عندما تتحول الإصلاحات إلى “حصان طروادة”: فشل “وَصفات” الحَوكمة التي يطرحها “صندوق النقد الدولي” في دولة واقعة تحت أسر النفوذ السياسي
لم يكن انهيار القطاع المصرفي اللبناني ناتجًا عن عيوب في “قانون النقد والتسليف” بحد ذاته. بالأحرى، نَجَمَ الإنهيار عن عقودٍ من الممارسات الخاطئة، وضعف الرقابة، والتواطؤ بين السلطات السياسية والمؤسسات النقدية. لقد تمَّ تجاهلُ الضوابط والتوازنات القائمة، أو التحايل عليها، أو إفراغها من مضمونها من خلال سوء الحَوكمة والانعدام الكامل للمساءلة.
وعلى خلاف السرديّة السائدة، لم يحدث إطلاقاً أن تركّزت السلطة حصريًا في يد حاكم مصرف لبنان وحده. فقد منح القانون صلاحياتٍ واسعة للمجلس المركزي، وهو هيئة جماعية لاتخاذ القرار تضم الحاكم ونواب الحاكم وأعضاء حُكميين يمثلون الحكومة. وقد صُمم هذا المجلس خصيصًا لممارسة الرقابة وضمان المساءلة. إلا أن فشله في الإشراف الفعّال على الحاكم طوال أكثر من ثلاثة عقود أتاح وقوع المخالفات، وإساءة استخدام السلطة التنظيمية، وسوءَ تطبيق القانون. إن ما حدث كان فشلًا في الحَوكمة والمسؤولية المهنية، وليس فشلًا في الإطار القانوني نفسه.
ومع ذلك، يبدو أن العلاج المقترح اليوم يستند إلى افتراضٍ مفاده أن المشكلة كانت تكمن في التركّز المفرط للسلطة داخل المصرف المركزي. فصندوق النقد الدولي يدفع باتجاه إقرار قانون مصرفي جديد يتمثل هدفه الأساسي في تقليص صلاحيات الحاكم وتوزيع السلطات على هيئات متعددة تحت شعار تحسين الحوكمة والالتزام بأفضل الممارسات الدولية.
إن سعي صندوق النقد الدولي إلى الإصلاح يستند إلى هدف مشروع يتمثل في تعزيز الحَوكمة داخل القطاع المصرفي اللبناني ومواءمة إطاره التنظيمي مع المعايير المعترف بها دوليًا. كما أن المنطق القائم على توزيع السلطات، وتعزيز آليات الرقابة، والحد من التركّز المفرط للنفوذ هو منطق مفهوم. فمن حيث المبدأ، يفترض أن تؤدي هياكل الحوكمة الأقوى إلى تقليل مخاطر إساءة الاستخدام وتحسين مستوى المساءلة المؤسسية.
غير أن المشكلة لا تكمن بالضرورة في أهداف صندوق النقد الدولي، بل في الطريقة التي يجري بها تكييف هذه الإصلاحات وتنفيذها ضمن البيئة السياسية اللبنانية. فمع تصاعد الضغوط لتعديل القوانين المصرفية وهياكل الحَوكمة، سعت جهات سياسية محلية إلى إدخال أحكامٍ إضافية توسّع من نفوذها على المؤسسات الأساسية. ويبدو أن تلك التعديلات تتجاوز بكثير مبادئ الحَوكمة التي يروِِّجُ لها صندوقُ النقد الدولي، ومع ذلك فإنها لم تستقطب المستوى نفسه من التدقيق أو الاعتراض.
هذا يخلق خطرًا كبيرًا. فالإصلاحات التي يُفترض أن تعزز الاستقلالية قد تتحول إلى أدوات للهيمنة السياسية. فالإجراءات التي تُقدَّم باعتبارها تحسينات في الحَوكمة قد تؤدي عمليًا إلى فتح قنواتٍ جديدة تسمح للقوى السياسية بممارسة نفوذها على الهيئات التنظيمية والرقابية. وقد تكون النتيجة نظامًا يبدو أكثر تطورًا وتعقيدًا على الورق، لكنه يصبح أقل استقلالية في الواقع.
ومن هذا المنطلق، تشبه بعض التعديلات المقترحة “أحصنة طروادة” مزروعة داخل أجندة إصلاحية تبدو مشروعة في ظاهرها. فبإسم تحسين الحَوكمة، تُدخل هذه التعديلات آلياتٍ قد تؤدي إلى تعميق التدخل السياسي في المؤسسات التي يفترض أن تعمل باستقلال عن السلطة السياسية. وبدلًا من تحصين القطاع المصرفي ضد التدخلات السياسية، فإنها قد تفضي إلى إضفاء الطابع المؤسسي عليها وترسيخها.
إذا تُركت تلك التداعيات غير المقصودة من دون معالجة، فقد تكون النتيجة النهائية عكسَ ما تهدف إليه الإصلاحات تمامًا: قطاع مصرفي تحكمه المزيد من اللجان، والمزيد من الإجراءات، والمزيد من هياكل الرقابة الرسمية، لكنه يظل عرضة للهيمنة السياسية. فالإصلاح الإداري الذي يزيد من النفوذ السياسي ليس إصلاحًا على الإطلاق؛ بل هو مجرَّدُ نفوذٍ سياسي يعمل تحت اسم مختلف.
ومن أبرز التغييرات وأكثرها تأثيرًا توسيع صلاحيات الهيئة المصرفية العليا، وهي الجهة المسؤولة عن الإشراف على إعادة هيكلة المصارف وعمليات الدمج والتصفية. وبموجب مشروع القانون المقترح، ستكتسب الهيئة نفوذًا واسعًا على مستقبل المؤسسات المالية، وقد تتمكن، في ظروف معينة، من التأثير على الإجراءات التنظيمية التي يتخذها مصرف لبنان نفسه.
غير أن السؤال الجوهري ليس كيفية توزيع الصلاحيات على الورق، بل كيفية تعيين أعضاء المؤسسات وكيفية تطبيق القانون عمليًا. فإذا استمر تعيين أعضاء الهيئة المصرفية العليا عبر الآليات السياسية نفسها التي ميّزت التعيينات العامة لعقود، فلن تكون النتيجة حَوكمة أفضل. بل على العكس، قد تصبح المساءلة أكثر تشتتًا، إذ تتوزع المسؤولية على عدد أكبر من الجهات، ما يجعل من الصعب تحديد المسؤولين عن المخالفات ومحاسبتهم.
إن مشروع القانون الحكومي يمنحُ ثلاثة وزراء — وزراء المالية والاقتصاد والعدل — صلاحية تعيين «خبراء» في الهيئة المصرفية العليا. وسيجلس أولئك المعيّنون سياسيًا إلى جانب المدير العام لوزارة المالية، وقاضٍ مستقل، وحاكم مصرف لبنان، ونائبَي الحاكم، بمن فيهم النائب الأول للحاكم.
وبذلك، سيكون أربعة أعضاء من أعضاء الهيئة مرتبطين مباشرة بالمؤسسة السياسية أو خاضعين بدرجة كبيرة لتأثيرها. وهذا يثير مخاوف جدية بشأن استقلالية الهيئة، وبالتالي استقلالية مصرف لبنان نفسه. إذ سيتمكن هؤلاء الأعضاء من التأثير على النصاب القانوني للاجتماعات، وتوجيه القرارات المتعلقة بالمصارف التي ستستمر في العمل أو التي سيتم إشهار إفلاسها، والتأثير على النتائج التنظيمية ذات التداعيات الاقتصادية الكبيرة.
وهذه المخاوف ليست نظرية فحسب. فالهيئة المصرفية العليا هي السلطة النهائية التي ستقرر مصير المصارف المتعثرة، وتشرف على عمليات إعادة الهيكلة والتصفية، وتؤثر على الشكل المستقبلي للقطاع المصرفي اللبناني. ومنحُ الجهات السياسية نفوذًا أكبر داخل هذه الهيئة ينطوي على خطر تحويل عملية يفترض أن تكون تقنية ومستقلة إلى عملية تحكمها الاعتبارات السياسية وشبكات المحسوبيات والمصالح المتنافسة.
وعلى الرغم من أن الاقتراح يمثل تغييرًا قانونيًا، فإنه لا ينبغي اعتباره تلقائيًا إصلاحًا حقيقيًا. فبدلًا من تعزيز الاستقلالية المؤسسية، فإنه قد يؤدي إلى ترسيخ النظام اللبناني التقليدي القائم على تقاسم السلطة والتوازنات الطائفية والمحاصصة السياسية، من خلال إدخال طبقات إضافية من النفوذ إلى القطاع المصرفي.
وتزداد المخاطر وضوحًا في البيئة السياسية الحالية. فإذا أُقر القانون بينما لا يزال حزب الله وحلفاؤه يمارسون نفوذًا كبيرًا على مؤسسات الدولة، فمن المرجح أن تعكس التعيينات في هذه الهيئات القوية الواقعَ السياسي السائد أكثر مما تعكس معايير الكفاءة أو الجدارة أو الاستقلالية. وسيكون الأشخاص الذين يتم اختيارهم، حتمًا، من بين أولئك المقبولين لدى القوى السياسية المهيمنة أو الساعين إلى التفاهم معها.
ونظرًا لأن الأعضاء سيشغلون مناصبهم لمدة خمس سنوات، فإن هذه التعيينات قد تؤثر في إعادة بناء القطاع المصرفي لجيل كامل. فخمس سنوات فترة كافية لإعادة تصميم القطاع، والتأثير على هيكل السوق، وتحديد الرابحين والخاسرين، وترسيخ مراكز قوة جديدة. كما أنها فترة كافية لإعادة إنتاج كثير من الظروف التي أدت إلى الأزمة الأصلية بصورة تدريجية.
لذلك ينبغي النظر بحذر إلى حالة الاستعجال المحيطة بإقرار القانون وإلى الاندفاع نحو ملء هذه المناصب. فما يُقدَّم على أنه إصلاح في الحوكمة قد يتحول عمليًا إلى آلية لترسيخ النفوذ السياسي داخل النظام المالي لسنوات طويلة قادمة. كما أن السباق لإقرار القانون وتعيين أعضاء هذه الهيئات الجديدة ذات الصلاحيات الواسعة هو أيضًا سباق لتحديد من سيسيطر على القطاع المصرفي خلال مرحلة إعادة الإعمار. وبمجرد إجراء هذه التعيينات، سيمتد تأثيرها إلى ما هو أبعد بكثير من الدورة السياسية الحالية.
ومن خلال توزيع السلطة على عدد من اللجان والهيئات المختلفة، مع إضعاف خطوط المساءلة الواضحة في الوقت نفسه، فإن الإطار المقترح يهدد بخلق البيئة المثالية لاستمرار الممارسات نفسها التي يدّعي أنه جاء لمنعها. فستتجزأ المسؤولية، وتتراجع المساءلة، ويترسخ النفوذ السياسي بصورة أعمق داخل المؤسسات التي يُفترض أن تعمل باستقلالية.
إن لبنان لا يعاني من نقصٍ في القوانين أو اللجان أو الهيئات التنظيمية. بل يعاني من نقص في المساءلة. فالانهيار المصرفي في البلاد لم يكن نتيجة غياب المؤسسات، بل نتيجة فشل تلك المؤسسات في أداء واجباتها وغياب أي عواقب عندما أخفقت في ذلك.
قد ينشئ قانون مصرفي جديد لجانًا جديدة، ويعيد توزيع الصلاحيات، ويستحدث هياكل حَوكمة جديدة. لكن إذا استمرت القوى السياسية نفسها في التحكم بالتعيينات، والتأثير على القرارات، والإفلات من المساءلة، فإن لبنان سيجد نفسه ببساطة أمام قانون مصرفي جديد يخدم النظام القديم نفسه.
وذلك ليس إصلاحًا.
إنه مجرد إعادة تنظيم للمسؤوليات من دون إحداث تحول حقيقي في الحَوكمة.
