الانزياح المرتقب من ردهات الدبلوماسية إلى الغرف المظلمة
تتزايد الأنباء والتسريبات القادمة من أروقة الأمم المتحدة بشأن الترتيبات الجارية لاستضافة واشنطن اجتماعاً استخباراتياً مغلقاً رفيع المستوى على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. ووفقاً للتقارير المتداولة، من المقرر أن ترأس الولايات المتحدة الأمريكية هذا اللقاء بمشاركة رؤساء أجهزة استخبارات 10 دول إقليمية ودولية فاعلة في الملف الليبي؛ وهي: مصر، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، قطر، السعودية، تركيا، ألمانيا، الإمارات العربية المتحدة، والمملكة المتحدة.
إن مجرد التخطيط والتأطير لعقد اجتماع بهذه الطبيعة الأمنية الصرفة يُعدّ إعلاناً صريحاً ومسبقاً عن تحول بنيوي وشيك في التعاطي الدولي مع الأزمة الليبية؛ تحولٌ أزاح الستار عن الوجه الحقيقي لإدارة النفوذ، حيث تتأهب القوى الفاعلة للانتقال جهاراً من “الدبلوماسية الدستورية والسياسية” إلى ما يمكن تسميته بـ “الهندسة الأمنية الخشنة”، بما يهدد بتجريد المشهد الليبي من أي بعد سيادي وتحويل البلاد رسمياً إلى ساحة مكشوفة لتقاسم المصالح وإدارة الفوضى.
إن التحضير لجلوس تسعة أجهزة استخباراتية إقليمية ودولية على طاولة واحدة تحت إدارة أمريكية مباشرة لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق الصراع المستمر في ليبيا منذ عام 2011. فالحقيقة التي لم تعد خافية هي أن هذه الدول لم تكن يوماً راعية للسلام كما حاولت التسويق له عبر اتفاقات الصخيرات وبرلين وباريس، بل كانت ولا تزال شريكاً أصيلاً في الصراعات، ونهب الثروات، وتسهيل تهريب النفط، وتوفير الدعم المالي والعسكري للمجموعات المسلحة، وتغذية الآلة الإعلامية المؤججة للفتن. لقد تخلت هذه القوى عن جميع التزاماتها الدولية والتعهدات التي صاغتها بنفسها في مؤتمرات كبرلين، وكانت المسبب المباشر لاندلاع الحروب، وحالات الإبادة، وإغراق البلاد بالسلاح وتكريس الفوضى، لتعود اليوم وتتجهز لممارسة دور المهندس الرئيسي لتفكيك الدولة وإعادة إنتاج الأزمة عبر شرعنة أدواتها الميدانية خلف الأبواب المغلقة.
دلالة التشكيل الاستخباراتي ورئاسة واشنطن: نحو الضبط الأمني المباشر
إن الحديث عن ترتيب هذا اللقاء على مستوى رؤساء أجهزة المخابرات تحديداً، واستبعاد وزراء الخارجية والمبعوثين الدبلوماسيين من أجندته الأساسية، يحمل اعترافاً ضمنياً متوقعاً من القوى الدولية بأن المسارات الدبلوماسية التي ترعاها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا أضحت مجرد مسرحيات هزلية لاستنزاف الوقت وتسويق الأوهام للشارع الليبي. يبدو أن هذه الدول تتجه بوضوح للقفز فوق “النقاشات السياسية والمبادرات الدستورية” المفككة، والعبور مباشرة إلى مرحلة “الضبط الأمني المباشر”.
فالملفات الحاكمة والمتوقع طرحها على طاولة هذا اللقاء لا تتعلق بصياغة قاعدة دستورية أو التجهيز لانتخابات رئاسية وبرلمانية يطمح إليها ملايين الليبيين، بل أصبحت قضايا أمنية واستراتيجية بحتة يُراد رسم خطوطها العريضة في المطبخ الاستخباراتي الخلفي، وتتمثل في:
إدارة وتوزيع عوائد النفط والغاز: ضمان استمرار تدفق الطاقة إلى الأسواق العالمية دون انقطاع، والسيطرة على قرارات المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف المركزي بما يضمن عدم انهيار المنظومة المالية، ويسهل التحكم في التدفقات النقدية وفق رؤى القوى الأجنبية.
تجميد الجبهات وحوكمة المجموعات المسلحة: الالتفاف على مقترحات “تفكيك الميليشيات وإعادة دمجها” الوطنية، والذهاب بدلاً من ذلك نحو التكيف مع الأمر الواقع عبر إعادة إدماج قادة المجموعات المسلحة في الشرق والغرب والجنوب ضمن شبكات أمنية ومصلحية تضمن الولاء للخارج وتمنع اندلاع حرب شاملة قد تضر بمصالح الطاقة. ضبط التوازنات العسكرية الأجنبية والمرتزقة: وضع قواعد اشتباك غير مكتوبة لمنع الاصطدام المباشر بين القوات الأجنبية والمرتزقة المتواجدين على الأراضي الليبية، ورسم خطوط حمراء تحافظ على حالة “لا سلم ولا حرب”. السيطرة على ملف التهريب والهجرة: إحكام السيطرة الأمنية على الحدود الجنوبية والساحلية لليبيا للحد من تدفقات الهجرة غير الشرعية وشبكات التهريب العابرة للحدود، والتي تشكل كابوساً يؤرق المضاجع الأمنية للدول الأوروبية المطلة على المتوسط.
أما القيادة الأمريكية المباشرة المرتقبة لهذا النادي الاستخباراتي، فتفصح عن رغبة واشنطن الحاسمة في إعادة إمساك خيوط اللعبة الاستراتيجية في شمال إفريقيا. تأتي هذه الخطوة لضمان التوازن بين الحلفاء الإقليميين المتنافسين، ولفرض خطوط حمراء أمنية تمنع قوى دولية منافسة (وتحديداً النفوذ الروسي والتمدد الصيني) من توسيع القواعد العسكرية أو النفوذ في مناطق الهلال النفطي والجنوب الليبي الاستراتيجي.
السجل التاريخي للقوى المتدخلة: شريكة الفوضى وصانعة الأزمات
إن التمعن في السلوك السياسي والعسكري للدول العشر المرتقب اجتماعها في نيويورك يكشف حجم التناقض الصارخ بين بياناتها الدبلوماسية المعسولة وواقع الممارسات الميدانية؛ فهذه القوى التي تصوت على قرارات حظر التسليح في مجلس الأمن (كالقرار 1970) هي ذاتها التي أجهضت كل فرص السلام والاستقرار عبر:
إغراق البلاد بالسلاح وتأجيج الحروب: فتح خطوط الإمداد العسكري المباشر وتقديم أحدث المنظومات الدفاعية والطائرات المسيرة والذخائر المتطورة للأطراف المتصارعة، مما حول ليبيا إلى حقل تجارب للأسلحة وأدى إلى سحق المدن وإحداث جرائم وإبادات بحق أبناء الشعب الليبي.
شراكة نهب الثروات وشرعنة اقتصاد الحرب: التغاضي الممنهج عن شبكات تهريب النفط ومشتقاته، وإبرام الصفقات الموازية، وتوفير الملاذات الآمنة للأموال المنهوبة، بما يضمن استنزاف القدرات المالية للدولة وتأمين مصالح الشركات الأجنبية المظلمة.
الدعم الإعلامي والميداني للمجموعات المسلحة: توظيف المنصات الإعلامية المؤججة للفتن والمغذية للانقسام المناطقي والجهوي، إلى جانب إضفاء الشرعية الحصريّة على أمراء الحرب والشبكات المسلحة وتحويلهم من مهددات للأمن إلى “شركاء أمنيين” معتمدين لدى السفارات والاستخبارات الأجنبية. ثالثاً: تفكيك جغرافيا المصالح: صراع المحاور على الكعكة الليبية
يكشف التشكيل المُرتقب للدول المشاركة في اجتماع نيويورك عن طبيعة “الوصاية المتعددة” التي تخضع لها البلاد، حيث تتقاطع المصالح وتتصادم المحاور الدولية والإقليمية على جغرافيا ليبيا في تقسيم أدوار غير أمني ومصلحي:
- المحور الإقليمي المباشر (مصر، تركيا، الإمارات، قطر، السعودية)
وهي القوى التي تمتلك أدوات نفوذ عسكرية وميدانية ومالية مباشرة على الأرض، وتتحكم بشكل وثيق في القرارات السياسية والعسكرية للفصائل والجهات الفاعلة في الشرق والغرب والجنوب. تتحرك هذه الدول بدافع تأمين حدودها المباشرة، وتأمين موطئ قدم استثماري مستقبلي في إعادة الإعمار ومشاريع الطاقة، وضمان ألا تُنتج أي تسوية قادمة خريطة نفوذ تهدد مصالحها الجيو-أمنية.
- المحور الأوروبي والأطلسي القلق (إيطاليا، فرنسا، بريطانيا، ألمانيا، برعايات أمريكية)
تتحرك هذه الدول بدافع حماية أمنها القومي المباشر ومواجهة التهديدات العابرة للحدود؛ وفي مقدمتها:
كبح تدفقات الهجرة غير الشرعية وتحويل ليبيا إلى حارس حدود خلفي للساحل الأوروبي. ضمان التدفق الآمن لإمدادات النفط والغاز الطبيعي في ظل أزمة الطاقة العالمية المتصاعدة. التغطية على التنافس البيني الخفي (كالصراع الفرنسي-الإيطالي التاريخي حول النفوذ واكتشافات النفط والغاز) عبر الدخول في تكتلات أمنية موحدة تستهدف السيطرة على القرار الجيوسياسي للبلاد. رابعاً: المؤسسات القائمة وتفريغ “الملكية الوطنية” من مضمونها
إن القراءة الفاحصة لما يمكن أن ينتج عن هذه الغرف المغلقة تقودنا إلى الحقيقة المريرة التي تسعى العواصم الكبرى إلى التغطية عليها ببيانات دبلوماسية معسولة عن “الملكية الوطنية”. لقد أصبحت عبارات مثل “الحل الليبي-الليبي” أو “سيادة الدولة” مجرد شعارات خاوية مفرغة من محتواها، وتُستخدم فقط لتنويم الشارع المحلي.
فالواقع الأليم يتلخص في أن المؤسسات القائمة اليوم في ليبيا هي مؤسسات غير شرعية بامتياز، وهي نتاج مباشر للتدخل الأجنبي؛ حيث تم فرضها وإعادة تدويرها تحت غطاء الأمم المتحدة، وتحويلها إلى أمر واقع من أجل ضمان مصالح الدول المتدخلة وتحالفها الخفي لتدمير البلاد وسرقة ثرواتها عبر أدوات وفاعلين محليين، وتحت مسميات ومبادرات وهمية.
لقد نجح هذا النظام الدولي في إنتاج طبقة سياسية وأمنية محلية مرتهنة بالكامل للخارج، تحمي مصالح القوى الدولية وتنفذ توجيهاتها مقابل البقاء في السلطة ونهب مقدرات الشعب. وتُصاغ التفاهمات الحقيقية حول قرارات السلم والحرب، وتداول السلطة، وإدارة حقول النفط ومنابع الثروة، داخل طاولات المفاوضات الاستخباراتية الأجنبية، مما يكرس حالة من الوصاية المباشرة والتبعية المطلقة للترتيبات الإقليمية والدولية.
تداعيات الهندسة الأمنية المرتقبة على مستقبل الدولة السيادية
إن الاستمرار في التعاطي مع المأزق الليبي بعقلية “إدارة الفوضى” وتأمين المصالح الأجنبية عبر القنوات الاستخباراتية يحمل في طياته تداعيات كارثية على مستقبل الدولة ومفهوم المواطنة:
تغييب خيار صندوق الاقتراع: إن فرض التسويات الأمنية الغرفية يضمن استمرار سلطات أمر واقع غير منتخبة، ويُبعد تماماً إمكانية إجراء انتخابات حرة ونزيهة تعيد الشرعية للشعب الليبي، لأن أي تجديد للشرعية قد يفرز قيادات وطنية ترفض صفقات الهيمنة الأجنبية.
شرعنة الانقسام المؤسسي والتفتت: عندما تتعامل أجهزة الاستخبارات الدولية مع ليبيا كـ “أقاليم نفوذ” (شرق وغرب وجنوب)، فإنها تكرس الانقسام المالي والأمني والعسكري، وتجعل من فكرة “الدولة الموحدة” مجرد وهم عصي التحقيق.
تدمير النسيج الاجتماعي واقتصاد الدولة: إن التغاضي الدولي عن غسيل الأموال وتهريب الوقود والنهب الممنهج للثروات يؤدي إلى إفقار الشعب الليبي وتدمير بنيته التحتية، وتحويل الاقتصاد الوطني إلى اقتصاد حرب قائم على الرعايات والابتزاز الأمني. خاتمة: الخروج من نفق الوصاية ومواجهة الحقيقة
تكشف الترتيبات المتسارعة لعقد “مطبخ نيويورك الاستخباراتي” عن حقيقة لا تقبل اللبس: إن أزمة ليبيا لم تعد منذ فترة طويلة صراعاً أهلياً أو محلياً بين أطراف متنازعة على إدارة السلطة، بل هي أزمة إدارة مصالح وتدافع جيوسياسي دولي على جغرافيا ثرية وموقع استراتيجي حاكم.
وطالما ظلت هذه الدول العشر تتأهب لإدارة المشهد بعقلية “الضبط الأمني” و”تأمين المصالح الأجنبية الخاصة” بدلاً من إنهاء التدخلات الفاضحة ودعم قيام دولة مؤسسات حقيقية، فإن الحل الجذري للأزمة الليبية سيبقى مؤجلاً إلى أجل غير مسمى، وستظل السيادة الوطنية الليبية رهينة غرف الاجتماعات المغلقة خلف البحار.
إن الخروج من مأزق الوصاية الدولية وإسقاط مؤسسات الأمر الواقع المفروضة تحت رعاية خارجية يتطلب نهوضاً وطنياً وتشكيل كتلة مجتمعية وسياسية عابرة للانقسامات الجغرافية، تفرض رؤية سيادية موحدة تجبر المجتمع الدولي على التعامل مع ليبيا كدولة ذات سيادة وشريك متكافئ، وليس كمجرد ساحة نفوذ، وإدارة مخاطر، ومصدر طاقة رخيص يُدار من غرف الاستخبارات.
