مقالة تحليلية حول قانون إصلاح القطاع المصرفي اللبناني، تناقش التحديات التشريعية ودور قانون النقد والتسليف في تنظيم القطاع المصرفي وحماية النظام المالي.*
خضع القانون رقم 71 / 2026 المتعلق بإصلاح القطاع المصرفي وإعادة هيكلته لطعن قدّمه رئيس الجمهورية أمام المجلس الدستوري، واقتصر الطعن على المادة الثالثة منه وحدها. وقد أغفلت هذه المادة، عن قصد، ربط القانون والغرفة الجديدة لدى الهيئة المصرفية العليا بقانون النقد والتسليف.
والحال أن قانون النقد والتسليف يشكّل، منذ وضعه عام 1963، المرجعية التشريعية الجامعة التي تنتظم ضمنها تشريعات القطاع المصرفي في البلاد. فجميع القوانين التي أُقرّت منذ ذلك الحين لتنظيم القطاعين المصرفي والمالي ارتبطت به، كما أُنشئت الهيئات المنبثقة عن تلك النصوص ضمن مصرف لبنان وأُخضعت لأحكامه. أما قانون إصلاح القطاع المصرفي وإعادة هيكلته، فقد شكّل الاستثناء الوحيد؛ إذ تعمّد واضعوه في مجلس النواب تجريده من كل نسب تشريعي مشروع. والأخطر من ذلك أنهم ألحقوه بمرجعية أجنبية لا يحيطون بمدى آثارها ولا بنتائجها.
ففي الصيغة التي عدّلتها الحكومة وأحالتها إلى مجلس النواب، تكلّف المادة الثالثة غرفة الهيئة المصرفية العليا تطبيق ” معايير دولية” في إطار إعادة هيكلة المصارف اللبنانية، من دون أي تحديد إضافي. ولا يعترض أحد على مبدأ اعتماد مثل هذه المعايير، وفي مقدمة غير المعترضين مصرف لبنان. إلا أن مضمون هذه المعايير، وآليات تطبيقها، وحتى مصادرها، تبقى غير محددة، نظراً إلى تعدد المرجعيات والمعايير الدولية.
دور الجهة الناظمة
من المستغرب والمؤسف في آن أن لجنة المال والموازنة، التي كانت أول من درس مشروع القانون والتي تتمثل فيها مختلف الكتل النيابية، رأت ضرورة إضافة الإشارة إلى قانون النقد والتسليف إلى جانب الإشارة إلى المعايير الدولية. وكان من شأن هذه الإضافة ضمان اتساق القانون ووضوحه واندماجه في المنظومة التشريعية الناظمة لهذا القطاع السيادي. كما كان من شأنها، في الحد الأدنى، تمكين مصرف لبنان من ممارسة دوره كاملاً بوصفه الجهة الوطنية الناظمة للقطاع المصرفي ولعملية إعادة هيكلته، بدلاً من اختزاله إلى مجرد مراقب معني، ولكنه خاضع لمعايير دولية غير محددة، وفقا لما انتهى إليه التصويت النيابي.
ومن دون الدخول، في هذه المرحلة المتقدمة من مسار ولادة القانون، في سجال عقيم حول نص أُقرّ وسط ارتباك عام وبرفع الأيدي، على يد نواب كانوا في عجلة من أمرهم للانتهاء من تشريع باتوا ينظرون إليه باعتباره عبئا شعبيا أكثر منه واجبا وطنيا يقتضي التشريع بدقة؛ أكتفي بالتذكير ببعض المبادئ الأساسية في القانون الدستوري، المستمدة من اجتهاد المجلس الدستوري في مجال الرقابة على دستورية القوانين.
نص ناقص وملتبس وغير متجانس
استقر اجتهاد المجلس الدستوري اللبناني، وكذلك اجتهاد المجلس الدستوري الفرنسي، على أن القانون الذي لا يحدّد بنفسه نطاق اختصاصه يكون مشوبا بعدم الدستورية، لعدم ممارسته بصورة كاملة السلطات التي يمنحه إياها الدستور.
وبعبارة أخرى، يكون المشترع في حالة عدم اختصاص سلبي عندما يقر نصا أو مادة قانونية تتسم بالغموض أو النقص أو عدم الدقة، ويحيل أمر البت فيها إلى جهة أخرى غير محددة أو إلى معايير دولية. ومن خلال إخضاع تطبيق المادة الثالثة من القانون موضوع البحث لمعايير دولية، من دون تعريف هذه المعايير أو تعيين الجهة الوطنية التي أناط بها وضع القواعد بصورة واضحة ودقيقة، يكون المشترع اللبناني قد أخفق في أداء مهمته الدستورية في التشريع، وتنازل بذلك عن اختصاصه السيادي في وضع القواعد المحددة للمعايير الدولية التي صوّت على إدراجها في القانون.
وعليه، فإن المادة الثالثة، بصيغتها التي أُقرّت، هي في الوقت نفسه ناقصة ومل ت بسة وغير متجانسة.
هي ناقصة لأنها امتنعت عن تحديد المرجعيات والقواعد التي تستند إليها المعايير الدولية، ولم تضع بنفسها هذه المعايير، كما لم تعيّن، عند الاقتضاء، الجهة الوطنية المختصة باختيار المعايير الدولية الواجبة التطبيق. وهي ملتبسة بالنظر إلى الإبهام الذي أحدثته من خلال إدخال الإشارة إلى المعايير الدولية، من دون توضيح كيفية قراءتها وتوفيقها مع سائر أحكام قانون النقد والتسليف، التي لا يبدو أن القانون الجديد قد استبعدها صراحة”، بل على العكس تماماً.
فالقانون نفسه ينشئ، في مادته الثالثة، نظاما ثنائي الغرف تحت مظلة الهيئة المصرفية العليا، وهو ما يؤكد بوضوح أن قانون النقد والتسليف يشكّل الأساس القانوني لهذا البناء المؤسساتي. ويؤكد ذلك أيضا من خلال إنشاء الغرفة الثانية، التي يرأسها حاكم مصرف لبنان وتضم، بصورة خاصة، النائب الأول للحاكم ورئيس لجنة الرقابة على المصارف؛ وجميعهم مرتبطون بالمصرف المركزي، وقد حدد قانون النقد والتسليف والقوانين التابعة ماهية صلاحياتهم.
فراغ تشريعي
ألا تُنيط المادة 70 من قانون النقد والتسليف بالمجلس المركزي لمصرف لبنان حصراً مهمة تحديد سياسة صون النظام المالي والنقدي في البلاد وحمايته؟
هذا المجلس المركزي ليس حكراً على الحاكم، بل يضم نواب الحاكم المنتمين إلى طوائف متعددة، الذين يعيّنهم مجلس الوزراء ويمنحهم ولايتهم، فضلاً عن المديرين العامين بحكم مناصبهم في وزارتي المالية والاقتصاد، ومعهم مفوض للحكومة. وكان الأجدى بالمجلس النيابي أن يوازن بين الأحكام السيادية الواردة في قانون النقد والتسليف وبين المعايير الدولية، التي باتت أشبه بذلك الغائب الحاضر الذي يتحدث عنه المجلس كله، من دون أن يراه أحد أو يقرأه .
ولا بد أخيراً من التشديد على عدم تجانس نص المادة الثالثة، بصيغته التي وضعها المجلس النيابي وصوّت عليها. فهذا الخلل ناتج من أن الكتلة التشريعية التي تنتمي أصلاً إلى قانون النقد والتسليف وجدت نفسها أمام فراغ تشريعي لا تستطيع المعايير الدولية ملأه. ولا يجوز لأي قانون أن يحيل مهمته التشريعية إلى جهات بديلة أجنبية لا صلة لها بأي مرجعية وطنية، لم يعرّفهم القانون نفسه ولم يسبغ عليها القانون أي اعتراف قانوني. وينشأ عدم التجانس من ترك المادة الثالثة بلا سند معياري وطني، ومن تعطيل تطبيق قانون النقد والتسليف، بصورة ضمنية، من خلال تعمد المادة الثالثة المعايير الدولية دون غيرها.
ولجميع هذه الأسباب، يكون المشترع اللبناني قد وضع نفسه في حالة عدم اختصاص سلبي، يتعين على المجلس الدستوري برأينا إثباتها وإقرار عدم دستوريتها.
إنكار تاريخي
إن الموقف السلبي للنواب اللبنانيين، المتمثل في تخليهم صراحة عن ممارسة الاختصاص الذي أناط بهم الدستور بموجبه مهمة التشريع، يكشف، في رأينا، عن إخفاق فكري آخر، هو نوع من الإنكار التاريخي والسياسي في آن واحد . فهو، أولاً، إنكار تاريخي لأنه يتنكر لمصرف لبنان ولقانون النقد والتسليف، ويرفض الاعتراف بالحقيقة التاريخية التي أسهمت في تشكيل النظام المصرفي في البلاد منذ إنشائه عام 1963 وحتى اليوم؛ وهي حقيقة صنعت حقبة لبنان المزدهرة ووضعت نظامه المصرفي في مصاف الأنظمة الأكثر شهرة ونجاحا واستقطابا في العالم.
قد لا يعيد التاريخ نفسه، لكنه لا يستطيع أن يكذب. لقد عاش لبنان عصره الذهبي في ظل نظامه المصرفي، الذي تولى مصرف لبنان تنظيمه طوال عقود، وبفضل قانون النقد والتسليف الذي حكم القطاع ولا يزال يحكمه .
وتقتضي الحقيقة التاريخية أيضا الإقرار بالأخطاء التي ارتكبها الحاكم السابق، الذي امتد عهده ثلاثين عاماً، أو بصورة أدق لخمس ولايات متتالية، وقد قبل نواب الأمس واليوم كما الحكومات المتعاقبة على تجديد ولايته . وعليه، الخلل لا يكمن في قانون النقد والتسليف نفسه، بل في إنكاره. كما أن الأزمة النظامية لم تأت من القانون عينه، بل ممن تنكروا له أو واصلوا تحريفه. وكان نواب الأمس واليوم هم شهوداً أحياء على هذا الانهيار. وعدم الاعتراف بهذه الحقيقة التاريخية هو إنكار بحد ذاته؛ إنه إنكار نيابي.
وهم العصمة من الخطأ
يرتسم أمام أعيننا أيضا نوع آخر من الإنكار ذي الطبيعة السياسية، تجلّى في التصويت على قانون إصلاح المصارف وإعادة هيكلتها. فقد سبق أن أقر مجلس النواب هذا القانون في شهر آب 2025 . كما سبق لعدد من النواب أن طعنوا فيه أمام المجلس الدستوري، طالبين مراجعته وإبطال بعض أحكامه. وقد أبقى المجلس الدستوري القانون نافذاً بعد إدخال تعديلات طفيفة عليه، إلا أنه كرّس، بصورة خاصة، المادة الثالثة التي كانت تشير صراحة إلى قانون النقد والتسليف.
ظل ذلك القانون نافذاً من آب 2025 حتى آب 2026 ، حين عُدّل استناداً إلى مشروع قانون جديد أعدّته الحكومة نفسها التي وضعت قانون العام السابق . وهؤلاء النواب أنفسهم، الذين صوّتوا على القانون السابق، عادوا وصوّتوا على القانون الجديد، ولكن من دون ربطه بقانون النقد والتسليف. وعلى الذين يعلنون انتصارهم اليوم أن يتذكروا أنهم أعلنوا الانتصار أيضا قبل عام، يوم كان قانون النقد والتسليف حاضراً في النص .
فالمشكلة إذاً ليست في قانون النقد والتسليف، بل في النواب أنفسهم، الذين وقعوا في إنكار سياسي فاضح . إن مراجعة الضمير القانوني لا تنطلق من شعور بوهم العصمة من الخطأ التي تنم عن خفة لدى البعض، بل من الحقيقة المتجلية التي يتعين على الجميع الامتثال لها.
* محام بالاستئناف، أستاذ محاضر سابق في القانون العام في كلية الحقوق، جامعة القديس يوسف
