خاص بـ”الشفاف”
شهد التاريخ السياسي العربي المعاصر والقديم مجموعة من الأكاذيب والبروبغندا، ساهمت في توجيه الرأي العام أو تبرير مواقف عسكرية، منها الإدعاءات بتفوق عسكري زائف، أو إنكار الهزائم، أو تلفيق اتهامات، لا سيما في الدو والمجتمعات التي تعاني من الهزائم والأزمات المتتالية. فالشعوب المهزومة أو المأزومة تميل إلى تصديق الروايات التي تعيد لها كرامتها المهددة، حتى وإن كانت مبنية على أوهام، حيث أن الحقيقة المرة تكون أثقل وأصعب في التقبل، وهي ظاهرة نفسية واجتماعية وإعلامية خطيرة جداً تساهم في تساقط الأخلاقيات وتشويه الحقائق. وتؤكد الدراسات النقدية والتاريخية أن تراكم الأكاذيب السياسية على الشعوب يؤدي غالباً إلى تكلفة باهظة في الأرواح والموارد. وإيران ولبنان والعراق والسودان وليبيا ومصر واليمن خير دليل.
وما يميّز الحال في العالم العربي هو تداول الروايات الكاذبة وتكرارها بكثافة من قبل كُتّاب وأكاديميين أو جهات موثوقة لدى المتلقي، فتتحول الأكاذيب تدريجياً في الوعي الجمعي إلى “واقع” معاش ومُسلّم به، حتى وإن كان يخالف الحقائق الموضوعية على الأرض.
●أبرز الأكاذيب السياسية العربية المعاصرة
من بيانات حرب 1967 من الإعلامي المصري أحمد سعيد في إذاعة “صوت العرب” من القاهرة، والتي تُعَدُّ من أشهر الأكاذيب التي أذاعتها وسائل الإعلام العربية إسقاط طائرات العدو (الإسرائيلي) وتقدُّمُ القوات العربية، بينما كان الجيش العربي يتعرض لهزيمة ساحقة! إلى محمد الصحاف، وزير الإعلام العراقي الذي أعلن في يوم سقوط بغداد عام 2003 أن الأمريكان “ينتحرون الآن بالآلاف على أسوار بغداد”. وصولاً إلى أكاذيب محمد عفيف، المتحدث الرسمي لحزب الله اللبناني الذي كان يتحدث، بقوة وثقة، عن انتصارات وهمية، في حين تشرد أكثر من مليون إنسان وتم تدمير 41 بالمائة من أراضي الجنوب وانهارت الأبنية في الضاحية والبقاع.
كذبة “الأسلحة الفاسدة” في حرب 1948 واحدة من أكثر المواضيع إثارة للجدل في التاريخ المصري الحديث، حيث يرى العديد من المؤرخين والشهود العسكرين أنها كانت “أكذوبة” أو مبالغة سياسية استُخدمت لتهيئة الرأي العام للثورة على النظام الملكي. أكد الفريق الشاذلي (رئيس أركان حرب القوات المسلحة الأسبق) في مذكراته وشهاداته التاريخية أنه لا توجد أسلحة فاسدة بالمعنى التقني، وأوضح أن سوء استخدام بعض الجنود للقنابل اليدوية الإيطالية، التي كانت تعمل بفتيل يحتاج وقتًا قبل الانفجار، ولظنِّهم أنها فاسدة، انفجرت في أيديهم نتيجة التأخر في إلقائها. وكشفت تحقيقات الخبراء الفنيين أمام المحكمة لاحقًا أن الأسلحة لم تكن فاسدة من الناحية التصنيعية لدرجة تؤدي للهزيمة.
●أكذوبة “بلد المليون ونصف المليون شهيد”!
أول من ابتدعَ كذبة المليون شهيد والذي تطور فيما بعد إلى مليون ونصف ثم مع الوقت إلى تسعة ملايين شهيد هو الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر. ففي أول زيارة له للجزائر بعد الإستقلال في 4 مايو 1963 وأمام جمهرة كبير من الناس، أراد أن يزيد من زخم الحشد وحماسهم ونيل الهتافات وكسب شعبية جماهيرية خاصة بعد الفشل الذريع لتجربة الوحدة بين سوريا ومصر وتورطه وإخفاقه في حرب اليمن، فخاطبهم بـ”بلد المليون شهيد”! كذبة صدقها العسكر الجزائري وزرعها بين أوساط الشعب الجزائري حتى ظن القوم أنها الحقيقة المطلقة وبأنها قرآن منزل! ومع الوقت والتكرار صارت هذه الكذبة حقيقة كنوع من الاحتفاء والتمجيد! لم يقل أحد أين قبورهم أو في أي حرب أو معركة قتلوا؟ مليون ونصف شهيد في حرب تحرير الجزائر! هذا يعني 500 قتيل يومياً ولمدة 7 سنوات ونصف! هل يُعقل أن يحدث هذا؟
ولو كان هذا صحيحاً لكانت مقابر المليون ونصف أكبر معلم سياحي في العالم يرتاده ملايين السياح من جميع أنحاء العالم، ولَتَجاوز الأمر أهمية “مقبرة أرلينغتون ” الوطنية بولاية فيرجينيا في الولايات المتحدة والتي دُفن فيها 400 ألف من قتلى الصراعات، بدءاً من الحرب الأهلية الأمريكية وانتهاء بحروب مختلفة أُخرى. المرحوم المجاهد الجزائري السناتور جمال الدين حبيبي، في مقابلة مسجلة على اليوتيوب، شكك في أرقام الشهداء وبرأ المغرب من “حرب الرمال”.
●أكذوبة موريتانيا بلد المليون شاعر
أصل التسمية ليس رقماً إحصائياً بل هو لقب إعلامي أطلقته مجلة “العربي” الكويتية الشهرية الثقافية والمصورة والتي كانت تُطبع منها ٣٠٠ ألف نسخة للدول العربية، ، في تحقيق صحفي نشرته في إبريل 1967 قام به صحفي لبناني. والمثير للدهشة أن الموريتانيين أنفسهم، وهم أعلم بشعابهم، صدقوا الأكذوبة مع الوقت والتكرار !! أنا شخصيا بحثت ووجدت أنه على مستوى موريتانيا هناك ثلاث شعراء معروفين: محمد ولد الطالب، ومحمد ولد عبدي، والشيخ ولد بلعمش.
لاحظ عزيزي القارئ المزاعم والأكاذيب العربية دائماً فيها عدد “المليون”! الجزائر بلد “المليون” شهيد، موريتانيا بلد “المليون” شاعر! اللغة العربية لغة “المليون” كلمة. (راجع مقالة “هل اللغة العربية مقدسة فعلاً وخالية من العيوب؟”).

ما يسمى “بروتوكولات حكماء صهيون” هي جزء من نظرية المؤامرة المعادية لليهود، وخلافاً للمزاعم فهي ليست مصدرا تاريخيا، ولكنها بالأحرى عمل أدبي.
-
كذبة إسرائيل الكبرى
المقصود بإسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات في السردية الوهميّة العربية والإسلامية والتي يتم الترويج لها في الإعلام والمناهج الدراسية، كل أراضي اسرائيل الآن والضفة الغربية وقطاع غزة والأردن ولبنان وثلثا سوريا ونصف مصر وثلاثة أرباع العراق، وتم توسيعها من قبل ياسر عرفات في 1990 لتشمل ربع مساحة السعودية حتى مدينة “خيبر”. فالكذبة أذا تكررت تكبر شيئا فشيئا! وهذا يعني أكثر من 2 مليون كم مربع و250 مليون نسمة!
على الصعيد العملي هذا أمرٌ محال لا يمكن وقوعه أو تحقيقه لا جغرافيا ولا سكانياً ولا دينياً أو ثقافياً! أيُعقل أن دولة اسرائيل الصغيرة بمساحة 22 كم مربع، وهي نقطة على الخريطة، وتعداد سكاني بـ10 مليون نسمة، تحتل دول عربية بمساحة تتجاوز 2 مليون كم مربع و250 مليون نسمة يعتنقون ديناً يُحرض على كراهية وقتال اليهود! الجيش الإسرائيلي بكامل عدته وعتاده لايستطيع السيطرة على مدينة القاهرة فما بالك بمنطقة شاسعة من النيل الى الفرات!
إسرائيل أعطت مصر، مقابل السلام، أرضَ سيناء التي تبلغ مساحتها 60 ألف كم مربع وهي جزء من إسرائيل التوراتية! ولو كان لديها حلم إسرائيل الكبرى ما كانت لتتنازل عن ثلاثة أضعاف مساحتها بمعاهدة سلام! حتى في “الكتاب المقدس”، والذي تُعتبر التوراة الجزء الأول منه، لا ذكر أو وجود لإسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات. فكل ذلك افتراءات وأباطيل.
عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2024 خريطتين للشرق الأوسط تحملان دلالات متناقضة: خريطة سمّاها “النعمة” تظهر اسرائيل متصلة بدول عربية كممر بري يربط آسيا بأوروبا (السعودية، مصر، الأردن، السودان، الإمارات)، وتهدف إلى تصوير رؤية للسلام والإزدهار الإقليمي عبر التطبيع. خريطة اخرى سمّاها “اللعنة” تمثل إيران وحلفاءها (العراق، سوريا، اليمن) باللون الأسود، وتُصوّر ما وصفه بـ”قوس الإرهاب” الذي يعيق جهود السلام والاستقرار في المنطقة.
لم يأتِ إطلاقا على ذكر إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات! وكان محقاً في تسمية العراق وإيران واليمن بدول اللعنة! انظر كيف غَدَرت إيران وأذرعها في العراق واليمن بجيرانها من دول الخليج!
هم يُريدون فقط حماية أمن واستقرار واستقلال دولة إسرائيل، الكيان السياسي والجغرافي المستقل الذي يبلغ ٢٢ ألف كم مربع وحدوداً آمنة مع مصر والاردن ومعاهدة سلام معهما، وترسيم حدود مع لبنان، ونزع سلاح حزب الله وحماس والفصائل الفلسطينية ليحموا شعبهم من هجمات الارهابيين وعدم تكرار أحداث 7 اكتوبر 2023!
ولكن الحاصل لدينا أنهم يكذبون الكذبة ويصدقونها ويردّدونها ثم يعتبرونها حقيقة “مسلّمة” راسخة في الأذهان غير قابلة للنقاش، ومن ثم يتهمون من يقول الحقيقة بأشد الإتهامات، من العمالة والخيانة إلى التصهيُن ومعاداة الإسلام والعروبة! ودائما تأتي الإتهامات ممن يُسمون أنفسهم بالمثقفين النخب أو المفكرين والعلمانيين أو حتى الملحدين العرب، لأنهم أصلاً أبناء البيئة التي تَربّت ودرست وترعرعت على ثقافة كراهية الغرب واليهود. وإدوارد سعيد ومحمد اركون أفضل نموذجين على ذلك!
ختاماً، نحن ضحايا خدعة كبرى ومنتج تربوي وتعليمي وإعلامي عربي مضلل وزائف. الجميع دون استثناء عانى منه، وأنا أولهم وأكثرهم! فنحن جميعا ضحايا مجتمع خرافي أسطوري يؤمن ببغلة تطير ونملة تتحدث وطائر هُدهُد يتفاوض ويأتي بخبر عظيم! وألبرت اينشتاين واضع نظريتي النسبية العامة والخاصة الشهيرتين هو من حفِدة القردة والخنازير ! وشمس تذهب عند الغروب لتسجد تحت عرش الرحمن وتعود في الصباح الباكر لتشرق من جديد!
في هذه الفترة الزمنية الحرجة والمصيرية لا يمكن أن نكون جزءا من الكراهية الإسلامية لليهود والمسيحيين ونمتثل للآية القرآنية “لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء” فللآية أسباب نزول! الخليفة عمر بن الخطاب ولغرض المنفعة العامة عطّلَ رسمياً وأوقف العمل بآية “المؤلفة قلوبهم”. ونحن في هذه المرحلة التاريخية، تتقاطع مصالحنا الاقتصادية والأمنية والثقافية والتكنولوجية مع اليهود والنصارى شئنا أم أبينا!
أنت تُريد أن تكون من أنصار جماعة الهدم والهوان، كالإخوان المسلمين وحزب الله والناصريين القوميين، فهذا شأنك!
