(الحلقة الخامسة من دراسة مهدي خلجي: “سياسات آخر الزمان: حول عقلانية السياسة الإيرانية)
Mehdi Khalaji:
Apocalyptic Politics
On the Rationality of Iranian Policy
*
وجهات النظر الدينية لخامنئي وأحمدي نجاد
تختلف وجهات النظر الدينية لخامنئي وأحمدي نجاد من نواحٍ عدة، بما في ذلك مواقفهما إزاء “المهدوية” و”آخر الزمان”. مع ذلك، كلاهما يخضعان بقوة لتأثير النزعة غير العقلانية في الإسلام، ولتأثير الممارسات الدينية الشعبية التي كان الخميني قد نبذها.
خلفية أحمدي نجاد
ولد علي حسيني خامنئي، في 15 يوليو 1939 في “مشهد”، وهو الإبن الثاني لـ”جواد خامنئي”، الذي كان رجل دين عادياً، ورعاً، وفقيراً. والتحق بـ”مكتب” (أي مدرسة دينية تقليدية) منذ أن بلغ سنّ الرابعة لتعلّم القراءة والكتابة، ثم شرع بدراسة الفقه الإسلامي في “حوزة مشهد”. وحينما بلغ 18 سنة، توجّه إلى “النجف” وقرّر الإقامة فيها ومتابعة دراسته الدينية هناك، ولكن والده طلب منه أن يعود إلى إيران. عاد علي خامنئي إلى “مشهد” بعد فترة وجيزة، ثم توجّه إلى “قم” لدراسة الفقه. وأقام في “قم” من 1958 إلى 1964، وتعرّف إلى الخميني. بين العام 1964 وثورة 1979، كان خامنئي في “مشهد” باستثناء رحلات للوعظ الديني وسنوات قليلة قضاها في سجن طهران وفي المنفى بــ”بالوشستان”. وقد تابع دراسته في “مشهد” وشرع بالتدريس في الحوزة، وبات لاحقاً إمام الصلاة في “جامع كرامات”.
لم تكن خلفية خامنئي التعليمية تقليدية. فبتأثير حوزة “مشهد”، أحس بالإنبهار أمام الأدب الفارسي وكتب قصائد عدّة في سنّ مبكرة. وكان يخالط الأوساط الأدبية في “مشهد” وتعرّف على الأنواع الأدبية الحديثة. وكان خامنئي يحّب قراءة القصص، ويقول أصدقائه القدامى أنه قرأ أكثر من ألفي رواية أجنبية وإيرانية. ويعتقد بعض المحلّلين أن خوفه من “ثورة مخملية” في إيران ومن دور المثقفين يستند إلى الأعمال الأدبية لكتّاب أوروبيين شرقيين مثل “فاكلاف هافيل”. ويثابر خامنئي على الإهتمام بالشعر حتى الآن، ويعقد ندوات شعرية في مكتبه. وفي مثل هذه الندوات، يقوم الشعراء الموالون للحكم بقراءة قصائدهم أمامه، ثم يعطي تعليقاته عليها.
الأدب الفارسي ليس السمة الوحيدة التي تميّز خامنئي عن علماء “قم” الآخرين. فالتعليم الذي حصّله في “مشهد” أثر في نظرته إلى العالم بحكم المناخ المعادي للفلسفة السائد فيها والذي يعطي للطقوس الدينية يفوق قيمة تفوق قيمة المفاهيم المجرّدة. وتفيد تقارير أنه يتأثر كثيراً بالعلوم السرّية وبــ”المقدّسين” (حول “المقدّسين”، راجع الحلقة السابقة). وغالباً ما يظهر خامنئي على التلفزيون الحكومي وهو يستقبل أفراداً يقدّمون له “كوفيتهم” (التي ذاع صيتها كلباس فلسطيني) لمباركتها. وكانت “الكوفية” رمزاً دعم الفلسطينيين في البداية، ثم أصبحت رمز ميليشيا “الباسيدج”. ولمباركة الطعام، فإنه يأكل من طبق ثم يترك بقية الطعام لأتباعه ليأكلوه. ويلجأ خامنئي أحياناً لـ”الإستخارة” لاتخاد قرارات حاسمة للبلاد. وتفيد الشائعات أنه يعتمد على “الإستخارة” حينما يشعر بالإحباط ( هذه المعلومة تستند إلى مقابلة مع أحد أقارب خامنئي المقيمين في “قم”، بتاريخ أبريل 2007.)
إن ما يميّز خامنئي فعلاً عن الآخرين هو تجربته السياسية. فقد أمضى معظم حياته في السياسة وليس في “الحوزة”، وهو يتعاطى الشؤون السياسية منذ أن كان عمره 24 سنة. ويقول خامنئي أن خطاب “سيّد مجتبى نوّاب صفوي”، زعيم “فدائيي إسلام”، في العام 1951، وكلامه حول تطبيق الشريعة وحول “مكائد الشاه والبريطانيين”، أثّر فيه وحفزه ليصبح ناشطاً سياسياً. (سيرة خامنئي متوفّرة على الإنترنيت باللغة الإيرانية). والأرجح أن خامنئي تعرّف إلى إيديولوجية “الإخوان المسلمين” عن طريق “فدائيين الإٍسلام”. وقام خامنئي بترجمة بعض أعمال “سيّد قطب”، مثل “مستقبل الإسلام”، و”ضد الحضارة الغربية”، علاوة على كتابات أصولييين آخرين مثل “عبد المنعم نمري نصر”، وهو إسلامي هندي. ومنذ تأسيس الجمهورية الإسلامية، أصبح خامنئي أحد شخصياتها الرئيسية وحليفاً مقرّباًً من الخميني. وشارك في تأسيس “الحزب الإسلامي الجمهوري” وشغل المناصب الحكومية التالية: نائب وزير الدفاع، القائد العام بالوكالة لقوات الحرس الثوري، ممثّل القائد الأعلى في المجلس الأعلى للدفاع، عضو “المجلس”، رئيس مجلس الثورة الثقافية، رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام، رئيس مجلس مراجعة الدستور، رئيس جمهورية إيران، وأخيراً القائد الأعلى. ويمكن القول أن أياً من السياسيين ورجال الدين في الجمهورية الإسلامية لا يضاهيه في تجربته السياسية والعسكرية هذه.
يصعب اعتبار خامنئي أحد المعتنقين الجدد لفكرة آخر الزمان الوشيك لأن “المهدوية” ليست محوراً رئيسياً في خطبه. بالأحرى، تركّز خطبه على الإمام الغائب كمصدر لأمل مستقبلي سيضع حدّاً للظلم في العالم. إن كلام خامنئي قريب جدّاً من المفهوم الشيعي التقليدي للإمام الغائب حيث أنه يؤمن بأن المهدي لا يؤثّر مباشرة في نظرة المؤمن للعالم ولا يؤثّر في الحياة اليومية. وهو يعتبر أن المؤمن الحقيقي هو الشخص الذي يمارس الشريعة الإسلامية ويجهد لتطبيقها في الحياة والمجتمع. بل إن خامنئي لا يستخدم تعابير ثورية لوصف حكومة المهدي. وأحد المؤشرات الأخرىعلى موقفه الأكثر تقليدية هو أنه يعتبر نفسه واحداً من علماء “مشهد” الذين يمتلكون العلوم السرّية، ويقومون بمعجزات صغرى، ويتّصلون بالإمام الغائب. ووفقاً لتقارير غير رسمية، غالباً ما يجتمع خامنئي مع “وسطاء” الإمام الغائب من أجل تلقّي تعليماته. باختصار، خامنئي لا يعتنق أفكاراً مهدوية، ولكن عقليته الدينية، متضافرة مع خمسة عقود من التجربة السياسية، تجعل منه شخصية غامضة وملتبسة تنبع قراراتها السياسية من الحسابات السياسية ومن الإستشارات السرّية على السواء.
خامنئي ومؤسّسة “مشهد”
نشأ خامنئي في “مشهد” وتلقى معظم دراسته الفقهية فيها. ومنذ وصوله إلى السلطة، يسافر خامنئي إلى “مشهد” في كل “نيروز” (أول الربيع حسب الروزنامة الإيرانية) ويلقي خطاباً في حرم ضريح الإمام الرضا. وقد اعتاد الإيرانيون أن يستمعوا إلى خطب منذرة من خامنئي، ولكن أنصاره يقولون أنه، حينما يكون في “مشهد”، تحلّ عليه بركة الإمام ويصبح أكثر شجاعة وتصميماً. أما نقّاد النظام فيقولون أنه، في “مشهد”، يسعى لاسترضاء أنصاره التقليديين والمحافظين.
إن أبرز معالم مشهد هو حرم الروضة المقدّسة الذي يعتبر “أقدس موقع ديني في إيران وربما أكبر وأغنى إمبراطورية تجارية في البلاد” (راجع: وول ستريت جورنال: داخل آلة النقود المقدّسة في إيران:
“ضريح الإمام الرضا”أغنى إمبراطوية تجارية في إيران الإسلامية])
إن ضريح الإمام الرضا، وهو أكبر بكثير من مدينة الفاتيكان، لا يقدم أية حسابات للحكومة ولا تخضع أي من صادراته ووارداته للضرائب. ويقدّر خبراء إقتصاديون أن الميزانية السنوية للروضة المقدّّّسة تبلغ 2 بليون دولار. وكان زعماء إيران يعيّنون الوصى على الروضة المقدسة- أي شاه إيران قبل الثورة، والقائد الأعلى بعدها. ونظراً للطابع الإقتصادي الخاص للروضة المقدسة ولأنها لا تقدّم حساباً سوى للقائد الأعلى وحده، فقد أصبحت موقعاً لنشاطات إقتصادية سرّية ومكاناً للحصول على ريع. كذلك، تفيد تقارير إستخبارات أن الروضة المقدّسة هي إحدى المؤسسات الإيرانية التي تدعم حزب الله مالياً.
ويقيم خامنئي علاقة وثيقة مع “فائز طبسي“، الذي شغل منصب الوصي على الحضرة المقدسة منذ العام 1979. وبعد وصوله إلى السلطة في العام 1987، حوّل خامنئي منصب “فائز طبسي” من موقع مؤقت إلى موقع دائم. إن “طبسي”، الذي يكبر خامنئي بثلاث سنوات، قد نشأ ودرس في “مشهد”. وتفيد سيرته المنشورة على الإنترنيت، أنه، على غرار خامنئي، بدأ نشاطه السياسي متأثراً بخطاب “نوّاب صفوي” في “مشهد” في العام 1951.
كان “طبسي” أحد مؤسسي الحرس الثوري في مقاطعة خراسان، وما يزال يُعتَبَر شخصية نافذة بين العسكريين. إن “سردار غلام رضا نقدي”، الذي يُعتَبَر بين القادة المتشدّدين في الحرس الثوري، كان في الماضي حارساً شخصياً لـ”طبسي” وما يزال مقرّباً جدّاً منه. وكان “طبسي” ممثّل القائد الأعلى في مقاطعة “خراسان” وعضواً في جمعية الخبراء منذ مطلع ثورة 1979، ثم عيّنه خامئني عضواً في مجلس تشخيص مصلحة النظام في العام 1996.
نظراً لأن الروضة المقدّسة هي أغنى مؤسسة إقتصادية في إيران ولأنها تحت إشراف القائد الأعلى مباشرةً، فقد تحوّل ضريح الإمام الرضا إلى مركز سياسي قوي جداً لعب دوراً لا يمكن إنكاره في التطوّرات السياسية خلال العقدين الأخيرين. وكان لهذه المؤسسة دور مهم بصورة خاصة في تعزيز سلطات خامنئي حينما تسلّم منصبه، حيث أنه كان في حينه مجرّد رجل دين متوسط الرتبة لا يحق لهم الحصول على “الخمس”. يضاف إلى ذلك أن دستور الجمهورية الإسلامية لا يتضمّن أية نصوص حول الموارد المالية للقائد الأعلى. ولهذا السبب، فإن المؤسسات والمنظمات التي لا تسيطر عليها الحكومة- وبالدرجة الأولى الروضة المقدسة في “مشهد- تساعده مالياً ولوجستياً لكي يقيم سلطته ويوسّعها. وبصفته المموّل الأول للقائد الأعلى وللمنظمات والحملات السياسية التي يرعاها المحافظون التقليديون، فإن “طبسي” ظلّ واحداً من رجال الدين الأوسع نفوذاً في إيران. وقد عبّر “طبسي” عن ثقته التامة بالقائد الأعلى واعترف بحقّه في حلّ البرلمان، مع أن مثل هذا الحق ليس موجوداً في الدستور.
يسود ضمن الدوائر السياسية في إيران إعتقاد بأن خامنئي يخضع لتأثير “طبسي”. وتفيد تقارير أنه، بعد موت خامنئي، تزعّم “طبسي” مجموعة من الأعضاء قامت بالتصويت لصالح خامنئي وضد الأعضاء الذين كانوا يرغبون في التصويت لصالح قيادة جماعية بدلاً من وريث واحد. إن نفوذ الحضرة المقدّسة لدى خامنئي يطرح مسألة مدى موافقته على وجهات نظر بعض متطرّفي مشهد الذين تطرّقنا إليهم في الحلقات السابقة، وخصوصاً أنه يتعاطف مع الممارسات الخرافية التي يحبّذونها.
*
وجهات النظر الدينية لأحمدي نجاد
يُستفاد من مختلف التصريحات الصادرة عن أحمدي نجاد وعن المقرّبين منه أنه، وجماعته، يؤمنون بمجموعة من الأفكار السرّية (الخفية) ومن مفاهيم “آخر الزمان الوشيك” التي يطبّقونها على التخطيط الإستراتيجية والديبلوماسية. وتعتقد هذه الجماعة أن التعاليم الشيعية الفريدة تجعل العلمَ الحديث غير ضروري. وكما لاحظنا سابقاً، فهذا المنحى يختلف كثيراً عن منحى جماعة “الحُجّتية”، التي يمتاز أعضاؤها بعدم معارضتهم للعلم الحديث.
ظهرت فكرة أن الفكر الشيعي يجعل العلوم الحديثة غير مهمّة، ولأول مرة، بعد ثورة 1979 وعلى لسان “سيّد منير الدين حسيني شيرازي“، وهو عضو سابق في “مجلس الخبراء” ورجل دين أصولي متطرّف. وقد أسّس “أكاديمية العلوم الإسلامية” في “قم” في العام 1981 واجتذب أتباعاً كثيرين من صفوف رجال الدين. وتزعم هذه الأكاديمية أن “حسيني” أسّس “فلسفة إسلامية ونموذجاً للهندسة الإجتماعية على نطاق عالمي”. وتقوم إيديولوجيّته ليس على نقد الفلسفة غير الإسلامية فحسب، بل وتشمل نقد الفلسفة والفقه الإسلاميين لأنهما تأثّرا بالفكر اليوناني. كما يزعم جماعة “الأكاديمية” أن الفلسفة الإسلامية تأثّرت بالفلسفة اليونانية الوثنية أكثر من تأثّرها بالتعاليم الإسلامية، مما يوجب اعتبارها غير إسلامية صرفة ويوجب على المسلمين اجتنابها.
تبعاً لإيديولوجية “الأكاديمية”، فإلإسلام هو مصدر كل أنواع العلوم، سواءً منها الدقيقة، أو الطبيعية، أو الإنسانية. وتبعاً لشيرازي، على المسلمين أن يتكتشفوا قدرة التعاليم الإسلامية بغية إنتاج حضارة مختلفة كلّياً، كما أنه ينبغي اشتقاق كل مبادئ السياسة والديبلوماسية مباشرةً من النصوص الإسلامية. علاوة على ذلك، فهو يعتبر أن الإستخدام الشرعي الوحيد للتكنولوجيا يكون بغرض توسّع الإسلام. وبعد وفاته، تولّى رئاسة الأكاديمية “سيّد مهدي ميربكري“، وهو رجل دين أصولي تتلمذ على “شيرازي” وعلى “مصباح يزدي“. وتجدر الإشارة إلى أن “الأكاديمية” ورئيسها الراحل لم تكن تُحظى بالإحترام، دينياً وفكريا، سواءً ضمن الشرائح التقليدية أو التحديثية من الحوزة. إن معظم رجال الدين في “قم” يطلقون على شيرازي وتلامذته تسمية “جماعة الأكاديمية”.
تزايد نفوذ “الأكاديمية” حينما انتخب خامنئي قائداً أعلى في العام 1989. وعلاوة على الميزانية السنوية التي تتلقّاها من مكتب خامنئي، فإنها تملك نفوذا لدى العديد من قادة الحرس الثوري وقوى الأمن. وتدخل العديد من التعابير المستخدمة في “الأكاديمية”، مثل “حركة البرامج” وإنتاج العلم” في خطب خامنئي. وبعد أن تسلّم أحمدي نجاد الرئاسة، تمّ تعيين كثير من “جماعة الأكاديمية” في مناصب حكومية، وباتت إيديولوجيتهم تمثّل العمود الفقري لجماعة أحمدي نجاد. مثلاً، تم تعيين نائب رئيس “الأكاديمية”، “علي رضا بيروزمان“، في منصب المستشار الثقافي لـ”المجلس الأعلى للثورة الثقافية”، الذي يتولّى مسؤولية أسلمة الجامعات.
وقبل سنة من إنتخاب أحمدي نجاد بفضل الدعم الإيديولوجي والمالي من “الأكاديمية” ومن الحكومة، فقد تمّ تأسيس “معهد المستقبل المشرق” في “قم” (زعم موقع baztab أن أحمدي نجاد، حينما كان محافظ طهران، خصّص مبلغ 1 مليار دولار لـ”معهد المستقبل المشرق”). وقد أعلن رئيس المعهد، “مسعود بير سيّد أقائي“، وهو رجل دين أصولي، أن مهمة المعهد كانت بلورة الأسُس المهدوية للمجتمع الإسلامي والحكومة الإسلامية. وحينما وصل أحمدي نجاد إلى الرئاسة، عقد المعهد أول مؤتمر دولي له حول “العقيدة المهدوية”- دراسة المهدي، والإيمان به- في طهران في أغسطس 2005. وافتتح المؤتمر بخطاب لأحمدي نجاد، الذي قال للصحفيين لاحقاً أن “غاية حكومتي هي رضا الشعب، وليس لدي شكّ في أن شعب الجمهورية الإسلامية يستعد لعودة الإمام الغائب، وبإرادة الله فإننا سنشهد ظهوره قريباً”.
في العام 2006، وفي تقديم لمجموعة مقالات حول المؤتمر الدولي، كتب “عقائي” أن لـ”المهدية” جوانب فقهية، وثقافية، وفنّية، وتربوية، وغيبة، وسياسية، وإقتصادية، وإجتماعية، وتاريخية، وأنثروبولوجية، ونفسية، وأن على الشيعة أن يكتشفوا كل أبعاد هذا الإعتقاد وكل قدراته. وأضاف أنه يعتبر أن “لمهدية” يمكن أن تشكّل خطاً إستراتيجياً موجّهاً لـ”إنشاء الحكومة العالمية”. بكلمات أخرى، “المهدوية هي السلاح ما بعد النووي الذي يملكه التشيّع من أجل فتح العالم”. وفي دراسة قدّمتها إلى المؤتمر “مريم معين الإسلام”، بعنوان “االمؤدّيات الإقتصادية والثقافية والسياسية والإجتماعية لعقيدة حكومة المهدي بالمقارنة مع العولمة”، سعت الكاتبة لإثبات أن الحضارة الغربية على عتبة الإنحدار وأن الشيء الوحيد الذي يمكن أن يحلّ محلّها هو الحضارة الإسلامية ممثّلة بإيران. وهي تصف حكومة المهدي العالمية كبديل حصري للعولمة الراهنة التي يقودها الغرب.
حينما وصل إلى السلطة، أعلن أحمدي نجاد أنه ينبغي تنظيف الجامعات من الأساتذة العلمانيين. إن هذا التصريح، وبيانات أخرى، تثبت ولاءه لفكرة “العلوم الإسلامية الصرفة” التي تروّج لها “الأكاديمية” و”معهد المستقبل المشرق”. وصرّح أحمدي نجاد في عدة مناسبات أن الغرب يعيش أزمة أساسية وأن المخرج الوحيد من تلك الأزمة هو تعاليم الإسلام والمهدوية. ويبدأ أحمدي نجاد كل خطبه بالدعاء للمهدي ويسأل الله أن يسمح بعودته قريباً جداً. وقد أعلن مراراً أن “العدالة ورائد العدالة في الطريق”. وتبعاً لذلك، يمكن اعتبار خطب أحمدي نجاد حول العدل والسلام كإشارات إلى حكومة المهدي.
علاوةً على الجهود النظرية التي تقوم بها “الأكاديمية” و”معهد المستقبل المشرق”، فهنالك أدلّة على أن الرئيس ينتمي إلى جمعية خفية، سرّية، تؤمن بآخر الزمان الوشيك، ولا يُعرَف الكثير عن نشاطاتها. ويبدو أن هذه الجمعية السرّية بدأت عملها قبل الثورة ومن غير أن تحدّد لنفسها مهمة سياسية. وبعد الثورة، واصلت نشاطاتها في أربع مدن: تبريز، وطهران، وإصفهان، ومشهد. وتفيد التقارير أن الجمعية تضمّ أقل من 100 عضو ولكنها، منذ 1984، استقطبت شخصيات حدّدت للجمعية مهامها. ومنذ تلك الفترة، بات تحضير البلاد لعودة الإمام الغائب أولويةَ الجماعة. وتضم الجماعة “وسيطاً”، هو حالياً رجل مدني يدعى “الله وردي خاني“، يقول أنه على اتصال مباشر مع الإمام الغائب (يستند الكاتب حول هذه النقطة إلى مقابلات مع رجلي دين من طهران يتعاطيان الأمور السياسية ويقيمان علاقات وثيقة بمكتب خامنئي).
وتبعاً لـ”سيّد مهدي إمام جَمَراني“، الذي كان تلامذة الخميني المقرّبين منه، فقد سعت الجماعة للإتصال بمؤسّس الجمهورية الإسلامية. وفي مقابلة مع موقع www.baztab.com، سرد جَمَراني قصة مفادها أن 3 أشخاص زاروا الخميني وقالوا له أنهم يمثّلون الإمام الغائب وأنهم يرغبون في إعطاء معلومات حاسمة للخميني. وردّ الخميني بأنه لن يستمع لهم ما لم يجيبوا على 3 أسئلة. فطلب منهم أن يسمّوا شيئاً يحبّه كثيراً، وأن يقولوا له أين فقد شيئاً مهماً، وأن يصفوا العلاقة بين الأزلي والزمني. وقال لهم الخميني: “إذهبوا واطرحوا هذه الأسئلة على “سيّد الزمان” وعودوا بإجاباته”. وبعد أيام، عادوا بالإجابات التي لم ترضِ الخميني فقال لهم: “أنت كاذبون. أخرجوا من هنا”. وسرد نفس القصة “مسيح مهاجري“، وهو رجل دين متصلّب ومدير جمهوري “جمهوري إسلامي” المحافظة، في خطاب ألقاه في أكتوبر 2007. وقال في نفس الخطاب: “كان هنالك دائماً أشخاص يزعمون أنهم شاهدوا الإمام الغائب وأن الحكومة الحالية هي حكومة الإمام الغائب… إن هذه الخرافات خطرة، وأحيانا يعتنقها أشخاص مهمّون”.
كذلك، يمارس “الولايتيون” (حول “الولايتينين”، راجع الحلقاة 3) تأثيراً كبيراً جداً على أحمدي نجاد. إن أحد “الولايتيّين”، هو “أحمد جنّاتي“، وهو عضو مهم في مجلس الأوصياء وكان أحد أبرز مؤيّدي أحمدي نجاد منذ بداياته الأولى. وقد أعرب “جنّاتي” عن إعجابه بخطب أحمدي نجاد في جامعة كولومبيا وفي الأمم المتحدة، ووصفها بأنها خطب إنسان سياسي وروحاني، وتوجّه إلى الله بالشكر لأن في إيران مثل هؤلاء الرجال الشجعان، وقال “إن الوضع سيكون جاهزاً لعودة الإمام الغائب”. وهنالك رجل دين آخر من “الولايتيين” مقرّب من أحمدي نجاد ويحضر إجتماعات الحكومة كل أسبوع، وهو “مرتطى أقا طهراني“. وقد كتب كتاباً يشتمل على تعليمات حول إستقبال الإمام الغائب ويعرض كيفية تقديم الإلتماسات للمهدي في مسجد “جنكران”.
ترجمة بيار عقل
الحلقة المقبلة: أحمدي نجاد، والإمام الغائب، وإسرائيل
(1)مهدي خلجي: “سياسات آخر الزمان” في إيران
“سياسات آخر الزمان” في إيران (2): المهدوية التراثية وقبل الثورة الإسلامية
“سياسات آخر الزمان” في إيران (3): “مشهد” ومتطرّفوها
التفكيكيّون، و”الحجّتية” و”الولايتيّون”
سياسات آخر الزمان” في إيران(4): المهدوية في الجمهورية الإسلامية
أيضا:
وول ستريت جورنال: داخل آلة النقود المقدّسة في إيران
“ضريح الإمام الرضا”أغنى إمبراطوية تجارية في إيران الإسلامية<img283|center>