أثار غياب سعيد جليلي الذي يمثل أقصى اليمين في التيار المحافظ في إيران عن اجتماع المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني تساؤلات عدة. فجليلي لا يعد عضوا عاديا في المجلس، بل كان ممثلا للمرشد السابق علي خامنئي داخل المجلس.
وقال متابعون إن غياب جليلي عن الاجتماع جاء احتجاجا على قرارات المجلس الأخيرة، فيما أشار آخرون إلى وجود عملية إبعاد تدريجية يقودها المرشد الحالي مجتبى خامنئي لإقصاء المتشددين من أجل السيطرة على مركز القرار الأمني في إيران.
ووصف البعض غياب جليلي بأنه مؤشر على صراع نفوذ في أعلى هرم النظام الإيراني بين معسكر يشدّد على استمرار معاداة أمريكا والتصعيد ضدّها باعتبار أن هذه السياسة كانت متبعة أثناء قيادة علي خامنئي، وآخر يحاول إعادة ترتيب السلطة بعد مرحلة الحرب لفتح صفحة جديدة مع واشنطن، وهي سياسة يتبناها مجتبى خامنئي.
يأتي ذلك فيما تم حجب موقع “أنصاف نيوز” الإخباري بعدما أشار في أخباره إلى وجود خلافات داخل النظام، وأن غياب جليلي عن اجتماعات المجلس الأعلى للأمن القومي هو أحد مؤشرات هذه الخلافات.
وتقول الأخبار الواردة من الداخل الإيراني إن الخلافات هي بالتحديد بين تيار جليلي وبين أوساط مرتبطة بـالحرس الثوري، لكنها لم تتحول حتى الآن إلى صدام مباشر أو قطيعة كاملة.
فجليلي نفسه يُعد من أبناء التيار “الثوري” القريب أيديولوجيّا من الحرس، وترأس الوفد الإيراني في المفاوضات النووية، وسبق أن شارك في الحرب العراقية الإيرانية، كما أن له علاقات مع مؤسسات إعلامية وشخصيات مرتبطة بالحرس.
لكن، ظهرت خلال السنوات الأخيرة عدة مؤشرات على وجود توتر أو تباين في الرؤية بينه وبين بعض دوائر الحرس، خاصة حول إدارة الدولة والاقتصاد، والمفاوضات مع الولايات المتحدة، والصراع على النفوذ داخل النظام، وملف خلافة المرشد.
وكانت وكالة “تسنيم” المحسوبة على الحرس الثوري دخلت مؤخرا في سجال حاد مع موقع “رجانيوز” المحسوب على أنصار جليلي، ووصل الأمر إلى اتهامات بإثارة الانقسام داخل النظام.
وخلال انتخابات الرئاسة عام 2024 ظهرت تقارير تفيد بأن بعض أوساط الحرس فضّلت دعم محمد باقر قاليباف بدل جليلي، خوفا من أن يؤدي تشدد جليلي إلى زيادة عزلة النظام وبروز مزيد من الأزمات الداخلية.
كما نُسب إلى قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني، وفق تسريبات تداولتها وسائل إعلام إيرانية، أنه لم يكن مرتاحا لأسلوب جليلي، ووصفه بأنه شديد المركزية وقد يؤدي إلى “تجميد” مؤسسات الدولة إذا وصل للرئاسة.
ومن المهم هنا الإشارة إلى أن الحرس الثوري ليس كتلة واحدة موحدة سياسيا. فتوجد داخله تيارات متعددة، من ذلك تيار عقائدي متشدد قريب من جليلي، وتيار براغماتي يميل إلى قاليباف أو شخصيات أكثر مرونة. كذلك هناك شبكات اقتصادية وأمنية لكل منها مصالح مختلفة.
لذلك يمكن القول إن العلاقة بين جليلي والحرس تقوم على تحالف أيديولوجي عام، مع وجود منافسة وصراعات نفوذ وخلافات تكتيكية داخل معسكر المحافظين. وهي ليست علاقة عداء كامل بين الطرفين.
بعبارة أخرى، لم يُستبعَد جليلي بالكامل من مركز القرار الإيراني، بل تراجع نسبيا عنه مقارنة بما كان عليه في عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد.
إن جليلي ارتبط بمرحلة المفاوضات النووية بين عامي 2007 و2013، حين تبنى خطاب “المقاومة القصوى” ورفض تقديم تنازلات، وهو ما اعتبرته بعض مراكز القوة داخل النظام سببا في زيادة العقوبات والعزلة الاقتصادية على إيران. بعد ذلك، فضّل النظام الدفع بشخصيات أكثر براغماتية مثل علي شمخاني ثم علي لاريجاني وعباس عراقجي لإدارة الملفات الحساسة.
وهناك تيار داخل النظام يرى أن جليلي يمثّل تشددا أيديولوجيا قد يضر ببقاء النظام نفسه. حتى داخل المعسكر المحافظ ظهرت مخاوف من أن سياساته قد تدفع نحو صدامات أكبر مع الغرب وتؤدي إلى اضطرابات داخلية.
ويُنظر إلى جليلي أحيانا كشخصية ذات مشروع أيديولوجي مستقل نسبيا، وهذا يثير حساسية داخل دوائر القرار. لكن رغم ذلك، فهو لم يخرج من المشهد، حيث ما زال عضوا في المجلس الأعلى للأمن القومي ومجمع تشخيص مصلحة النظام، وله نفوذ داخل جبهة “بايداري” المتشددة، ويحظى بدعم قطاع من الشباب الأصوليين.
