في كتاب “نقد العقل السياسي“، لا ينظر ريجيس دوبريه إلى السياسة بوصفها إدارة للمصالح فقط، بل باعتبارها بناء رمزيا يعيش على الإيمان الجماعي والطقوس والصور والسرديات. وعند إسقاط هذه الرؤية على الواقع السياسي في الكويت، تبدو كثير من الظواهر السياسية أوضح وأعمق من ظاهرها اليومي.
●السياسة بوصفها امتدادا للرمز لا للإدارة فقط
في الكويت، لا تقوم الحياة السياسية على القوانين والدستور وحدهما، رغم مركزيتهما، بل على شبكة واسعة من الرموز الاجتماعية والوطنية.
فالعلاقة مع الدولة ليست قانونية خالصة، وإنما تتداخل فيها رمزية الأسرة الحاكمة، وذاكرة التأسيس، وتجربة الغزو العراقي، والهوية الوطنية، والديوانيات بوصفها فضاء اجتماعيا وسياسيا في آن واحد.
هنا تظهر فكرة دوبريه الأساسية: السلطة لا تُدار بالعقل الإداري فقط، بل تحتاج إلى رموز تُشعر الناس بالاستمرارية والانتماء.
ولهذا تصبح بعض المناسبات الوطنية، والخطابات الرسمية، وحتى بعض العبارات المتكررة في الوعي العام، أدوات- لإعادة إنتاج الشعور الجماعي بوحدة الكيان السياسي.
●وهم العقلانية السياسية
الخطاب السياسي الكويتي كثيرا ما يفترض أن الناس تتحرك وفق البرامج أو المصالح الاقتصادية وحدها، لكن الواقع يكشف أن الانتماءات الاجتماعية والعاطفية تؤدي دورا أكبر بكثير مما يُعلن عنه.
فالناخب لا يصوت دائمًا بناء على الأفضل إداريا، بل وفق مزيج معقد من القرابة، والثقة التاريخية، والانتماء الاجتماعي، والصورة الذهنية، والموقف الرمزي من القضايا.
وهذا لا يعني غياب العقل، بل يعني أن الإنسان السياسي لا يتحرك بالعقل المُجرد كما تفترض النظريات المثالية.
هنا يصبح الجدل السياسي في الكويت أقرب إلى صراع هويات ورموز بقدر ما هو صراع برامج. ولهذا قد يخسر صاحب الطرح العقلاني المتقن أمام شخصية تملك حضورا رمزيا أقوى في المخيال الجمعي.
●السلطة والحاجة إلى الهيبة الرمزية
في رؤية دوبريه، لا توجد سلطة مستقرة بلا هالة. وفي الكويت يمكن ملاحظة أن الاستقرار السياسي لا يعتمد فقط على أدوات الدولة، بل أيضا على المحافظة على صورة الهيبة والاستمرارية والاتزان.
فالسلطة السياسية في أي مجتمع لا تعيش بالقوة وحدها، لأن القوة المجردة تخلق الخوف لا الشرعية.
الشرعية تحتاج إلى شعور جمعي بأن هناك مركزا رمزيا يمثل الدولة واستمراريتها فوق الصراعات اليومية.
ومن هنا نفهم لماذا تتجاوز بعض الرموز السياسية معناها الإداري لتصبح جزءا من البناء النفسي للدولة نفسها؛ إذ إن المساس بالرمز لا يُستقبل دائمًا بوصفه خلافا سياسيا عابرا، بل قد يُفهم باعتباره تهديدا للاستقرار أو لوحدة الجماعة السياسية.
●الإعلام لا ينقل السياسة بل يصنعها
واحدة من أكثر أفكار دوبريه حضورا في الواقع الكويتي هي أن وسيلة الاتصال تغيّر طبيعة السياسة ذاتها.
فالسياسة الكويتية انتقلت من مرحلة الديوانيات والصحف إلى عصر المنصات الرقمية، حيث أصبحت الصورة والانفعال والانتشار أسرع من الفكرة المتأنية.
في السابق، كان تكوين الرأي العام يحتاج إلى زمن أطول ومساحات حوار أهدأ. أما اليوم، فإن مقطعا قصيرا أو تصريحا مجتزأً قد يصنع أزمة سياسية كاملة خلال ساعات. وهنا يتحول السياسي من صاحب مشروع إلى صاحب حضور إعلامي.
فتزداد أهمية الأداء الخطابي، والقدرة على صناعة اللحظة، وإدارة الانطباع الجماهيري، أحيانا على حساب العمق الفكري أو التخطيط طويل المدى.
●المجتمع يعيش على السرديات المشتركة
الكويت، كغيرها من الدول، لا تقوم فقط على المؤسسات، بل على قصة جماعية يتشارك الناس الإيمان بها.
ومن أهم هذه السرديات: فكرة الدولة الدستورية، والتكافل الاجتماعي، وتجربة الصمود أثناء الغزو العراقي، والعلاقة الخاصة بين المجتمع والدولة.
هذه القصص ليست مجرد ذكريات تاريخية، بل عناصر تبني الهوية السياسية.
وحين تضعف السردية المشتركة، يبدأ المجتمع بالدخول في حالة استقطاب، لأن الأفراد يعودون إلى هوياتهم الأصغر: الطائفة، القبيلة، الفئة، أو المصالح الضيقة.
ومن هنا يمكن فهم كثير من التوترات السياسية المعاصرة باعتبارها صراعا على الرواية أكثر من كونها صراعا على القرارات وحدها.
●الحداثة لا تلغي المُقدس بل تعيد إنتاجه
قد تبدو الكويت دولة حديثة بمؤسساتها الدستورية والإدارية، لكن ذلك لا يعني اختفاء البعد الرمزي أو المُقدس من المجال السياسي.
فالإنسان، كما يرى دوبريه، لا يستطيع العيش داخل نظام عقلاني بحت؛ إذ يعيد دائمًا إنتاج رموزه ومقدساته بأشكال جديدة.
ولهذا نجد أن بعض الشخصيات، أو الأحداث، أو القضايا، تكتسب حصانة عاطفية تتجاوز النقاش العقلاني المباشر.
فالسياسة ليست حسابات فقط، بل بناء وجداني أيضا.
●خاتمة
يكشف إسقاط أفكار نقد العقل السياسي على الواقع الكويتي أن السياسة ليست مجرد مؤسسات وقوانين وانتخابات، بل عالم كامل من الرموز والمشاعر والسرديات الجماعية.
فالدولة لا تستمر بالقوة وحدها، والمعارضة لا تنجح بالمنطق وحده، والجماهير لا تتحرك بالمصلحة وحدها.
هناك دائما عنصر غير مرئي يحكم المجال السياسي وهو الإيمان الجماعي بما تمثله السلطة أو الجماعة أو الوطن.
وهذا ربما ما أراد دوبريه قوله في جوهر مشروعه الفكري: إن العقل السياسي لا يمكن فهمه إذا تجاهل الجانب الرمزي في الإنسان.

