن الفارق أنها تدّعي تمثيل البديل عن تلك الطبقة.
ومن يدّعي الاختلاف عن الآخرين، عليه أن يقبل بأن يُحاسَب وفق معيار مختلف.
لذلك، تبقى الأسئلة الأساسية بسيطة إلى حدّ مدهش.
ما السياسات الاقتصادية التي تقترحها فعلياً، خارج تأييد السياسات التي يصوغها الآخرون؟ وما المبادئ المؤسسية التي ستدافع عنها حتى عندما تتعارض مع مصالح حلفائها السياسيين؟ وما فهمها لتاريخ لبنان ونظامه الدستوري وأزمته المالية؟ وأي فلسفة سياسية تربط مواقفها عبر الزمن، بدلاً من أن تقتصر على الربط بين إطلالاتها التلفزيونية؟
وفوق ذلك كله، ما الذي تؤمن به عندما لا تكون هناك كاميرا، ولا تحالف مُرتَقب، ولا قضية رائجة، ولا فرصة لمهاجمة شخص آخر؟..
وقد تقدّم نائبتنا يوماً إجابات مقنعة. وليس هناك ما سيكون أكثر ترحيباً من ذلك.
وإلى أن يحين ذلك اليوم، ندعو القرّاء الذين ينجحون في العثور على عقيدة سياسية متماسكة تحت طبقات التحوّلات المتعاقبة إلى التواصل مع الكاتب.
وهناك مكافأة بانتظارهم.
*


