في زمن السفالةِ المهيمنةِ هذا، يَجْهدُ محلّلون متحلّلون من مزيّةِ الحياءِ، منتشرون في بلادٍ قريبةٍ وبعيدةٍ، لإيهامِنا بأنّنا وبلادَنا لا اعتبارَ لنا في ذواتِنا، لا بَشَراً ولا أرضاً ولا عُمراناً. وإنّما نحن، في اعتبارِ هؤلاءِ، شيءٌ ضَئيلٌ بحيثُ يكادُ لا يرى، فيجوزُ صرفُ النظرِ عمّا يحلُّ به… تفصيلٌ زهيدٌ في خريطةِ صراعٍ مشتملٍ على العالمِ، هو وحدَه ما يستحقّ انتِباهَهُم السامي ونظَرَهم المحيط.
هذا، على وجهِ الدقّةِ، قولُ المحتلِّ فينا أيضاً وفِعْلُه في ديارنا.
ولعَلّني لا أجانبُ الصوابَ كثيراً إذ ألاحظُ أنّ هذا التشامخَ البذيءَ أخذَ يشتملُ على فلسطين نفسِها مؤخّراً، وهي ما هي في طول تاريخنا المعاصر وعرضه. أخذَ يوحى بأنّها وأهلَها أضحيةٌ بات شأنُها، في التناطح الأمميّ، لا يفوق كثيراً شأنَ كَبْشٍ في عيد.
هذا، مرّةً أخرى، قولُ المحتلِّ، في فلسطين، وفِعْلُه بأهلِها.
نحنُ في عيونِ أنفُسِنا ذوو اعتِبارٍ آخر، شامِخٍ ووطيدٍ، كنّا ولا نزالُ. وهو اعتبارٌ مشتَمِلٌ على كلّ نفْسٍ من بَشَرِنا، على كلّ شِبْرٍ من أرضِنا، على كلّ بيتٍ أو مدرسةٍ من عُمْرانِنا.
وحين لا نقيم على هذا الاعتبارِ، بصَرْفِ النظرِ عن مخالفتِه موقفَ نافذين في صفوفِنا من معنى التضحية ووجهتِها، لن يكون لنا تحريرٌ ولا حرّيَةٌ في يومٍ من الأيّام.
إذ ذاك سنبقى، أيًّاً يَكُن المصيرُ، على ما يراه إستراتيجيّو زمن السفالة فينا وما يراه معهم المحتلُّ ونافذون بيننا من خصومه: أُضْحِياتٍ لا تُسْألُ عمّا نُذِرَت لأجله.
