هل أمست مغادرة لبنان، ولو لأيام قليلة، من ضرورات تحمُّل أعباء العيش في الخواء والاختناق الزاحفين مع الموت في أرجائه؟
رخاء متقشف
بعد نحو ساعتين على وصولي إلى باريس، أذهلتني مشاهد الجالسين على أرصفة المقاهي برخاء تلقائي متقشِّف، فردي وجمعي، على سجيتهم وحريتهم العادتين في الملبس والمشي والجلوس والحركة، بلا انتباههم إلى أن تلك الحرية والعاديّة مزمنتين، متنوعتين وفردييتين وجمعيتين، كثيرتي الألوان والأشكال والوجوه والسمات والملامح في كل يوم ووقت ومكان، في مدينة أخلاط البشر أجناسًا وألوانًا وأمزجة وثقافات ولغات.
فجأة أيقظت مشاهِدُهم هذه في روحي وحواسي وجسمي ما لم أره ولا عرفته مرة في بيروت: كراسٍ وطاولاتٌ غير مريحة ويغلب التقشُّف عليها، وبعضها بلِيَ من كثرة الاستعمال. وهي منتشرة على مدى البصر على أرصفة المقاهي. فلا يأنف أو يتأفف أحد من الجلوس على تلك الكراسي ولا إلى تلك الطاولات المصطفة على الأرصفة حذو تيارات البشر المتدفقين بسلاسة على مسافة سنتمترات من جُلّاس المقاهي. ولا أثر في مشاهِد الجالسين والعابرين وسمتهم لذينك التكلّف والتربص الاستعراضيين المتشاوفين في مشهد مقلِّديهم في بلاد ما قبل وما بعد الفوضى والإثراء السريع، الغضب والعنف والتعاسة والفقر في بيروت.
مثلهم جلستُ وصاحبي السينمائي اللبناني المقيم منذ 15 سنة في باريس. فنسيتُ سريعًا تقشف الكراسي والطاولات، غير المعتنى بها وبمظهرها لتكون مريحة كتلك التي في المقاهي والمطاعم اللبنانية لإشعار روادها بتميّزهم الاستعراضي التليد.
متعة أيلول وطمأنينة القنابل النووية
أهي نعمة اعتدال أيام الصيف الأخيرة المبلّلة بشمس الخريف ما يتسرب برخاءٍ متقشفٍ، عادي وتلقائي، إلى أجسام جلاّس مقاهي الأرصفة، إلى أنفسهم وملامحهم وتصرفاتهم، هنا في باريس؟، حيث استسلمتُ إلى رخاءٍ مضاعف، حرّرني وخدّرتني مشاهِدُه من حولي.
وسرنا كثيرًا على الأرصفة منتقلَيْن من مقهى إلى آخر. وسرعان ما فاجأني وحيَّرني صاحبي ومستقبِلي اللبناني، الفرنسي الجنسية، بتفسيره ذاك الرخاء المطمئن حين قال: لديهم قنابل نووية كثيرة تطمئنهم. فلم أجد سوى الصمت والحيرة جوابًا، كما بعد يومين حيال تفسير آخر قالته المرأة اليمنية التي غادرت بلدها منذ 12 سنة، أمضت نصفها في بيروت ونصفها الثاني في أمستردام: أكثر من 80 سنة من السلام في أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية، وأكثر من 50 سنة من الحروب في لبنان ومثلها تقريبًا في اليمن، تكفي لطمأنينتهم ورخائهم.
لاحقاً قال لي مفسِّر الرخاء بامتلاك قنابل نووية إن هذا الرخاء كله لا يبقى منه أثرٌ في شهور الشتاء الباريسي القاسي الطويل، تحت سماء رمادية واطئة تُطبق بثقلها القصديري على الرؤوس والأمزجة والعلاقات والتواصل بين البشر. نهارات قصيرة غبراء تحت سماء القصدير أو صقيع الرخام الرمادي السائل. شهور من الاكتئاب والأجسام المتدثّرة بالرمادي والأسود، فيما الوجوه مقفلة على المشقّة والتعاسة والاكتئاب.
وأضافت أختي الباريسية منذ 30 سنة أن سيستام النظام الرأسمالي الشامل والثقيل يُرهق البشر ويهدّمهم صيفًا وشتاءً، ثم يرميهم مسنِّين تعساء ووحيدين في خريف أعمارهم في هذه المدينة التي قالت إنها سوف تغادرها للعيش في قرية أو بلدة ريفية هادئة في جنوب فرنسا.
أما صديقي اللبناني القديم، المقيم في باريس منذ 39 سنة، فتحدّث متذكِرًا أكثر من 5 آلاف قتيل فرنسي من مسِنّي باريس المرميين وحيدين في بيوتهم، وقتلتهم موجة القيظ الأولى المفاجئة التي ضربت فرنسا منذ أكثر من عقدين.
اللغة والوحدة والكتب وشاشات الهاتف
صامتًا حائرًا فكرتُ وأفكرُ بكلام محدِّثيَّ…
أتذكرُ شتاء تلك السنة الذي أمضيتُه طالبَ دراساتٍ عليا في باريس مطلع الثمانينات. كنت لا أملك سوى كلمات فرنسية بدائية قليلة، ولم أحصّل إلا القليل سواها في ذاك الشتاء. وهي ظلت كلمات منفردة متناثرة، نادرًا ما استطعتُ جمع بعضها في جملة أو عبارة مفيدة.
وأتذكرُ مشاهدَ المتنقلين في متاهات مترو الأنفاق، صامتين واجمين محدّقين في صفحات كتبٍ يقرأونها بنهم لا يوقفه الزحام وتلاصق الأجسام. وأنا بلا كتاب في يدي، كنت أنقّل بينهم بصري. أقرأ في سرّي أسرار وجوههم الغريبة. أنقّب عن معنىً ما لوجودي بينهم.
لا أحد يلتفتُ إليَّ، فأتعرّق قلِقًا حائرًا في صمتي. وحين أغادر المترو في محطةٍ أسترسلُ في التحديق في الوجوه، في الإشارات والكلمات والرموز على اللافتات الكثيرة. أقرأ العلامات بلغة تقريبية، ومن حطامها أُؤَلّفُ قصةً لاكتئابي. كنت مكتئبًا آنذاك، وبالاكتئاب أعالج اكتئابي المزمن الذي حملته معي من بيروت.
بعد سنتين، أمضيتُ 7 أشهر أتعلم اللُّغة الفرنسية في مدينة فيشي، وبعدها أمضيت أقلَّ من سنة في مدينة ليون. وكانت مؤسسة الحريري للتعليم الجامعي قد نشرت جيشًا من أكثر من 30 ألف طالب وطالبة من اللبنانيين في فرنسا وبلدان أوروبية أخرى وصولًا إلى أميركا. آنذاك، في أواسط الثمانينيات، سمعتُ كلامًا كثيرًا عن آلام الوحدة وانعدام التواصل المتفشّيين بين الفرنسيين.
اليوم، أنا من أتيتُ إلى باريس سائحًا في اعتدال أيلول، لم أسمع كلمة واحدة عن الوحدة، ولا أبصرتُ مشهدًا وحدًا ولا شخصًا واحدًا يُنبئ مشهدُه عن مثل تلك الوحدة التي سمعت الكثير عنها في منتصف الثمانينات. لقد تغيّرت باريس كثيرًا منذ ذلك الوقت، ولا تزال على حالها.
لم أشاهد إلا مرة أو اثنتين كتابًا في أيدي المتنقلين في المترو وفي قطارات بين مدن فرنسية. استبدَل الجميع الكتب بهواتفهم المحمولة التي يحدّقون في صمت في شاشاتها الصامتة. ومرات قليلة جاريتهم في ذلك.
طوال 20 يومًا استسلمتُ لمشاهِد الرخاء العادي المتقشف في باريس. لكن إلحاحي اليومي المسعور على طلب ذاك الرخاء وسيولته، أتعبني وخدّرني، حتى صرت أغفو سريعًا ما أن أصل إلى تلك الغرفة المستعارة التي أنزل فيها.
بين هنا وهناك
كنتُ أتوق إلى أن أكون مشاهِدًا غُفلًا، يلتهم بحواسه مشاهد عيش عادي يتدفق بكثافة وانتظام تلقائيين مزمنين في كل مكان ووقت. إلى أن أتخلّص من خواءٍ واختناق يتشبثان بداخلي في بلاد تهالكت وخوت إلا من مهانات تتراكم في الغفلة والنسيان. إلى تدريب بصري وحواسي على التهام مشاهد الرخاء والحيوية والانسياب الفسيح، الحرّ والطليق في الشوارع. إلى محادثة من عرفتُهم ومضت سنوات مِن دون أن ألتقي بهم، ومَن أتعرّف عليهم وألتقيهم فجأة ومصادفة، كسائح عابر. إلى أن أقيم في صمتي حوارًا مشهديًا خارجيًا مقارَنًا بين هنا وهناك.
في عشرين يوم في باريس وفي رحلتين إلى أقصى جنوب فرنسا وإلى منطقة النورماندي، لم أرَ امرأة تعتزُّ وتتغاوى بشفتيها، بتكبير شفتيها واستعراضهما. وهذه حال من التقيتُ بهن وصادفتهنّ من اللبنانيات في باريس. وحال من رأيتهنّ في مطار شارل ديغول، وفي طائرة العودة إلى بيروت.
على خلاف المقولة المزمنة الشائعة عن الوحدة في مدن أوروبا، حتى من يجلسون فُرادى في المقاهي لا يُبدون وحيدين. في استرخاء تلقائي هادئٍ ومعتاد يجلسون اثنين أو ثلاثة أو أكثر إلى طاولة واحدة، ويتحادثون بوجوه رائقة منشرحة. بينهم تلامذة وفتيان وصبايا، ومن هم وهنَّ في أواسط أعمارهم، ومن المسنين أيضًا. لا شيء في مشاهدهم يبديهم منفصلين عن الأرصفة والشوارع والعابرين فيها.
لم يبق هنا من مثل هذه المشاهد شيء يُذكّر أنها كانت على هذه الحال في زمنٍ مضى واندثر كله، وربما لم يكن أصلًا إلا وهمًا وتمثيلًا. ولعل ما تبقى منه أقلية متناثرة ومأزومة وتعيش على اجترار الخواء. أو مجموعات متفرقة من جيل فتيٍّ، تتضاءل مجموعاته وحضوره يومًا بعد يوم وتتشبّه بنمط العيش هناك، فتستبدله باستعراض خاوٍ… أو بالتفاهة.
ربما لا لزوم لوصم هؤلاء أو صفهم بالتفاهة، ما داموا يصنعون هنا مشاهد استعراضية لبقيّة حياة خارجية وسط هذا الخواء المقيم والزاحف.
مشهدان لرجل وامرأة
من مكاني هناك على رصيف مقهى لمحتُ رجلًا ستينيًا يمشي هادئًا مطمئنًا على رصيف. لا شيء يميّزه عن الجالسين في المقاهي. أقولُ إنه رجل “شعبي” أو من العوام بلغة أختي الفرنسية ومعاييرها. وقد يكون من جيل مهاجرين سابقين. يرتدي ثيابًا رياضية داكنة اللون، ويحمل بيديه زجاجتي نبيذ مكشوفتين أو عاريتين. الأغلب أنه ذاهب إلى بيته وأسرته. وربما دعا معارف أو أصدقاء إلى العشاء. عشاء عادي خفيف لا أثر فيه لتكلُّف، وتحدث فيه بعض مسامرات.
أمشي في شارع أعرفه وألفتُه. كانت تمر السيارات فيه قبل سنتين أو ثلاث، فأصبح نصفه اليوم للمشاة ونصفه الآخر لراكبي الدراجات، وغُرِست نباتات وأشجار ظليلة على جنباته.
فجأة انتبهتُ إلى أنني أمشي وسط نصف الشارع المخصص للدراجات، فسارعتُ إلى اعتلاء حافة الرصيف. امرأةٌ شابة عبرت قربي مسرعة على دراجتها الهوائية. انتبهتْ لارتباكي واضطرابي واعتلائي الحافة، فخفّفتْ سرعة درّاجتها والتفتتْ إليَّ مبتسمةً ابتسامة ودّية معتذرةً أو ساخرة من سرعتها، وقالت: نعم، هذا “أوتوروت” الدراجات (طريق الدراجات السريع).
سُررتُ بابتسامتها وسخريتها. صوّرتُ شارعَ المشاة والدراجات هذا، وأرسلتُ صورته إلى أختي، فكتبت تعليقًا على الصورة: إنهم عائدون من العمل سيرًا على أقدامهم أو على دراجاتهم… وما أدراك ما العمل في المكاتب غير المفتوحة إلا على شاشات التكنولوجيا الإلكترونية… يا للتعاسة.
عندما سألتُها: أين أنتِ الآن، كتبتْ: في القرية التي بها منتجع للعلاجات بالمياه المعدنية في أقصى جنوب فرنسا على الحدود الإسبانية. وأنها في مطعمٍ تنتظر امرأة هناك تعرّفت إليها قبل يومين.
(يتبع)

لا تكتبوا عن فرنسا او الفرنسيين ما تلمسون
او تشعرون به بثوان من الزمن او نزهة في
شارع او مترو كهربائيي… فرنسا عاصية
على حكاية او تفسير سريع لعاداتها وسمات
شعبها وجوهر تفكيرهم وإدراك مقاومات
عيشهم وتصرفاتهم …
ألم تسمعوا ما قال الشاعر عن فرنسا وخاصة باريس
يا سائلا عن موضع يحوي جهنم والسما
قلت لك فرنسا في كلتيهما.
تحياتي
أنطوان بو عبود حرب
رغم الأستعراض التليد نحب هذا البلد