(الصورة: إلى يسار وزير الخارجية روبيو، سفير أميركا في بيروت ميشال عيسى، وسفيرة لبنان وبجوارها سفير إسرائيل)
خاص بـ”الشفاف”
النزاع بين لبنان وإسرائيل ليس قديماً. إنه مُفتعل. ويمكن أن ينتهي.
اليوم، وبعد جولة جديدة من الدمار على الحدود، رفع الرئيس دونالد ترامب سماعة الهاتف.
اتصل بالرئيس جوزيف عون، واتصل برئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ، فكان وقفٌ لإطلاق النار. ثم جاء ما هو أخطر من الحرب، على الأقل سياسياً: طَرحُ فكرة السلام.
ودعوة إلى واشنطن.
وفجأة، عادت إلى الواجهة الفكرة الأكثر إزعاجاً في الشرق الأوسط:
ماذا لو أن هذا النزاع بين إسرائيل ولبنان ليس حتمياً؟
ماذا لو أنه لم يكن كذلك يوماً؟
الأسطورة الأكثر رسوخاً في الشرق الأوسط
يُقال باستمرار إن النزاع بين لبنان و اسرائيل متجذر في احقاد قديمة. على الأقل هذا ما قيلَ لجيلنا.
إنها رواية مريحة. تُعفي الجميع من المسؤولية.
ولكنها خاطئة.
قبل عام 1948، لم يكن هذا النزاع موجوداً، بأي معنى حقيقي: لا اجتماعياً، ولا اقتصادياً، ولا سياسياً.
في ظل الامبراطورية العثمانية كانت المنطقة مترابطة متصلة :
•كانت بيروت تُتاجر مع حيفا
•كان الناس يتحركون عبر حدودٍ أصبحت اليوم عسكرية
•كانت المجتمعات تتعايش، ليس بشكل مثالي، ولكن دون حروب دائمة
حتى بعد أن فرضت عصبة الامم الانتدابات، بقي الانفصال إدارياً لا وجودياً.
كانت هناك توترات، وكانت هناك اختلافات.
لكن لم تكن هناك حرب دائمة.
ذلك جاء لاحقاً.
1948: السنة التي كُتبت فيها السَرديّة
لم تُنشئ حرب 1948 ساحة قتال فحسب، بل صنعت ذهنية.
دخل لبنان الحرب بحذر، بل بتردد. وكان انخراطه العسكري محدوداً. لكن النتائج السياسية كانت مطلقة:
• حالة حرب رسمية ما تزال قائمة إلى يومنا
•حدودٌ تحولت إلى حاجز نفسي
•إدخال الصراع الإقليمي في النظام اللبناني الهش
ومنذ تلك اللحظة، أصبح النزاع يُعيدُ إنتاجَ نفسه.
كل حربٌ تبررّ التي تليها.
كل ميليشيا تبرر وجودها.
كل فشل في السلام يصبح دليلاً على استحالته.
هذا ليس تاريخاً قديماً. هذا نظام قائم بذاته.
استمرت الحرب لأنه كان هنالك دائماً من يجد فيها مصلحة… لا لأنها حتمية
خذوا هذا المثال:
منذ العام 2006 حتى أوائل عشرينات القرن الحالي، لم تقع حرب شاملة بين لبنان وإسرائيل.
ليس لأن السلام تحقق.
بل لأنه لم يتم اختيار التصعيد.
إن الرَدعَ الهش، الذي وُصف بالمؤقت، استمر قرابة عقدين.
فلنكن صريحين:
لو كانت الحرب الدائمة حتمية فعلاً، لما توقفت عشرين عاماً.
النزاع مستمر ليس لأنه لا بد أن يستمر، بل لأن هناك من يستفيد من استمراره.
من يستفيد من غياب السلام؟
هذا هو السؤال الذي نادراً ما يُطرح، ونادراً ما يُجاب عليه:
.حزب الله يستمد شرعيته من “المقاومة”
•السياسة الإسرائيلية تتركز غالباً حول التهديدات الخارجية
•القوى الإقليمية تُعزز نفوذها عبر صراعات بالوكالة
•أطراف لبنانية تستخدم النزاع للهروب من المحاسبة الداخلية
السلام لا تعيقه الوقائع التاريخية.
بل تعيقه الحوافز..
لماذا هذه اللحظة خطيرة سياسياً؟
ما يجعل هذه اللحظة مختلفة ليس وقف إطلاق النار، بل النقاش نفسه.
انخراط مباشر. انفراجٌ وإمكانية تقارب بوساطة أميركية. رئيس لبناني مستعد للحوار. قيادة إسرائيلية تتعرض للضغط من أجل تثبيت جبهتها الشمالية.
السلام ليس قريباً بعد.
لكنه، للمرة الأولى منذ سنوات يُناقش بجدية كافية لتغيير الوضع القائم.
وهذا ما يجعله خطيراً.
إذا تحقق السلام… فإن ما سيتغير سيكون أكثر من الحدود
لأن السلام لن ينهي حرباً فقط، بل سيفكك سرديات سياسية كاملة.
لبنان، المرتبط اليوم بالأزمة، يمكن أن يعيد تموضعه سريعاً:
•مركز إقليمي للتكنولوجيا والخدمات
•جسر بين رؤوس الأموال الخليجية والأسواق الأوروبية
•نقطة جذب لواحدة من أقوى الجاليات في العالم
وهناك واقع غير مُعلن:
السلام سيضع لبنان في موقع التقارب — ليس جغرافياً فقط بل اقتصادياً — مع إسرائيل، إحدى أبرز بيئات الابتكار في العالم.
هذا الاحتمال ليس مثالياً.
بل إنه منطقي.
ولهذا تحديداً تتم مقاومته بشدّة.
العائق الحقيقي نفسي
أصعب حدود ينبغي إزالتها ليست في الجنوب.
بل في العقل.
لعقود، جرى تلقين الشعوب والقادة معاً أن:
الصراع دائم، والتعايش سذاجة، والسلام خيانة.
لكن التاريخ يقول غير ذلك.
المنطقة لم تبدأ بالصراع.
بل نُظِّمت داخله.
الحقيقة غير المريحة
لا شيء في هذا النزاع حتمي:
•لا الحروب
•لا العداء
•ولا حتى البُنى السياسية التي تُبقيه قائماً
كلها نتائج قرارات.
والقرارات يمكن عكسها.
الخيار القادم
هذه اللحظة لن تدوم.
وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط ينتهي.
الفرص تُفوّت.
والأنماط القديمة تعود.
إلا إذا كُسر هذا المسار.
لبنان يمكن أن يبقى ساحة لحروب الآخرين،
أو أن يصبح منصة لمستقبله.
إسرائيل يمكن أن تبقى في مواجهة دائمة شمالاً،
أو أن تعيد تعريف بيئتها الاستراتيجية.
الماضي لا يَفرضُ الصراع.
بل يُظهر كيف بُني بسهولة…
وكيف يمكن تفكيكه، بصعوبة، ولكن بواقعية ،.
السلام ليس سذاجة… إنكارُه هو السذاجة
أكثر فكرة راديكالية اليوم في الشرق الأوسط ليست الحرب.
بل الاصرار على أن الحرب خيار.
وإذا كانت خياراً
فالسلام أيضاً خيار.


