في محاولة للخروج من أسر البروباغندا والخطاب السياسي المعلّب، يطلق الكاتب والصحفي السوري أحمد مولود الطيار تجربة حوارية مبتكرة، يجلس فيها وجهاً لوجه مع شخصية رقمية قائمة على الذكاء الاصطناعي، لمناقشة السياسة والمجتمع وأسئلة المستقبل. تجربة تفتح الباب أمام شكل مختلف من الإعلام السوري، يقوم على احترام عقل المشاهد بدلاً من تلقينه ما ينبغي أن يفكر فيه.
في مشهد إعلامي سوري أنهكته سنوات طويلة من الاستقطاب السياسي والأيديولوجي، ومن الخطابات التي تتنافس على امتلاك الحقيقة أكثر مما تتنافس على تفسير الوقائع، تأتي تجربة “نديم: حوار الإنسان والآلة” لتطرح سؤالاً يتجاوز حدود الابتكار التقني: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في إنتاج إعلام أكثر استقلالاً وعقلانية، وأقل خضوعاً للبروباغندا التي طبعت جانباً كبيراً من الإعلام السوري، سواء في ظل النظام السابق أو في مرحلة التحولات السياسية الراهنة؟
اختار الكاتب والصحفي السوري أحمد مولود الطيار اختبار هذا السؤال عملياً، من خلال برنامج حواري يظهر فيه إلى جانب شخصية رقمية تحمل اسم “نديم”، صُممت باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، لتكون محاوراً دائماً له في نقاشات تتناول الشأن السوري والقضايا السياسية والفكرية والثقافية. واللافت أن “نديم” لا يظهر بوصفه مساعداً إلكترونياً يجيب عن أسئلة مكتوبة، بل شخصية مرئية تتحدث بصوت بشري، وتجلس إلى جانب مقدم البرنامج في استوديو واحد، ضمن مشهد يحاكي البرامج الحوارية التلفزيونية التقليدية.
هذه النقلة من استخدام الذكاء الاصطناعي أداةً خلف الكواليس إلى تحويله طرفاً ظاهراً في الحوار تمنح التجربة خصوصيتها. فالآلة هنا ليست مجرد وسيلة لتوليد النصوص أو تلخيص المعلومات، وإنما محاور يمكن مساءلته والاختلاف معه واختبار قدرته على التحليل، بل والكشف عن حدود معرفته واحتمالات انحيازه.
من الإعلام الذي يلقّن إلى الإعلام الذي يسأل
تكمن أهمية “نديم” في السياق السوري تحديداً؛ فقد عاش السوريون عقوداً في ظل إعلام رسمي احتكر الرواية السياسية، وحوّل الصحافة إلى أداة لتبرير السلطة وإعادة إنتاج خطابها. ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، ظهرت مساحات إعلامية جديدة كسرت الاحتكار القديم، لكنها لم تنجُ جميعها من الاستقطاب أو من التحول إلى منابر تعكس مواقف القوى السياسية والعسكرية والجهات الداعمة لها.
ولم يكن التحول السياسي الذي شهدته سوريا كافياً، بحد ذاته، لإنهاء هذه المعضلة. فتغيير السلطة لا يعني بالضرورة تغيير الثقافة الإعلامية، كما أن استبدال خطاب دعائي بآخر لا يؤسس لصحافة حرة، مهما اختلفت الشعارات والأسماء.
من هنا، يمكن قراءة تجربة “نديم” بوصفها محاولة للبحث عن مساحة ثالثة، لا تقوم على الدفاع عن سلطة أو الترويج لمعارضة، وإنما على إعادة الاعتبار إلى السؤال النقدي، وإلى حق الجمهور في الحصول على تحليل يساعده على تكوين موقفه بنفسه.
ولا تفترض هذه المقاربة أن الذكاء الاصطناعي محايد بطبيعته، أو أنه يمتلك حقيقة تتفوق على المعرفة الإنسانية. بل تتيح التجربة مساءلة هذه الحيادية نفسها: من أين تأتي إجابات الآلة؟ وكيف تتشكل استنتاجاتها؟ وهل تعيد إنتاج والانحيازات السياسية والثقافية الموجودة في مصادر معلوماتها؟
“نديم” ليس مذيعاً آلياً
شهد العالم تجارب متعددة لمذيعين افتراضيين وشخصيات رقمية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، غير أن ما يسعى “نديم” إلى تقديمه يختلف عن الاستخدام التقليدي لهذه التقنيات. فالشخصية الرقمية ليست مذيعاً يقرأ الأخبار، وإنما محاور يدخل في نقاش مع إنسان حقيقي حول مسائل سياسية وفكرية معقدة.
وهنا تتحول العلاقة بين الإنسان والآلة من علاقة مستخدم بأداة إلى علاقة حوارية، وإن ظلت غير متكافئة من حيث الوعي والتجربة والمسؤولية الأخلاقية. فالذكاء الاصطناعي لم يعش الخوف أو الاعتقال أو المنفى أو الحرب التي عاشها ملايين السوريين، لكنه يستطيع معالجة المعلومات، والمقارنة بين التجارب التاريخية، واقتراح تفسيرات متعددة للظاهرة الواحدة.
ومن الجمع بين التجربة الإنسانية والقدرة التحليلية للتقنية، يحاول البرنامج بناء صيغة حوارية مختلفة، لا تستمد قيمتها من الإبهار التكنولوجي وحده، بل من الأسئلة التي تطرحها.
وتحمل الحلقة الأولى عنوان “كواليس: كيف بدأت الفكرة”، وهي بمثابة تقديم فكري للتجربة ودوافع إنشائها وطبيعة العلاقة بين مقدم البرنامج والشخصية الرقمية. أما الحلقات اللاحقة فتتجه نحو القضايا السورية الأكثر تعقيداً، وفي مقدمتها سؤال بناء الدولة بعد سقوط نظام الأسد، والتمييز بين تمكين مؤسسات الدولة وتمكين السلطة الحاكمة، وطبيعة الانتقال السياسي، وحدود التحول من عقلية الجماعة إلى عقلية الدولة.
احترام عقل السوريين… قبل إقناعهم
لعل الرهان الأهم في تجربة “نديم” لا يتعلق بالتكنولوجيا، وإنما بالجمهور الذي تتوجه إليه. فالمشكلة في جانب من الإعلام السوري لم تكن نقص المعلومات وحده، بل الطريقة التي يُنظر بها إلى المتلقي. كثيراً ما جرى التعامل مع السوريين بوصفهم جمهوراً مطلوباً منه التصفيق أو الاصطفاف أو تبني موقف سياسي مسبق، لا مواطنين يمتلكون الحق في الشك والمقارنة والاعتراض.
وفي المقابل، يفترض الإعلام الذي يحترم جمهوره أن السوري قادر على الاستماع إلى أكثر من تفسير، وأنه لا يحتاج إلى وصاية فكرية أو سياسية، وأن الاختلاف معه لا يجعله جاهلاً أو خائناً أو عدواً.
بهذا المعنى، يمكن أن يكون “نديم” مساهمة في تغيير العلاقة بين الإعلام والمتلقي. فالغاية التي توحي بها صيغة البرنامج ليست تقديم إجابات نهائية، وإنما إثارة أسئلة تدفع المشاهد إلى التفكير خارج القوالب الجاهزة.
لكن نجاح هذا الرهان سيعتمد على الممارسة الفعلية: مدى تنوع المصادر، والتمييز بين الوقائع والتفسيرات، واستعداد مقدم البرنامج لمعارضة إجابات الشخصية الرقمية وتصحيحها. فلا يكفي أن يكون الإعلام مستقلاً عن السلطة كي يكون مستقلاً في تفكيره.
هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحرر الإعلام من البروباغندا؟
الإجابة ليست إيجابية بصورة مطلقة. فالذكاء الاصطناعي نفسه قد يتحول إلى أداة شديدة الفاعلية في صناعة الدعاية والأخبار الزائفة، وإضفاء مظهر موضوعي على أحكام سياسية منحازة. لكنه يستطيع أيضاً المساعدة في مقارنة الروايات، وفحص التناقضات، وتقديم خلفيات تاريخية، واختبار الفرضيات.
والفارق بين الاستخدامين ليس تقنياً بقدر ما هو تحريري وأخلاقي. فمن يحدد الأسئلة؟ ومن يراجع الإجابات؟ ومن يتحمل مسؤولية المعلومات المنشورة؟
في هذا الجانب يواجه “نديم” امتحانه الحقيقي. فكلما استطاع جعل الذكاء الاصطناعي أداة لتوسيع النقاش، لا لإضفاء الشرعية على موقف صاحبه، اقترب من تحقيق الوعد الذي تحمله فكرته.
ويقف خلف المشروع أحمد مولود الطيار، صاحب التجربة في الكتابة والبحث في الشؤون السورية، بمشاركة الصحفية رائدة دعبول في الإعداد، فيما يتولى باسل خليل التصوير والإخراج. واللافت أن المشروع ينطلق من مبادرة إعلامية مستقلة، لا من مؤسسة تلفزيونية ضخمة، مستفيداً من التقنيات الرقمية لإنتاج محتوى حواري بصري.
تجربة صغيرة بسؤال كبير
قد يكون مبكراً اعتبار “نديم” تحولاً مكتمل المعالم في تاريخ الإعلام السوري، لكن من المشروع النظر إليه باعتباره تجربة رائدة في اختبار إمكانات الحوار السياسي بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، وفي نقل هذه التقنيات من فضاء الترفيه والإبهار إلى فضاء النقاش العام.
ولعل ما تحتاجه سوريا اليوم ليس مزيداً من المنابر التي تخبر السوريين بما ينبغي أن يعتقدوه، وإنما مساحات تساعدهم على فهم ما يجري حولهم، وتمنحهم الحق في الاختلاف دون تخوين، وفي النقد دون خوف، وفي طرح الأسئلة دون طلب إذن من أحد.
لا يستطيع “نديم” وحده تغيير المشهد الإعلامي السوري، ولا يمكن لشخصية رقمية أن تعوض غياب المؤسسات الصحفية المستقلة. لكنه يستطيع، إذا حافظ على استقلاليته ومنهجه النقدي، تقديم نموذج يستحق المتابعة والتطوير.
وربما تكون المفارقة الأكثر إثارة في هذه التجربة أن آلة لا تمتلك ذاكرة إنسانية عن الاستبداد والحرب والمنفى قد تصبح شريكاً في حوار يسعى إلى تحرير النقاش العام من اللغة التي أنتجتها تلك التجارب.
في النهاية، ليست المسألة أن يتحدث الذكاء الاصطناعي بدلاً من السوريين، بل أن يساعدهم على استعادة حقهم في التفكير والسؤال والاختلاف. وهنا يكمن الوعد الذي تحمله تجربة “نديم”: ليس اختراع آلة تتكلم في السياسة، بل المساهمة في بناء إعلام يتوقف عن الكلام نيابة عن السوريين، ويبدأ باحترام عقولهم.
لمشاهدة البرنامج: https://www.youtube.com/@NadimDialogueAR






