خاص بـ”الشفاف”
طوال فترة عهد رئيس الجمهورية الأسبق ميشال عون، برز اسمٌ تسلل بهدوء، وبشكل مستمر، عبر أكثر الصفقات السياسية والمالية حساسيةً في لبنان: علاء الخواجة.
لم يكن الخواجة معروفاً لدى عامة الناس قبل عام 2016، لكنه ظهر فجأة كعرّاب أساسي ووسيط يربط بين الرياض وعمّان وبيروت والقطاع المصرفي اللبناني. واليوم، عاد اسمه إلى الواجهة مجدداً بعد إدراجه ضمن قائمة الأفراد المستهدفين في قضية جديدة رفعها حاكم مصرف لبنان.
يستعيد المقال التالي مسيرة الخواجة كما يرويها العارفون بأنشطته: بدءاً من أيامه الأولى في الأردن ومصر، مروراً بدخوله إلى الاقتصاد السياسي اللبناني، وإلى دوره المحوري في “التسوية” التي أوصلت ميشال عون للرئاسة، ووصولاً إلى استحواذه المثير للجدل على “بنك البحر المتوسط” (BankMed) والممارسات المصرفية التي تلت ذلك.
لاعب إقليمي: من الأردن ومصر إلى بيروت
علاء الخواجة هو رجل أعمال أردني بنى قاعدة نفوذه المبكرة من خلال قربه من الأوساط الملكية في الخليج والأردن؛ حيث كان جزءاً من حاشية الأمير سلطان بن عبد العزيز آل سعود، ولي العهد ووزير الدفاع السعودي الأسبق. ومن خلال هذا البلاط، طوّر علاقة وثيقة مع باسم عوض الله، وزير المالية الأردني ورئيس الديوان الملكي الأسبق، الذي أصبح لاحقاً مستشاراً لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. يُذكر أن عوض الله سُجن لاحقاً من قبل الملك عبد الله الثاني ملك الأردن في قضية وصفتها عمّان بمحاولة انقلاب.
قبل ظهوره على الساحة اللبنانية، أمضى الخواجة فترة طويلة في مصر، حيث نمّى مصالحه التجارية هناك حتى قيام ثورة 2011. وفي أعقاب تلك الاضطرابات، غادر مصر وسعى إلى إعادة ترسيخ نفسه في مكان آخر. ووجد في لبنان — بمؤسساته الضعيفة وبنوكه النافذة ونظامه السياسي القائم على الرعاية الخارجية — أرضاً جديدة خصبة.
الخطوات الأولى في لبنان: البنوك وحراس البوابة
جاء أول موطئ قدم مؤسّسي لعلاء الخواجة في لبنان من خلال القطاع المصرفي؛ إذ بدأت علاقاته المصرفية المبكرة مع “فرنسا بنك“، حيث ربطته علاقة شخصية وثيقة بـ”نديم القصار“، أحد الشخصيات البارزة في البنك.
ولكن شبكة الحريري هي التي دفعته في نهاية المطاف إلى قلب السياسة اللبنانية. فقد تعرف الخواجة، في البداية، على محمد الحريري (الشخصية البارزة في أوساط الأعمال الخاصة بعائلة الحريري) عبر رجل أعمال لبناني معروف.
وبدوره، قام محمد الحريري بتقديم الخواجة إلى رئيس الوزراء الأسبق سعد الحريري. وجاء هذا التعارف في لحظة حرجة ودقيقة للغاية، حيث كانت العلاقات بين سعد الحريري وولي العهد السعودي محمد بن سلمان تشهد تدهوراً متسارعاً. وبلغ ذلك التوتر الطويل ذروته في تشرين الثاني (نوفمبر) 2017، عندما تم احتجاز الحريري دراماتيكياً في الرياض وأُجبر على إعلان استقالته، قبل أن يعود أخيراً إلى بيروت تحت ضغوط دولية.
وفي خضم هذا الضغط الإقليمي والمحلي، طرح الخواجة نفسه كوسيط مفيد وحلّال للمشاكل بين أطراف متعددة. ووصف حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة حضور الخواجة في إحدى المرات قائلاً: “هو لم يجلب أي أموال إلى لبنان“.
مهندس “التسوية الرئاسية” بين عون والحريري
كان انتخاب ميشيل عون لرئاسة الجمهورية اللبنانية عام 2016 أحد أبرز المحطات المصيرية التي لعب فيها الخواجة دوراً رئيسياً. فبعد فراغٍ رئاسي دام أكثر من عامين، أُبرمت صفقة وُصفت بـ”التسوية”: بموجبها يتولى عون الرئاسة لمدة ست سنوات، في حين يشغل سعد الحريري منصب رئيس الوزراء طوال عهد عون.
ووفقاً لأشخاص مطلعين على المفاوضات، لعب الخواجة دوراً أساسياً في إيصال عون إلى الرئاسة، متنقلاً بين الأوساط العونية، وآل الحريري، واللاعبين الإقليميين.
وكمكافأة له على مساهمته في تسهيل وصل عون إلى الرئاسة، حُظي الخواجة بمجموعة من العقود المربحة في قطاعي الطاقة والاتصالات.
وعمّقت تلك العقود المرتبطة بالدولة انخراطه في النظام المصرفي اللبناني — وتحديداً مع “بنك عوده“، الذي أصبح مركز تمويل مشاريعه المرتبطة بالحكومة.
العلاقة مع “بنك عودة”: التمويل، المكاتب، والنفوذ
لم يكن “بنك عودة” مجرد مقرض للخواجة، بل تحول عملياً إلى قاعدته العملياتية والمالية؛ إذ جرى تمويل جميع عقوده الحكومية الكبرى، لا سيما في قطاعي الطاقة والكهرباء، عبر “بنك عودة”.
وقد توطدت هذه العلاقة لدرجة أنه خُصص للخواجة مكتب داخل المقر الرئيسي لـ”بنك عودة”، وهو امتياز غير مألوف أكد مدى محوريته في أعمال البنك المرتبطة بالدولة.
وداخل”بنك عودة”، كانت جهة اتصاله الرئيسية في ملف الطاقة والكهرباء هي كارول عيّاط، وهي مسؤولة رفيعة في البنك برزت لاحقاً كتكنوقراط معروفة في مجال الطاقة. وذهب الخواجة إلى حد الضغط لتعيين عيّاط وزيرةً للطاقة — وهو المنصب الذي طالما كان في قلب أزمة الكهرباء المزمنة ونظام المحاصصة في لبنان. ورغم فشل المحاولة في نهاية المطاف، إلا أنها عكست طموحه ليس فقط في للاستفادة من عقود الدولة، بل وأيضاً في التأثير على من يشرف عليها.
ووفقاً لمصادر، كان علاء الخواجة ضالعاً بشكل عميق في صفقة سفن الطاقة التركية المثيرة للجدل (كارباورشيب / كارادينيز)، والتي قامت بموجبها محطات كهرباء عائمة بتزويد لبنان بالطاقة بتكلفة هائلة ووسط اتهامات بالفساد والمحسوبية السياسية. وفي تلك المرحلة، ترسّخت علاقاته بميشال عون وصهره جبران باسيل، الشخصية المهيمنة في التيار الوطني الحر.
“بنك البحر المتوسط” (“بنك ميد”): ظهور مشترٍ مناسِب
بالتوازي مع نفوذه المتنامي في العقود الحكومية، دخل الخواجة مجال الملكية المصرفية بطريقة ملفتة للأنظار.
فبحلول عام 2016، كان أيمن الحريري (نجل رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري وشقيق سعد الحريري) يرغب في بيع حصته في “بنك البحر المتوسط” (BankMed)، وهو أحد أكبر المصارف في لبنان. وتبين أن العثور على مشترٍ جاد قادر على تأمين صفقة بقيمة تقارب نصف مليار دولار أمر صعب في سوق بدأت تظهر عليه علامات الضيق والاضطراب.
على الاثر تقدم الخواجة، وطرح نفسه أمام محمد الحريري كشخص قادر على تنفيذ صفقة بقيمة 500 مليون دولار. واللافت أن عملية التدقيق والتقصي عن “بنك ميد” لم تتولّها شركة خارجية مستقلة، بل قام بها “بنك عودة” نفسه، ما يوضح مدى التداخل الوثيق بين النخبة المصرفية والسياسية في لبنان.
وفي الوقت الذي كانت فيه الصفقة تتبلور، كانت ولاية حاكم مصرف لبنان رياض سلامة تقترب من نهايتها، وكان التجديد له غير مؤكد. وبينما دعمَ سعد الحريري التجديد لسلامة، عارض الرئيس عون ذلك. وكان الأمر يتطلب موافقة مجلس الوزراء، ما جعل التجديد ورقة مساومة أساسية.
ووفقاً لأشخاص مطلعين على الصفقة، أصر الرئيس التنفيذي لـ”بنك عودة”، سمير حنا، على إعادة تعيين سلامة كـ”شرط مسبق” لكي يمنح “بنك عودة” القرض الضخم الذي يحتاجه الخواجة للاستحواذ على حصة “بنك البحر المتوسط”. وربط هذا الشرط ثلاثة عناصر في عقدة واحدة: صعود الخواجة كمالك مصرفي، وبقاء سلامة في المصرف المركزي، والمقايضات السياسية بين عون والحريري.
تمويل الصفقة: غياب رأس المال الذاتي ونفوذ مستعار
على الرغم من تقديم نفسه كمشترٍ بقيمة 500 مليون دولار، أفادت التقارير أن الخواجة لم يكن يملك أي رأس مال ذاتي خاص به لإتمام عملية الاستحواذ على بنك البحر المتوسط (“بنك ميد”). ولِسدِّ تلك الفجوة، لجأ إلى الأخوين رحمة، اللذين قدما رأسمالاً يُقدر بنحو 80 إلى 100 مليون دولار.
أما المبلغ المتبقي — ونحو 400 مليون دولار — فقد جاء على شكل قروض، تم تأمين معظمها عبر “بنك عودة”. وترك هذا الهيكل التمويلي الخواجة في وضع يعتمد فيه على رافعة مالية عالية جداً، ومكشوفاً بشكل كبير على التدفقات النقدية من “بنك البحر المتوسط” نفسه للوفاء بديونه.
وانعكس هذا الضغط لاحقاً في مطالبات وضغوط قوية جداً من الخواجة على إدارة “بنك البحر المتوسط” لتوزيع أرباح أسهم وتقديم قروض لكيانات مرتبطة به. وبعبارة أخرى، أصبحت الموارد الخاصة بالبنك المستهدَف هي الأداة الأساسية لتمويل شراء أسهم البنك.
السيطرة من الداخل: مجلس الإدارة، الإدارة والتعيينات السياسية
بمجرد الموافقة على الصفقة وهيكلتها، تحرك الخواجة سريعاً لترسيخ سيطرته داخل “بنك البحر المتوسط” عبر إعادة تشكيل مجلس إدارته وإدارته العليا.
وقام بتعيين العديد من أعضاء مجلس الإدارة والشخصيات الرئيسية ذات الروابط السياسية والرقابية الواضحة، ومن بينها:
- مايا دباغ: الرئيسة السابقة للجنة الرقابة على المصارف في لبنان.
- العديد من المقربين والشركاء التابعين له في مناصب إدارية.
والأبرز من ذلك، أنه أطاح بالرئيس التنفيذي للبنك الذي خدم لفترة طويلة، وهو “محمد علي بيهم“، وعيّن مكانه “راؤول نعمة” رئيساً تنفيذياً جديداً.
عُرف نعمة بكونه عونياً ومقرباً من النائب جميل السيد. وخلال حكومة حسان دياب التي شُكلت بعد انتفاضة 2019، عُين نعمة وزيراً للاقتصاد، ولعب دوراً محورياً في سياسات الدعم التي يُعتقد على نطاق واسع أنها أهدرت نحو 20 مليار دولار من احتياطيات لبنان المتبقية من العملات الأجنبية.
كما تم تعيين شخصية أخرى مدعومة من الخواجة، وهي تانيا مسلّم (المحسوبة أيضاً على الخط العوني)، في منصب رفيع بالبنك. ومن خلال هذه التعيينات، بات “بنك البحر المتوسط” بالكامل ضمن حقل الجاذبية الخاص بالشبكات العونية وحلفائها، علاوة على تَحَوُّلِهِ، في الوقت نفسهـ إلى حجر زاوية مالي لهيكل الملكية المثقل بالديون لعلاء الخواجة نفسه.
الأرباح، السيولة، وضغوط ما قبل الأزمة
بحلول عام 2018، وخلافا لتوصيات مجلس إدارة “بنك البحر المتوسط” و:مصرف لبنان المركزي”، فرض الخواجة توزيع أرباح تجاوزت 100 مليون دولار عبر الجمعية العمومية للبنك. أدت تلك الخطوة إلى ضغط شديد على سيولة البنك في وقت كانت فيه مؤشرات الإنهاك النظامي على القطاع المصرفي اللبناني واضحة تماماً للمطلعين على الخبايا.
وعملياً، ساعدت تلك الأرباح الموزعة في خدمة تمويل عملية الاستحواذ وعززت الوضع النقدي للخواجة وشركائه، وذلك على حساب صلابة البنك وأمان ودائع المودعين على المدى الطويل.
وبالتوازي مع ذلك، واصل الضغط على “بنك البحر المتوسط” للحصول على قروض وتسهيلات إضافية لكيانات مرتبطة به، ما زاد من الخلط بين ميزانية البنك العمومية وطموحاته الشخصية.
الأزمة، والمضاربات، والشبكات غير الرسمية
عندما انفجرت الأزمة المالية في لبنان عام 2019، فرضت البنوك قيوداً غير رسمية على رأس المال، ومُنع المودعون من الوصول بحرية إلى مدخراتهم، وظهَر نظام فوضوي متعدد لأسعار الصرف.
وفي تلك البيئة، تشير تقارير واسعة النطاق إلى أن الخواجة أدار عملية داخلية مربحة للغاية في “بنك البحر المتوسط”، مستغلاً الشيكات المصرفية ومنصة “صيرفة” التابعة لمصرف لبنان — وهي آلية صرف رسمية لكنها مشوّهة سمحت للمحظوظين بالوصول إلى العملات الأجنبية بأسعار مدعومة. ومن خلال تجارة الشيكات والمضاربة عبر شبكة “صيرفة”، تشكلت شبكة غير رسمية واسعة النطاق، مكنت المطلعين وذوي النفوذ من تحقيق مكاسب هائلة في الوقت الذي تبخرت فيه مدخرات العمر للمودعين العاديين.
يُذكر أن الشركة الرئيسية التي مرت عبرها كل هذه العمولات والرشاوى والرديات (Kickbacks) في بنك البحر المتوسط كانت تحمل اسم “الطاهرة”.
ورغم أن جزءاً كبيراً من هذا النشاط لم يبت فيه القضاء رسمياً بعد، إلا أنه لا يُعد سراً شائعاً في الأوساط المصرفية والسياسية أن العديد من الأطراف استفادت من تلك الثغرات. ويظهر اسم الخواجة بشكل متكرر بين الأسماء الأكثر ارتباطاً بمثل تلك الممارسات.
من تاجر نفوذ إلى هدف قضائي: دعوى المصرف المركزي
في آخر التطورات، أطلق حاكم مصرف لبنان ملاحقة قضائية تستهدف العديد من الأفراد لدورهم في الانهيار المالي في لبنان والمخالفات المرتبطة به. وكان علاء الخواجة من بين الأسماء المدرجة في هذه القائمة.
ويرى العديد من المراقبين أن إدراج اسمه يحمل دلالة رمزية كبيرة؛ فمسيرته تلخص السمات الأساسية للانهيار اللبناني:
- نظام سياسي قائم على الرعاية الخارجية والتسويات الغامضة.
- قطاع مصرفي تخلى عن الحيطة والحذر لتمويل صفقات مرتبطة بسياسيين.
- طمس الحدود الفاصلة بين الجهة الرقابية، والمُقترِض، والمساهِم.
- تحويل الأزمات إلى أرباح نقدية من خلال الوصول السهل لبعض المحظيين إلى آليات المضاربة والهندسات المالية المعقدة.
من رجل أعمال أردني مقرب من النخب السعودية والأردنية، إلى عراب رئيسي للصفقة الرئاسية بين عون والحريري، إلى مشترٍ مُدين بالكامل لبنك حيوي، وأخيراً إلى منظِّم مزعوم لعمليات اختلاس مالية في فترة الأزمة؛ لا تختصر قصة الخواجة سيرة رجل واحد فحسب. بل إنها حالة نموذجية لكيفية تضافر الشبكات الشخصية، والمساومات السياسية، والنفوذ المصرفي للوصول بلبنان إلى حافة الهاوية.
خلاصة
يسلط صعود علاء الخواجة وانكشافه القانوني الحالي الضوء على مدى التداخل العميق بين القيادة السياسية والنخبة المصرفية والرعاة الخارجيين في لبنان. ويعكس دوره في عقود الطاقة، وصفقة سفن الكهرباء التركية، والمشاريع الحكومية الممولة من “بنك عودة”، والاستحواذ على “بنك البحر المتوسط”ش، نموذجاً جرى فيه تطويع الموارد العامة والمؤسسات المالية بشكل منهجي لخدمة مصالح خاصة ومرتبطة بالسياسة.
ويبقى أن نرى ما إذا كانت الإجراءات القانونية الحالية ستحقق بجدية في هذا النموذج، أم أنها ستكتفي بإعادة تدوير لوم الضحية والمسؤولية داخل المنظومة نفسها. لكن الثابت والأكيد هو أن سيرة “تاجر النفوذ” هذا تقدم نافذة نادرة على الآليات التي حوّلت التسوية السياسية في لبنان إلى كارثة مالية محققة.

