(الصورة: “مخيّم اليرموك:” قرب دمشق، تأسس عام 1955، وامتدت مساحته آنذاك إلى 2 كيلومترمربع. وصل عدد سكانه قبل انفجار الثورة عام 2011 إلى 1.2 مليون نسمة، منهم نحو 160 ألف لاجئ فلسطيني.)
خاص بـ”الشفاف”
قال مسؤول فلسطيني رفيع المستوى لـ”الشفاف” أن السلطة الفلسطينية تضغط على فلسطينيي سوريا لمغادرة لبنان، وتسعى لإقناعهم بأن “الأونروا” ستدفع لهم مخصّصاتهم في سوريا وليس في لبنان. ويندرج موقف السلطة الفلسطينية هذا في إطار تعاونها مع الدولة اللبنانية. وفي نفس الإطار، قال المسؤول نفسه أن عدد الفلسطينيين في لبنان انخفض إلى 170 ألف لاجئ (مقابل 470 ألف سابقاً)، وأن السلطة الفلسطينية تشجّع المتبقّين على مغادرة لبنان!
*
مع بداية عام 2013 شهد لبنان ذروة التهجير القسري للاجئين الفلسطينيين المقيمين في سورية، ووصل عددهم الى نحو 80 الف مهجر. لكن هذا العدد انخفض الى نحو 55400 مهجر مع بداية حزيران 2014، ليعود لينخفض الى 44431 مهجر مع نهاية العام 2014. سكن 49.83% منهم في المخيمات الفلسطينية و51.17% في مناطق لبنانية مختلفة، وذلك حسب احصاءات وكالة الاونروا.
وفي دراسة أعدها “مركز تطوير للدراسات والأبحاث الاستراتيجية” تبيّنَ ان نحو 98% من المُهجَّرين أتوا من محيط العاصمة السورية دمشق ومن مخيم اليرموك على وجه الخصوص.
بدأ العدد بالانخفاض منذ العام 2015 بسبب اقفال الحدود وعدم تسجيل العائلات، الا ان ذلك لم يمنع الكثير منهم من الدخول إلى لبنان بطرق غير قانونية وعن طريق التهريب.
بعد وصولهم الى لبنان سارعوا بالتسجيل في وكالة الاونروا للاستفادة من المساعدات المقدمة لدفع تكاليف الاقامة والخدمات الطبية وإلاستشفائية.
اليوم في العام 2026, كم بقي منهم في لبنان؟
يقول عمر نجم، وهو فلسطيني من سورية: لا توجد احصائية دقيقة لعدد الباقين في لبنان، لكن الأرقام تدور حول 23 الف شخص ما زالوا في لبنان، ومعظمهم في منطقة صيدا”.
فيما تقول هيفاء الاطرش:” حسب سجلات الاونروا فان عدد المهجرين يصل إلى 23850 شخصاً، فيما يبدو ان الباقين واقعياً لا يتجاوز عددهم 18 الف مهجر.
اين ذهب المهجرون؟
يشير الناطور الى هجرة الآلاف منهم “الى أوروبا وامريكا بطرق قانونية واخرى غير قانونية وخصوصاً بعد عام 2016 اي بعد اقفال الحدود وإيقاف اعطاء اقامات قانونية لهم من قبل الدولة اللبنانية”.
فيما تشير الأطرش الى “هجرة نحو 20 الف شخص الى مصر وتركيا، وخصوصا ان تركيا تشكل بوابة الوصول الى أوروبا”.
منذ نحو ثلاث سنوات، اتخذت الدولة اللبنانية قرارا بمنع تجديد اقامات اللاجئين الفلسطينيين القادمين من سورية، وبالتالي تحول وجودهم الى وجود غير قانوني.
وعلى الرغم من عدم تسجيل اي قادم جديد بعد عام 2015 كان هناك تهاون بتعاطي السلطات اللبنانية بالإقامة، لكن، الآن، وبعد إلغاء الإقامات وعدم تجديدها فان من يجري توقيفه لأي سبب، يجري ترحيله الى سورية.
كيف يعيشون حالياً في لبنان؟
يُجمع المهجرون على تقليص الاونروا لخدماتها لهم، ما ألحق بهم ضرراً كبيراً، وخصوصاً في المجالين الصحي والتعليمي، كما ان المساعدات المالية التي كانت تدفع بانتظام صارت تتأخر شهوراً، وحسب التمويل الذي يصل إلى الاونروا.
ويواجه المهجر الفلسطيني القادم من سورية مشكلة كبيرة تتعلق بايجار المنازل،
وعلى الرغم من صغر مساحات المساكن المستأجرة وسوء اوضاعها، فإن المهجر مضطر لتأمين بدل الإيجار الشهري بانتظام.
وهذه المسؤوليات المتعلقة بتأمين السكن وتكاليف الحياة جعلت الجميع يسعى للعمل في اي مجال ممكن.
ويقول نجم:” يعمل الكثير من المهجرين كحرفيين في اكثر من مهنة، كذلك أُجراء في محلات تجارية او خدماتية وعتالة، انهم يعملون بأي مهنة لتأمين مصاريف الحياة.
كما ان هناك عائلات ترأسها نساء تَسعَين للعمل في اي مجال ممكن كي تصرف على افراد العائلة”.
وتضيف الأطرش:” في كل عائلة نجد اكثر من شخص يعمل كي تستطيع العائلة تأمين حياتها، الرجل والمرأة والأولاد يعملون كي يؤمنوا معيشتهم”.
اما عن التعليم، يبدو ان أبوابه مقفلة بوجه من بقي في لبنان، لا تسجيل في الجامعات الا لمن لديه إقامة والاقامات متوقفة وبالتالي لا امكانية لاستكمال التعليم كما ان تلامذة صفوف ما قبل الجامعة فلا مصادقة على نتائجهم بسبب عدم وجود اقامات.
وتقول احدى النساء:” بالسابق كانت تحل هذه المشكلة بتدخل من الاونروا ومنظمة التحرير الفلسطينية من وزارة التربية، لكن الآن جميع الأبواب مقفلة وهذا يعني فتح الباب امام تسرب مدرسي كبير”.
ويُجمع المهجرون الى ان المشكلة الاساسية هو وضعهم القانوني اذ لا يوجد أي فلسطيني قادم من سورية لديه إقامة قانونية، والمستقبل مجهول ولا أفق لهم حتى ان أبواب الهجرة غير القانونية قد أقفلت.
اذاً، لماذا لا يعودون الى سورية؟
يقول كثير من المهجرين انه بعد سقوط نظام الأسد، وتوقيف الإقامات وعدم تجديدها، وازدياد نسبة البطالة في لبنان، عاد الآلاف من فلسطيني سورية الى مخيم اليرموك وغيره من أماكن السكن، لكنهم صدموا بواقع الحياة هناك.
80% من مخيم اليرموك مدمّر والمنازل على الأرض، لا قدرة لهم على إعادة البناء، الدولة السورية لا تساعد ولا امكانية لديها على ذلك، الاونروا تقدم مساعدة تبلغ 4000 دولار للترميم وليس للبناء، وشرط ان يسكن اللاجىء في المنزل المنوي ترميمه، وكان السؤال: كيف يسكن الانسان في منزل بدون أبواب او شبابيك، بدون مطبخ او حمام؟ لا مشكلة بالنوم على الأرض ولكن كيف يكمل حياته.
واذا أراد اي انسان ان يستأجر منزلاً عليه ان يدفع ايجار ما بين 3-6 أشهر مقدماً بالإضافة إلى عمولة الوسيط العقاري ولا يقل الايجار الشهري عن 150 دولار اميركي.
ويبدو ان لا حلول لاعادة اعمار المنازل في اللحظة الراهنة.
ويغيب عنهم فرص عمل التي يمكن ان تؤمن حياة كريمة، اذ يبلغ الأجر اليومي نحو 5 دولارات اميركية، ويعلق احد المهجرين بالقول:” عليك ان تختار اما تناول الفطور او تناول الغداء، لكنك لا تستطيع الحصول عليهما معاً”.
تقول احدى اللاجئات:” اضطر العديد للعودة الى سورية خشية الترحيل التعسفي، وكان لديهم امل بالحصول على فرص عمل بعد سقوط النظام، لكنهم لم يجدوا فرص عمل ولا سيولة مالية ومساعدات لاعادة البناء.
هناك فرص عمل محدودة للمتعهدين، كما ان الكثير من الأشخاص عادوا الى وظائفهم لكن الرواتب لا تكفي لسد الاحتياجات، كما ان القوانين السورية الحالية تمنع الفلسطيني من التملك.
ولا ننكر ان بعض مدارس الاونروا فتحت أبوابها لكن إذا كانت الحاجة هي عشر مدارس فان الاونروا تؤمن اربع مدارس منها، اثنتان للصبيان، واثنتان للبنات.
كما ان الاونروا أمَّنت مستوصفا واحدا في مخيم اليرموك مع امكانات متواضعة”.
احدى اللاجئات المقيمة في “وادي الزينة”، تعلق بالقول:”معظم الذين عادوا الى سورية ندموا على عودتهم، واليوم ممنوع عليهم العودة الى لبنان، كثير منهم يعيش عند اقاربهم، انهم يفكرون بيومهم الحالي، وكيف سيحصل على لقمة العيش، والبعض عاد الى لبنان عن طريق التهريب”.
وتضيف:” منذ فترة احد الأشخاص شنق حاله بمخيم اليرموك لانه غير قادر على تأمين منزل واكل لعائلته وخصوصا عجزه عن تأمين انواع معينة من المأكولات، كما تشعر عدد من الفتيات بعدم الأمان”.
وفي :مخيم شاتيلا:، نلتقي بأحد القادمين من سورية بطريقة غير قانونية، يضحك قليلاً عندما نسأله عن أسباب عودته، ويجيب:” ظننت ان الوضع قد تغير، نعم تغير نحو الأسوء=أ من الناحية الاقتصادية. لم أستطع ترميم منزلي في اليرموك، ولا استئجار منزل خاص لي ولعائلتي، عملت هناك لمدة شهرين، ولم يتجاوز دخلي الشهري 170 دولار أميركي، فقررت العودة الى لبنان حتى لو بطريقة غير قانونية، كلنا هنا وجودنا غير قانوني ولكن ماذا نفعل؟ نريد أن نعيش على الاقل نعيش كل يوم بيومه”.
انها مأساة إنسانية تضاف الى المآسي التي تعيشها بعض الشعوب، مع بعض الإضافات، وجود غير قانوني مهدد بالترحيل الى بلد لا منازل مؤمنة فيها ولا فرص عمل تؤمن الاحتياجات المطلوبة، انهم بشر لا يملكون الا ان يحلموا بيومهم الوحيد.
