خبير التسلّل بين الشقوق، ليس ذراعاً لإيران، ولا ورقةً أميركية، بل قوة مستقلة تراقب لحظة الاستنزاف المتبادل وتحاول استثمارها.
اليمن ـ
حين يُقرأ اليمن من الخارج، يبدو المشهد أحياناً وكأنه مواجهة بسيطة بين الحوثي وخصومه. لكن هذه قراءة ناقصة.
فاليمن اليوم ساحة مزدحمة بقوى متنافسة، وكل ضربة تُضعف طرفاً رئيسياً قد تفتح فراغاً يستفيد منه طرف ثالث أكثر صبراً وخطورة – تنظيم القاعدة في جزيرة العرب.
📌 خريطة القوى اليمنية:
🔹 الحوثيون: القوة المهيمنة في الشمال، يسيطرون على صنعاء وعلى مناطق يعيش فيها نحو 60% إلى 65% من السكان.
🔹 مجلس القيادة الرئاسي: الواجهة المعترف بها دولياً، لكنه ضعيف ومفكك ويفتقد قوةً عسكريةً موحدة، وكل مكوّن داخله يحتفظ بهامش استقلال واسع.
🔹 الإصلاح: الحزب الإسلامي السني الأبرز داخل المعسكر غير الحوثي، وخصومته ليست مع الحوثي فقط، بل أيضاً مع قوى مدعومة إماراتياً.
🔹 الانتقالي الجنوبي: التيار الانفصالي الأبرز في الجنوب، والمدعوم إماراتياً سابقاً. تعرّض لهزة كبيرة وانقسام وضغط سعودي مطلع 2026، لكنه لم يختفِ بالكامل، وما تزال له قاعدة وأنصار ورموز فاعلة.
🔹 تنظيم القاعدة في جزيرة العرب: ليس مجرد بقايا هاربة، بل تنظيم ما يزال حاضراً، وتقدّر تقارير أممية حجمه بنحو 3,000 إلى 4,000 بين مقاتلين وعناصر مساندة، مع أولوية لعمليات داخلية عالية الأثر، وبقاء القدرة على تهديدات أوسع.
⚠️ وهنا تكمن المعضلة اليمنية.
فأي تدخل عسكري خارجي، أو حتى قصف واسع النطاق، يجعل المشهد أكثر تعقيداً لا أقل.
فإذا استُنزف الحوثي، فليس مضموناً أن ترث “الدولة” هذا التآكل، لأن معسكر الدولة المقابل أصلًا متشظٍ. وإذا تآكل “الإصلاح” أو “الانتقالي” أو وحدات “مجلس القيادة” في صراع داخلي أو إقليمي، فإن الفراغ الناتج لا يبقى فراغاً نظرياً، بل يتحول إلى مساحة قابلة للتسلل الجهادي.
ولهذا فاليمن لا يشبه معادلات المحاور البسيطة.
كل طرف يخشى إضعاف خصمه، لكنه يخشى أيضاً أن يؤدي هذا الإضعاف إلى تقوية وحش ثالث ينتظر بصبر، ويراقب لحظة الانقضاض.
🧩 خطورة القاعدة تكمن في أنها ليست جزءاً من المحور الإيراني مثل الحوثي، ولا جزءاً من المعسكر الأميركي-الخليجي مثل بقية القوى اليمنية.
🎯 فالقاعدة في اليمن هي قوة يمنية مستقلة، لا تتبع لدول خارجية ولا تخدم مصالح المُشغلين الدوليين، وعداؤها المعلن يشمل جميع القوى الفاعلة والمؤثرة على الأرض اليمينة تقريباً. 🎯
وزعيم التنظيم سعد بن عاطف العولقي (الصورة أعلاه) هدَّدَ في 2025 ترامب وماسك وقادة عرباً وخليجيين، في رسالة أوضحت أن التنظيم يتحرك وفق حربه الخاصة، لا وفق أجندة طهران أو واشنطن.
🔥 والأخطر أن التنظيم لا يحتاج إلى نصر مباشر وكاسح الآن.
يكفيه أن يراقب كيف يضعف الجميع بعضهم بعضاً، ثم يدخل من الشقوق.
ويساعده في ذلك رصيد طويل من الخبرة الأمنية والتنظيمية تراكم عبر سنوات من الحرب الاستخباراتية المفتوحة ضده، وما فرضته من ضغوط مستمرة على قياداته وخلاياه.
فقد أسهم هذا المسار في صقل قدرته على العمل السري، ورفع مستوى المهارة الفردية والجماعية لعناصره في مجالات التخفي، والمرونة، وإدارة الشبكات، واستغلال البيئات المحلية المحيطة، بل ومحاولة التسلل إلى المجتمعات المضطربة، وأحياناً إلى صفوف قوى وتنظيمات أخرى عند توفر الفرصة.
وهذا ما يجعل “القاعدة” في اليمن رقماً صعباً فعلًا،
ليست الطرف الأكثر حضوراً في العناوين، لكنها قد تكون الطرف الأكثر استفادة من الاستنزاف المتبادل، والطرف الذي قد يصعد على حين غفلة من الجميع ليتصدر المشهد اليمني.
الخلاصة
اليمن ليس فقط ساحة صراع بين الحوثي وخصومه، بل ساحة يخيم فوقها سؤال أخطر –
من المستفيد الحقيقي من إضعاف الجميع؟
وفي كثير من الأحيان، لا يكون الجواب هو الطرف الذي يتصدر الأخبار، بل الطرف الذي ينتظر بصمت، حتى يضعف الجميع بما يكفي.
