ثمة استقالات تخصّ أصحابها، وثمة استقالات تتحول في ذاتها إلى اتهام صامت لمؤسسة بأكملها. فعندما يقدّم مجلس أمناء جامعة استقالته جماعيًا إثر إقالة رئيسها، لا يعود الأمر خلافًا بين رئيس جامعة ورئيسة جمعية، ولا نزاعًا إداريًا يمكن دفنه خلف أبواب المكاتب، بل يصبح السؤال: ماذا حدث للمؤسسة حتى غادر أمناؤها جميعًا؟
والكلمة هنا ليست تفصيلًا لغويًا. هؤلاء كانوا أمناء، أي أنهم لم يكونوا مالكين للجامعة ولا موظفين عند من يرأس الجمعية التي أنشأتها، بل مؤتمنين على استقلالها ورسالتها الأكاديمية. ويكفي النظر إلى من كانوا يجلسون حول تلك الطاولة لفهم حجم ما حدث: الدكتوره عزيزة الهبري، الأكاديمية المعروفة دوليًا في القانون وحقوق الإنسان؛ الدكتورة رنا حجة، صاحبة المسيرة القيادية في منظمة الصحة العالمية والمراكز الأميركية لمكافحة الأمراض؛نسرين سنّو، الدكتورة في علوم الكمبيوتر في الجامعة اللبنانية والباحثة المتخرجة من غرونوبل ENSERG؛ الدكتور سعيد الفاكهاني، أستاذ التمويل وصاحب الخبرة الطويلة في الإدارة الجامعية؛ الدكتور ساري حنفي، أستاذ الجامعة الأميركية والرئيس السابق للجمعية الدولية لعلم الاجتماع؛ الدكتور عماد بعلبكي، أحد أبرز وجوه التطوير المؤسسي في الجامعة الأميركية؛ د .مريم غندور، الأكاديمية ونائبة رئيس الصليب الأحمر اللبناني؛ أسماء و تجارب، ونوافذ مفتوحة على العالم. ثم نهضوا جميعًا عن الطاولة.
وفي قلب هذه الأزمة يقف الدكتور حسان غزيري، عالم الحاسوب والأكاديمي الذي اشتغل على الذكاء الاصطناعي قبل عقود مما اصبح عليه اليوم بمتناول الجميع ويتسابق الجميع إلى ادعاء معرفته. وفي اللحظة التي يعيد فيها الذكاء الاصطناعي تشكيل الجامعات والطب والاقتصاد والهندسة والإدارة، يخسر لبنان من رئاسة إحدى جامعاته رجلًا كان يستطيع أن يجعل من صغرها فرصة لبناء مؤسسة أكثر رشاقة وتخصصًا واتصالًا بالثورة العلمية الجارية. والمفارقة موجعة: لبنان الذي ينظم المؤتمرات عن «استعادة الكفاءات» و«وقف هجرة الأدمغة» كان قد نجح في المقاصد في تحقيق شيء أندر بكثير، إذ جمع حول طاولة واحدة علماء واقتصاديين وأطباء وأكاديميين من هذا المستوى، مستعدين لأن يضعوا أسماءهم وخبراتهم في خدمة مؤسسة لبنانية. ثم فرغت الطاولة. وهذه، قبل معرفة ما إذا كانت ثمة مخالفة قانونية، خسارة فكرية ومؤسساتية فادحة في حد ذاتها.
أما القانون فيجب أن يتكلم بنفسه. فبحسب المعلومات الآتية من داخل المؤسسة، بدأ الخلاف من مسألة شديدة الدلالة: المتطلبات القانونية والتنظيمية والموارد الواجب توفيرها للبرامج والأقسام حفاظًا على شروط الترخيص الجامعي. ثم تحولت المسألة إلى نزاع حول القرار والحوكمة، وانتهت بإقالة غزيري والاستقالة الجماعية لمجلس الأمناء. وهذه رواية أخطر من أن تبقى رواية. فلتُنشر الوثائق: ماذا فرض قانون التعليم العالي؟ ماذا طلبت الوزارة؟ ماذا قال رئيس الجامعة؟ ماذا قرر مجلس الأمناء؟ من يملك وفق نظام الجامعة والقانون اللبناني صلاحية إقالة رئيسها، وهل اتُّبعت الآلية القانونية؟ ولماذا وجد عشرة أمناء، مختلفون في اختصاصاتهم ومسيراتهم، أنفسهم أمام موقف واحد هو الاستقالة؟ وإذا تدخلت وزارة التربية والتعليم العالي، فعلى أي أساس تدخلت؟
ليس المطلوب من الدولة أن تختار غزيري ضد رئيسة الجمعية، ولا رئيسة الجمعية ضد غزيري؛ المطلوب منها أن تختار القانون ضد الجميع. وهنا تحديدًا يصبح موقف نواف سلام مهمًا. ليس لأنه خريج المقاصد، فهو ليس كذلك وقد قال ذلك بنفسه، بل لأن المقاصد تسكن تاريخ عائلته وتاريخ بيروت التي ينتمي إليها، من سليم سلام إلى من خدموا هذه المؤسسة من آل سلام. وعندما انتُخبت الرئيسة ديانا طبارة، كان سلام نفسه يؤكد أن لا أحد فوق القانون ولا أحد خارجه. حسنًا، هذه هي اللحظة التي تتحول فيها الكلمات إلى التزام: إن كانت الإقالة قانونية فليُشرح كيف؛ وإن كان مجلس الأمناء مخطئًا فليُنشَر الأساس القانوني؛ وإن تدخلت الوزارة فلتوضح ماذا فعلت وبأي صلاحية. فلا يمكن للدولة أن تعظ اللبنانيين بالمؤسسات ثم تتغاضى عندما تصبح المؤسسة نفسها موضع السؤال.
فالجامعة ليست دكانًا، ولا تُدار بمنطق المالك الذي يقرر ثم يطلب من الآخرين المصادقة. ومجلس الأمناء ليس مجموعة أسماء لامعة تُعلّق على موقع إلكتروني، ولا تُستدعى الخبرات لكي تصفق للقرار الذي اتُخذ سلفًا. معنى المؤسسة أن تكون لها حياة تتجاوز إرادة من يتولى السلطة فيها؛ ومعنى الحوكمة أن يكون للمعرفة استقلال عن السلطة؛ ومعنى الأمانة أن يستطيع الأمين أن يقول «لا» عندما يرى أن مصلحة المؤسسة تقتضي ذلك. ولهذا فإن السؤال الأكثر إزعاجًا اليوم ليس فقط لماذا غادر الأمناء العشرة، بل من سيأتي بعدهم، وبأي مفهوم للأمانة؟ يستطيع أي مسؤول أن يجد عشرة أسماء جديدة؛ لبنان لا تنقصه الألقاب. لكن هل نريد عشرة أمناء جدد أم عشرة تابعين صغار؟ مجلسًا يسأل أم مجلسًا يبارك؟ عقولًا مستقلة تستطيع الاعتراض، أم أسماء تعرف مسبقًا أن بقاءها مشروط بالطاعة؟ فالانتقال من عشرة أمناء إلى عشرة تابعين ليس تغييرًا إداريًا، بل انتقال من المؤسسة إلى الحاشية، ومن الجامعة إلى الدكان، ومن الأمانة إلى الولاء الشخصي.
وهذه ليست قصة “المقاصد” وحدها، بل صورة مصغرة عن المأساة اللبنانية كلها. نحن نتصرف كأن الدولة انهارت في يوم واحد، وكأن هجرة العقول كارثة طبيعية أصابتنا من الخارج، فيما الحقيقة أكثر ابتذالًا وإيلامًا: البلاد تُسلَّم بالتقسيط. تُسلَّم كلما تحول مجلس الأمناء إلى مجلس طاعة، وكلما أصبح صاحب المعرفة مزعجًا لأنه يعرف، وكلما طُلب من القاضي والعالم والأستاذ أن يمنح المؤسسة اسمه شرط ألا يمنحها رأيه، وكلما عومل القانون باعتباره عقبة أمام الإرادة بدل أن يكون الحد الذي تقف عنده الإرادة. لذلك لا يجوز طي ما جرى في “المقاصد” بتعيين مجلس جديد وكأن شيئًا لم يحدث.
انشروا محاضر الاجتماعات والقرارات والمراسلات والأساس القانوني للإقالة وموقف الوزارة وأسباب استقالة الأمناء، ثم دعوا اللبنانيين يحكمون بأنفسهم. أما إذا انتهت الحكاية بخروج أصحاب العلم، وصمت الدولة، ومجيء مجلس يعرف أن وظيفته الطاعة لا الأمانة، فلا تعقدوا بعد ذلك مؤتمرًا جديدًا عن هجرة الأدمغة، ولا تسألوا لماذا هاجر العقل من لبنان. اسألوا لماذا منعناه من قيادة الجامعة.
*غدير العلايلي، الرئيس الجديد للجامعة، كاتبٌ له مواقف سياسية معلنة في الشأن اللبناني–الإسرائيلي. ففي مقالته «بين عشيّة الذلّ وضحى العار»، المنشورة في جريدة «الأخبار» في 17 نيسان/أبريل 2026، قدّم المسار التفاوضي مع إسرائيل في إطار شديد الرفض، رابطاً إياه بمفردات «الذلّ» و«العار»، ومتمسّكاً بخطاب الصراع والحقوق العربية في مقاربة أي تسوية. ومن الإنصاف التمييز بين رفضه للمفاوضات الجارية وبين رفض مبدأ السلام في ذاته؛ إلا أن كتاباته المنشورة تضعه بوضوح في مواجهة مسار التفاوض المباشر بصيغته الراهنة. (الأخبار)
