من يزور مدينة النبطية، وهي حاضرة جبل عامل مدينة التاريخ والاصالة والبيوت التاريخية والاثرية، ويجول في شوارعها الفارغة من الأهالي ومن الناس ، يشعر وكأنه يشاهد فيلماً وثائقياً عن الحرب العالمية الثانية.
من يعرف مدينة النبطية يدرك أن جغرافيا المدينة قد تغيرت، ولم يعد الانسان قادرا على معرفة الامكنة التي يمر بها نظراً للدمار الكبير الذي أصابها.
أحياء سكنية هدمت، ومحلات تجارية وشوارع ما زال الركام والدمار يغطيها، بنى تحتية مفقودة، لا انتظام لوصول المياه الى الابنية التي ما زالت قائمة، والكهرباء هي حديث عن الذاكرة والذكريات.
مدينة النبطية كانت تحوي 21 الف وحدة سكنية لا يعرف حتى اللحظة ما بقي منها. مدينة كان يسكنها اكثر من 22 الف عائلة، ولكن الان لا يتجاوز عدد العائلات المقيمة فيها 500 عائلة، باقي العائلات ما زال يعيش في شقق مستأجرة في مناطق مختلفة من لبنان او في مراكز ايواء ما زالت تستقبل النازحين.
تقول احدى المواطنات:” شكرت ربي عندما عدت الى النبطية ووجدت شقتي ما زالت قائمة لكنها تعرضت لبعض الأضرار الذي يمكن إصلاحه، لكت المشكلة برزت من جانب آخر، وكأنه لا يكفي التهجير وترك منازلنا، اذ فوجئت بصدمة كبيرة عندما طالبني صاحب الملك بدفع إيجار الشقة من شهر آذار وحتى الآن وهي الفترة التي قضيتها مع عائلتي في مدرسة في منطقة اخرى، لاننا لم نستطع استئجار شقة ودفع الإيجار الشهري الخيالي المطلوب. لم يكن لي خيار آخر سوى النزوح مجددا الى غرفة أسكنها مع عائلتي في منطقة الأوزاعي وإيجار يمكن تحمله، ولا أعلم اذل كان بالإمكان الشعور بالأمان.
تركت مدينتي التي ولدت وعشت فيها لاني غير قادرة على دفع بدل إيجار الأشهر المكسورة، ولا احد يتابع الموضوع لا البلدية ولا النواب ولا الوزراء ولا احد يمد يد المساعدة، وتعود وتسأل لماذا لا تعودين إلى النبطية؟”
في احد الشوارع التجارية يلتقي احد المواطنين بصديق له لم يراه منذ بدء الحرب ويخبره بوضعه قائلا:” لقد دُمر منزلي في ميفدون، وقُصف محلي هنا في السوق، وتعرض لسرقة ما تبقى به من بضاعة، صرت بلا منزل وبدون عمل ولا احد يساعدنا على تخطي الوضع الراهن، كلهم مشغولين بالنزاع على السلطة ولا طرف يحاول أن يتعالى عن الخلافات ويمد يد العون لاعادة البناء”.
احدى المواطنات كانت تسير مسرعة تتلفت الى جميع الجهات وكأنها تخاف من شيء قد يحدث، كانت تضحك لكن الدمع يملأ عينيها.
قالت:”عدت امس لاتفحص ما حصل بمنزلي في “حاروف”، وصلت الى النبطية لا ناس ولا حركة سير، وكان السؤال كيف اصل إلى “حاروف”؟ احد اصحاب “التوك توك” وافق على نقلي من قرب الحسينية في النبطية إلى مفرق “حاروف” لكنه اشترط أن يتقاضى عشرة دولارات، لم يكن أمامي خيار آخر وأكملت مشواري إلى “حاروف” سيرا على الأقدام وانا اراقب الابنية المدمرة والركام قربها، واليوم أعود ال مركز الإيواء واتساءل كيف يمكن ان نكمل حياتنا”.
رئيس بلدية النبطية، وفي اكثر من لقاء، يقدم نقداً كبيراً للدولة المتقاعسة عن القيام بدورها بتقديم العون والمساعدة، وتأمين عودة الأهالي إلى منازلهم. وهو محق في جانب من حديثه. وفي جانب آخر يطرح عليه سؤال: لماذا لم يسأل نواب المنطقة ووزراء يمثلون القوى السياسية الموجودة في البلدية، ماذا تفعل، وكيف يمكن مساعدة الأهالي على العودة وإعادة البناء، ولماذا لم يعد الا نسبة قليلة من الاهالي؟.
انها ليست مأساة مدينة تاريخية فحسب انها مأساة وطن تسيره قوى سياسية كل على هواه.



