خاص بـ”الشفاف”
غالبًا ما يكتب المنتصرون التاريخ، أما البيروقراطيات فلا يبنيها المنتصرون، بل يبنيها الرجال الذين يقفون دائمًا في الصف الثاني.
لكل مرحلة سياسية رجلها الذي لا غنى عنه؛ ذلك الذي لا يأسر الجمهور بخطابة، ولا يملأ القاعات بحضوره، ولا يصبح هو الخبر، بل ينصرف بهدوء إلى إعادة كتابة قصة الآخرين. هو المستشار الذي يعمّر أكثر من الوزراء، والموظف الذي يظنه الناس مجرد كاتب سجلات، والتكنوقراطي الذي يُساء فهمه على أنه موظف إداري عادي. موهبته الحقيقية ليست القيادة، بل البقاء.
ولبنان أنجب من هذه الفئة أكثر مما ينبغي. رجال لا يتمتعون عادةً بالكاريزما، لكنهم يعوضون ذلك بالصبر، وبشبكات العلاقات، وبذاكرة مؤسساتية لا تنسى، وبورعٍ يكاد يكون رهبانيًا في زرع الموالين لهم في كل موقع استراتيجي. تسقط الحكومات، ويتبدل الرؤساء، وتتغير الحكومات، أما الشبكة فتبقى.
وصاحب قصتنا لم يكن يومًا شخصية لافتة، لا في مظهره ولا في حضوره الفكري، ولذلك لم يقف في مقدمة المسرح السياسي. كان دائمًا الرجل الثاني، والملازم الأمين للزعيم. استهان به كثيرون، وحسبوه مجرد موظف أو بيروقراطي صغير، بينما لم يكن في الحقيقة أيًا من ذلك.
وُلد في صيدا، في بيئة شديدة الانغلاق، مدينة لم تعرف الكثير من الانفتاح منذ أن غادرت آخر سفينة صليبية شواطئها. وكان يعاني ضمورًا طفيفًا في شفته السفلى، يكاد يذكّر بانحناءة أحدب نوتردام. حمل إلى بيروت طموحًا لا يعرف الشفقة، أو ربما رغبةً في الثأر من الهامش الذي جاء منه.
وكحال كثيرين ممن وفدوا إلى العاصمة من المدن الطرفية، لم يختر الجامعة اليسوعية، بل وجد نفسه أكثر ارتياحًا في الجامعة الأميركية في بيروت، حيث وفّر له المناخ الطلابي المؤيد للفلسطينيين شعورًا بالانتماء، وربما غذّى لديه ما كان يعتبره مشروعًا قوميًا عربيًا.
لم يكن اسمه يُذكر عندما عمل في مصرف لبنان بوصفه رجل الرئيس سليم الحص. وفي الحقيقة، لم يكن اسم سليم الحص نفسه حاضرًا بقوة قبل أن يعود الرئيس إلياس سركيس إلى خريجي مصرف لبنان ليعثر عليه بين أرشيف المؤسسة. وكان ذلك، كما أثبتت الأيام، قرارًا دفع ثمنه غاليًا.
وبعد سنوات، كرر رفيق الحريري الخطأ نفسه.
فقد عاد هو الآخر إلى أبناء صيدا، فوجد فيه الرجل المناسب ليكون الذراع اليمنى المخلصة. وفي البداية، أدى الدور بإخلاص ظاهر. لكن شيئًا كان يزعجه منذ اللحظة الأولى: انفتاح رفيق الحريري على شخصيات لا تنتمي إلى البيئة السنية أو إلى صيدا أو إلى المزاج القومي العربي التقليدي.
من أين جاء الحريري بكل هؤلاء المسيحيين؟ رياض سلامة، باسل يارد، جوني عبده، السيد والسيدة دباس، فريد مكاري، وغيرهم كثير.
ولم يتأخر في بناء جيشه الخاص. جيش لا يحمل السلاح، بل الملفات والسير الذاتية وكتب التوصية. زرع مستشاريه في الوزارات، وفي مصرف لبنان، ثم دفع بهم إلى المؤسسات الدولية: الأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي. أصبحوا رجاله، وتلامذته، وخريجي مدرسته السياسية.
كان ذلك جيش الظل.
كانت رؤيته للبنان بعد اتفاق الطائف في غاية البساطة، بل في غاية الاختزال: السنة انتصروا، والمسيحيون خسروا، أما الشيعة فسوف تتولى «الأمة» احتواءهم في الوقت المناسب، والدروز أقل شأنًا من أن يشكلوا مشكلة حقيقية، وسيجري استيعابهم متى دعت الحاجة.
ومن هنا، لم يكن ضيقه من أي شخصية مسيحية مستقلة مجرد خلاف سياسي، بل مسألة مبدئية. ولم يقتصر الأمر على رياض سلامة، بل امتد إلى الحاكم الحالي لمصرف لبنان.
كيف يتجرأ هذا الأخير على ألا يقصده أولًا؟ كيف لا يأتي طالبًا البركة من «شيخ المال»؟ كيف يسمح لنفسه بأن يتصرف وكأن زمن الوصاية الشخصية على المؤسسات قد انتهى؟
لكن رياح المرحلة الجديدة، مع انتخاب الرئيس جوزف عون، لا تجري بما تشتهي نظارات القراءة.
ولم تتوقف المعركة عند حدود مصرف لبنان. فقد أخذ يعمل، في العلن حينًا وفي الكواليس حينًا آخر، على إثارة الشكوك تجاه الجيش وقائده، واصفًا إياه بصديق الشيعة وعدوّ البيروتيين، مع أن الرجل نفسه ليس بيروتيًا أصلًا. ثم جاء الدور على سيمون كرم.
وهنا تكمن الخطيئة الكبرى، في نظره.
فلبنان دخل مرحلة التفاوض مع إسرائيل، وهي مرحلة يرفضها دينيًا وسياسيًا، رغم أنه لم يكن يومًا مستعدًا لدفع ثمن حقيقي من أجل فلسطين، لا بدمعة ولا بدولار، مكتفيًا بخطب رنانة لا تغيّر شيئًا في ميزان الوقائع.
واليوم يحتل سيمون كرم موقعًا متقدمًا في واشنطن، وهو الموقع الذي احتكره خلال حرب عام 2006 آنذاك، هو شخصيًا. ولذلك يسعى إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، مفضلًا أن يتصدر المشهد طارق متري، الأقرب إلى الدوحة، أو غسان سلامة، الأقرب إلى باريس.
ويهمس للسعوديين بأن ترك هذا الدور للمسيحيين يضر بموقع السنة في المنطقة، بينما يبعث برسائل موازية إلى القطريين مفادها أن واشنطن تحتاج إلى محاور سني، أو على الأقل إلى شخصية محسوبة على السنة، ما دام الدور القطري أصبح أساسيًا في العلاقة مع الولايات المتحدة.
وفي الوقت نفسه، يخوض حربًا صامتة ضد نواف سلام، متهمًا إياه بأنه «سني لين» أكثر مما ينبغي. ويشجع عامر البساط على لعب دور اقتصادي أكبر، ويدفع شخصيات سنية أخرى داخل مصرف لبنان ووزارة المالية إلى توسيع نفوذها، لا بهدف تحسين الأداء، بل لمنع غير السنة من احتلال مركز القرار.
إنها، في النهاية، ليست معركة برامج ولا سياسات.
إنها معركة احتكار للمشهد.
لكن المشهد تغيّر.
فالرجل الذي أمضى سنوات طويلة يوزع الأدوار على الآخرين، يجد نفسه اليوم خارج المسرح، يراقب ممثلين جدداً يتقدمون إلى الخشبة من دون أن يطلبوا إذنه، أو حتى يلتفتوا إليه.
ولعل أقسى ما يمكن أن يصيب رجلًا اعتاد أن يحرك الخيوط من خلف الستار، هو أن يكتشف أن المسرحية مستمرة… من دونه.
إنه اليوم رجلٌ أضاع بوصلته، وسفينته تغرق ببطء. وكثيرون ممن عرفوا أساليبه، أو دفعوا أثمانها، لا يشعرون برغبة في إلقاء حبل النجاة إليه.
*
*محمود البزري صحافي لبناني-كندي مستقلّ ومعلّق سياسي، يقيم في بلدة صغيرة في مقاطعة أونتاريو الكندية منذ أكثر من عقد. بعد انتقاله من الشرق الأوسط إلى كندا في سنّ مبكرة نسبياً، بنى لنفسه مساراً مهنياً يركّز على قضايا الاغتراب، والسياسة في الشرق الأوسط، والهجرة، وعلاقة التعددية الثقافية الكندية بالشؤون الدولية.
ورغم أنّ الإنجليزية هي لغة حياته اليومية، يكتب البزري أساساً بالعربية في صحف ومنصات ومجلات رأي موجّهة إلى القرّاء العرب في كندا والعالم العربي. كما يساهم من حين إلى آخر بمقالات باللغة الإنجليزية في منشورات كندية محلية، تتناول الاندماج، والسياسة الخارجية، وشؤون الجالية العربية الكندية.
يُعرف بأسلوبه الهادئ والتحليلي، ويميل إلى المقالات المطوّلة أكثر من الأخبار العاجلة. وغالباً ما تجمع كتاباته بين الخلفية التاريخية، والمقابلات مع أكاديميين وصنّاع قرار، والملاحظات الشخصية لمهاجر يعيش بين ثقافتين.
وقد تناول في مقالاته مواضيع متعددة، من الانتخابات في الشرق الأوسط وسياسات الهجرة الكندية، إلى التعدد الديني، وأخلاقيات الإعلام، وتطور حضور الجاليات العربية في أميركا الشمالية.
وخارج عمله الصحافي، يشارك البزري أحياناً في إدارة ندوات وحوارات مجتمعية وجامعية تهدف إلى تعزيز التواصل بين المجتمعين العربي والكندي. ويصفه زملاؤه بأنه فضولي فكرياً، متعدد اللغات، وحريص على تقديم قراءة متوازنة للأحداث بعيداً عن السرديات الحزبية الضيقة.
في أوقات فراغه، يهتم محمود بالتصوير الفوتوغرافي، والمشي في المحميات الطبيعية في أونتاريو، وجمع الكتب المتعلقة بتاريخ الشرق الأوسط.

Yesss so true
Few people know that
Ktir mal3oun
للتوضيح ومنعا للالتباس ان كاتب المقال وبغض النظر عن المحتوى هو غير محمود احمد البزري /رئيس جمعية البنيان الانمائي /صيدا
تصفية حسابات شخصية صيداوية
لاحقه للرجل على شفته السفلى
المقال لا علاقة له بالسنيورة من قريب او بعيد
كاتبه يداي برأي متعصب تجاه اي آخر من غير جماعته
100/100