نسبة مشاركة الفلسطينيين في الانتخابات الإسرائيلية ليست ثابتة، وإنما تتأثر بالظروف السياسية والحقوقية والأمنية، وبمدى اعتقاد الناخب الفلسطيني أن صوته قادر على إحداث تغيير.
وبالنظر إلى النسبة العالية من المشاركين الفلسطينيين في انتخابات الثلاثاء (يبدو أنها بلغت 80%) فإن السؤال التالي يطرح نفسه: لماذا يتجه الفلسطينيون في إسرائيل إلى صناديق الاقتراع بأعداد كبيرة أحيانا ولماذا يقاطعها قسم منهم في أحيان أخرى؟
من أبرز أسباب المشاركة الفلسطينية العالية، حسب محللين ومراقبين، منعُ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من تشكيل حكومة جديدة بالتحالف مع اليمين المتشدد، ومواجهة ما يرونه تزايداً في العنصرية.
ويرى عدد من الناخبين العرب أن الامتناع عن التصويت قد يساعد في بقاء حكومة نتنياهو، بينما يمكن لزيادة المشاركة أن تعزز فرص خصومه.
وتوضح التقارير المنشورة وبعض الاستطلاعات والتقديرات الأولية إلى احتمال حصول القوائم العربية على نحو 18 إلى 19 مقعدا في الكنيست، مقارنة بـ10 مقاعد كانت تشغلها في الكنيست السابق.
وحسب “تايمز أوف إسرائيل”، لم تعد الانتخابات بالنسبة إلى كثير من الفلسطينيين قضية قومية فقط، بل باتت مرتبطة بأمنهم اليومي، وشعورهم بأن الحكومة والشرطة لم تتعاملا مع هذه المشكلات بفاعلية كافية، ما يمنحُ تصويتهم معنى.
ولعبت الحملات الانتخابية والرغبة في تقوية التمثيل العربي في الكنيست دورا في تحشيد الفلسطينيين للانتخابات. كما أن وجود القائمتين العربيتين الرئيسيتين، “القائمة المشتركة” و”رعم”، فتح الطريق للناخبين للسعي إلى شراكة حكومية وإلى دعم الحكومة من الخارج دون الانضمام إليها.
ويبدو أن بعض من كانوا يقاطعون الانتخابات بسبب عدم الثقة بالنظام السياسي أعادوا النظر في موقفهم. فبدلاً من اعتبار التصويت شَرعنة لنظام غير عادل، أصبح بعضهم يعتبره وسيلة لفرض واقع سياسي جديد والضغط من أجل التغيير.
يظل الناخب الفلسطيني متمسكا بهويته الفلسطينية، ومتضامنا مع الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة، وفي الوقت نفسه يصوّت في الانتخابات الإسرائيلية لحماية مصالحه أو لمواجهة اليمين. لذا، لا يصح الاستنتاج من ارتفاع المشاركة الفلسطينية أن الهوية الفلسطينية تراجعت، أو أن المواطنين العرب باتوا أكثر قبولا بالنظام السياسي. فالتصويت لا يكشف وحده عن موقف الناخب من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ولا عن نظرته إلى تعريف إسرائيل لنفسها دولة يهودية.
إن المحرك الأساسي للمشاركة الفلسطينية ليس بالضرورة ازدياد الثقة بالدولة الإسرائيلية، بل ازدياد الشعور بأن كلفة الامتناع عن التصويت أصبحت أعلى من كلفة المشاركة. فالفلسطيني داخل إسرائيل يشارك بكثافة في انتخابات الدولة التي ينتقد سياساتها القومية، لا لأنه حسم موقفه من شرعيتها أو هويتها، بل لأنه يريد التأثير في القرارات التي تمس حياته مباشرة.
والاختبار الحقيقي لهذا التحول لن يكون عدد المصوتين وحده، بل ما إذا كانت هذه المشاركة ستترجم إلى تأثير سياسي ملموس في تشكيل الحكومة، وتحسين المساواة في الحقوق.
