من بوريم إلى هرمز: كيف تُرسم خريطة الشرق الأوسط الجديد فوق رماد النفط؟
من مائدة برلين إلى رماد هرمز
في عام 1884، اجتمع المستعمرون الأوروبيون في برلين ليقتسموا إفريقيا. وفي عام 1916، رسم سايكس وبيكو بمسطرةوقلم حدود الشرق الأوسط. والآن، بعد أكثر من قرن، يبدو أن صفحات التاريخ تُطوى مرة أخرى، لكن هذه المرة ليسبمسطرة دبلوماسي، بل بصواريخ عابرة للقارات وطائرات مسيّرة وحرائق آبار النفط والغاز.
لا أحد يجلس اليوم على مائدة مستديرة ليرسم خرائط جديدة. الخرائط تُرسم من تلقاء نفسها، عبر تفكك تدريجي لبنية الدولةالوطنية التي ورثناها عن الاستعمار، وعبر صراع وجودي لا تصلح معه القواعد القديمة. السؤال ليس “هل ينتهي نظامسايكس–بيكو؟” بل “ما الذي يأتي بعده؟” والجواب، وفقاً للتحليلات المتقاطعة، ليس وردياً ولا بسيطاً.
سايكس–بيكو 2026 – اعتراف علني بنهاية حقبة
في الثامن من مارس 2026، نشر المحلل الإسرائيلي مئير سويسا مقالاً في صحيفة “يديعوت أحرونوت” تحت عنوان“سايكس–بيكو 2026: وقت إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط“. لم يكن المقال مجرد رأي، بل كان مانيفستو استراتيجي يعكس اقتناعاً متصاعداً في دوائر صنع القرار الغربية بأن الحرب على إيران ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل هي“الصراع الذي يمحو أخيراً الخريطة التي رسمتها بريطانيا وفرنسا في 1916″.
ويذهب سويسا إلى أبعد من ذلك، فيصف ما يحدث بأنه “انهيار اتفاقيات سايكس–بيكو وعودة إلى البنية الأصيلة للشرق الأوسط – فسيفساء من القبائل والعشائر والإمارات المحلية“. في هذا التحليل، لم تعد الدولة الوطنية التي وُلدت عام 1916 وحدة سياسية طبيعية، بل أصبحت “طبقة فوقية اصطناعية” فرضها الاستعمار لتسهيل السيطرة، وهي تنهار اليوم تحتوطأة صراع الهويات والتشظي العرقي.
المفارقة الأكثر إثارة في هذا الطرح هي أن إسرائيل تحولت فعلياً إلى “مقاول” للعالم السني. الدول العربية المعتدلة التيتحلم سراً بتفكيك الهلال الشيعي لكنها تخشى التحرك علناً، تلقت هدفها “على طبق من فضة“. لكن هذا النصر يأتي بثمنباهظ للنظام القديم: الدول العربية والإسلامية التي تقدم نفسها كدول وطنية على النمط الغربي قد تفقد صلتها بنموذج يعودفيه القبيلة والعشيرة لتصبح الوحدات الحاكمة الحقيقية.
وفي سياق متصل، كتب المحلل في “جيروزاليم بوست” أن نظام سايكس–بيكو “لم يكن أبداً تسوية سلام. كان تقسيماً استعمارياً أنتج كل صراع لاحق في المنطقة“. ودعا إلى استبداله بإطار جديد تفرضه القوى الصاعدة اليوم – “اتفاقترامب–نتنياهو” – يقوم على أربع ركائز: الأمن، والجغرافيا، والتاريخ، والعدالة.
“موت الدولة الوطنية” – لماذا ينهار النموذج؟
ما تصفه هذه التحليلات بأنه “انتهاء عصر الدولة الوطنية” ليس مجرد بلاغة. إنه تحول بنيوي عميق في طبيعة الكيان السياسي في الشرق الأوسط. الدولة الوطنية التي وُلدت في القرن العشرين كانت نتاج ترتيبات استعمارية، ولم تكن يوماً نتاجاً طبيعياً للتاريخ أو الجغرافيا أو الانتماء. اليوم، تحت وطأة الضغوط المتعددة، تتفكك هذه الدولة من الداخل.
التشظي الوظيفي
في عدد من دول المشرق العربي – العراق، سوريا، لبنان، اليمن، ليبيا – أخذ مسار التفكك شكل “تفكك وظيفي” للدولة. لمتعد هذه الدول قادرة على احتكار العنف أو تقديم الخدمات أو الحفاظ على وحدة أراضيها. تحولت إلى “مناطق رمادية” يتنافس فيها فاعلون غير دوليين، بعضهم مدعوم إقليمياً ودولياً.
لكن هذا التفكك لا يعني نهاية السياسة. يعني ولادة أشكال جديدة من التنظيم السياسي. وكما يصف أحد التحليلات، “مستقبلالشرق الأوسط لا يُكتب في القاعات المغلقة وحدها، بل يُرسم على الأرض حيث تُختبر فكرة الدولة نفسها“. المنطقة تقفاليوم عند تقاطع مسارين متوازيين: مسار تفكك داخلي في دول فقدت العقد الاجتماعي، ومسار إعادة توازن دولي يُدارعبر حرب ظل وتنافس بين القوى الكبرى.
المفارقة السعودية: “القلعة الناجية“
في وسط هذا الانهيار، تبرز السعودية كـ“القلعة الناجية“. لا لأنها محصنة ضد الضغوط، بل لأنها القوة الوحيدة القادرةعلى ممارسة “الضم الجغرافي” أو فرض الحماية العسكرية على أجزاء من الإمارات والكويت لتأمين منابع النفط. السعودية في 2026 هي “الوصي الإقليمي” الذي يمنع سقوط الكيانات الهشة في يد الفوضى.
لكن هذا الدور ليس ترفاً. رؤية 2030 السعودية “لن تنجح بدون استقرار إقليمي وأمن“، كما صرح مسؤولون سعوديون. المملكة لم تعد تكتفي برد الفعل، بل تصوغ بيئتها السياسية والاقتصادية بنفسها. رؤية 2030 تُقدم كـ“بيان استقلالحضاري” وخارطة طريق لعصر ما بعد النفط، مع طموح لتحويل الشرق الأوسط إلى “أوروبا جديدة“، ولتصبح السعودية“مركزاً عالمياً للاستقرار وحكمة إدارة التوازنات، لا مجرد لاعب نفطي“.
“انتحار الموارد” – السلاح النهائي الذي ينهي النظام القديم
في لحظة “اليأس الجيوسياسي“، تم تفعيل السلاح الأكثر تدميراً: حرق آبار النفط وإغلاق الممرات المائية. لم يكن هذا فعلاً عسكرياً، بل كان “إعداماً” للنظام المالي العالمي القائم على النفط.
وفاة البترودولار: من الهيمنة النقدية إلى “الاختيارية النقدية“
نظام البترودولار، الذي وُلد عام 1974 من اتفاق بين الولايات المتحدة والسعودية، كان العمود الفقري للهيمنة الأمريكية. النفط يُسعّر بالدولار، والفائض يُعاد استثماره في سندات الخزانة الأمريكية، وواشنطن تقدم ضمانات أمنية. هذا الترتيب“لم يكن مجرد نتيجة نقدية، بل نتاج نظام جيوسياسي واقتصادي متكامل“.
لكن هذا النظام يتآكل اليوم. بنك دويتشه قال في تقرير صدر في مارس 2026 إن “الحرب على إيران قد تكون بمثابةمحفز لنهاية البترودولار“، وبداية “البترويوان“. التقرير أشار إلى أن “الأهمية الاستراتيجية الهائلة للشرق الأوسط لدورالدولار كعملة احتياطية عالمية لا ينبغي التقليل منها. الصراع الحالي قد يختبر أسس نظام البترودولار“.
لكن التحول ليس كاملاً. تآكل البترودولار “لا يشير إلى انهيار فوري لهيمنة الدولار، ولا إلى استبداله بعملة منافسة. بدلاً من ذلك، يشير إلى تحول تدريجي من الهيمنة النقدية إلى الاختيارية النقدية – عالم يبقى فيه الدولار مركزياً لكن أقلحصرية، وتصبح التجارة والتمويل والاحتياطيات أكثر تشظياً عبر العملات والأصول“.
الجغرافيا تتغير والعملة لا تتبعها
الأزمة أعمق من السياسة. مركز ثقل استهلاك النفط العالمي انتقل بشكل حاسم من الولايات المتحدة وأوروبا نحو آسيا. الصين والهند والاقتصادات الآسيوية الناشئة تمثل الآن الجزء الأكبر من الطلب الإضافي، بينما تحولت الولايات المتحدة – التي كانت يوماً محور استهلاك النفط في الشرق الأوسط – إلى قريبة من الاكتفاء الذاتي. هذا “أضعف التماثل الاقتصاديالذي دعم ترتيبات البترودولار“.
وفي تقرير “كيرني” لعام 2025، جاء أن صناديق الثروة السيادية في الشرق الأوسط من المتوقع أن تنمو من 4 تريليونات دولار إلى 8 تريليونات دولار بحلول 2030، مما يضع اقتصادات المنطقة “بين أقوى القوى المالية في العالم“. المنطقة لمتعد مجرد مصدر للنفط، بل أصبحت “مهندساً فاعلاً” للتغيير العالمي.
“اللاهوت الجيوسياسي“: حين يصبح الأمن مهمة إلهية
ما يجعل الصراع الحالي مختلفاً عن كل الصراعات السابقة هو “اللاهوت الحربي“. لم يعد الاقتصاد المحرك الوحيد للقرارالجيومكاني. “المقدس” ابتلع “السياسي“، وأصبح الأمن يُعرف كـ“مهمة إلهية“.
استحضار نتنياهو لنصوص “بوريم” وقصص “العماليق” ضد إيران ليس مجرد بلاغة دينية، بل هو “مانيفستوجيو–أمني” يهدف إلى “تصفير قواعد الاشتباك” عبر تحويل الحرب إلى صراع وجودي بين “النور والظلام“. هذاالخطاب يشرعن استخدام “الخيار الشمشموني” (النووي التكتيكي) لضرب المفاعلات والقيادات الإيرانية، معتبراً أن “بقاءإسرائيل” يعلو فوق أي اعتبار قاري أو دولي.
في المقابل، تدير طهران أمنها الجيوسياسي عبر “كتلة هوياتية” تضم قرابة 50 مليون نسمة في الهلال الخصيب واليمن. بالنسبة لهؤلاء، الأمن ليس حماية لحدود إيران، بل هو حماية لـ“العقيدة” العابرة للحدود. أي ضربة للمركز في طهران هيصدمة كهربائية تفجر الأطراف (البصرة، صنعاء، بيروت)، مما يحول الجغرافيا إلى “لغم هوياتي” يستنزف القوى العظمى.
“بلقنة الهضبة“: إيران كـ“إمبراطورية قوميات“
الواقعية المتوحشة تفرض علينا النظر إلى إيران كـ“إمبراطورية قوميات” تعيش حالة من التوتر البنيوي القاتل. إيرانبـ93 مليون نسمة ليست كتلة صلبة. الضغط العسكري الهائل في 2026 أدى إلى “تسييل” النواة الفارسية (61%) وفتحشهية الأطراف.
انفجار المكونات: الأذريون (16-24%) الذين يمتلكون امتداداً عرقياً نحو أذربيجان وتركيا، والأكراد (10%) الطامحونلكيان قومي، والعرب في خوزستان (خزان النفط)، والبلوخ في الشرق.
سيناريو “الدويلات العرقية” يهدد خارطة إيران، وواشنطن “تخطط لقطع طريق الحرير على الصين“، بينما “دخلتالدولة الإيرانية في نفق مظلم هو الأكثر تعقيداً منذ ثورة 1979″. مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في غارة إسرائيليةاستهدفت قلب مربع القيادة في طهران “لم يكن مجرد عملية اغتيال سياسي، بل هو إعلان صريح عن بدء مرحلة تفكيكالجغرافيا وتفتيت الدولة القومية الإيرانية“.
لكن هناك آراء معارضة. بعض المحللين يرون أن “خريطة إيران لا تحتمل التقسيم، وأن هذا الواقع لا يزال يحبطمحاولات قراءة تنوعها كمصدر للتفكك السياسي“. الاحتمال الأكثر واقعية، وفقاً لبعض السيناريوهات، هو أن تتحول“الجمهورية الإيرانية الإسلامية إلى دولة فدرالية أو كونفدرالية ذات صبغة ديمقراطية“.
لكن حتى في هذا السيناريو الأكثر تفاؤلاً، فإن “تفكك السلطة الإيرانية قد يحرك المسألة الكردية والبلوشية والأذرية خارجحدودها، ويفتح صراعاً على النفط والموانئ“. إيران ليست دولة معزولة. هي عقدة في شبكة إقليمية معقدة، وأي اهتزازفي مركزها سينتشر كعدوى نحو الجوار.
“المثلث الشرقي” – باكستان وأفغانستان وإيران
مع ضعف طهران، تحولت الحدود الشرقية إلى “ثقوب سوداء“. إقليم بلوشستان المشتعل عرقياً يهدد وحدة باكستان (القوةالنووية المضطربة)، بينما تمثل أفغانستان خزان “الموجات القتالية” التي تتدفق لتصفية حسابات مذهبية وتاريخية.
هذا المثلث يحول شرق الهضبة إلى “جغرافيا (No Man‘s Land)” ، حيث تذوب الجيوش النظامية في حروب استنزافأبدية بعيداً عن أعين القلاع التكنولوجية. “الواقعية المتوحشة” لا تعترف بالحدود هنا. تعترف فقط بالقدرة على الصمود.
تركيا و“الأكراد” – “الأمن الاستباقي” أم “الاحتلال الضروري“؟
تجد أنقرة نفسها أمام “الارتطام الأعظم“. تفكك إيران والعراق يعني ولادة “الدولة الكردية الكبرى” التي تمثل الكابوسالجيوسياسي التركي. تركيا لم تعد تؤمن بالدبلوماسية، بل بـ“أمن القلعة“؛ حيث تُبنى الأسوار المادية والسيبرانية لمنعالاتصال الكردي.
في هذا السياق، تندفع تركيا بقوة في 2026 لاحتلال مساحات شاسعة في الشمال السوري والعراقي لفرض “مناطقعازلة“. أنقرة تحولت إلى “قوة احتلال ضرورية” تضمن استقرار حدودها وسط محيط من الفوضى العرقية. “السيادةبالدبابة” – هذه هي القاعدة الجديدة.
لكن الأكراد، كما يشير التحليل الإسرائيلي، هم “المجموعة الوحيدة التي تمتلك أصلاً لا يملكه أحد آخر في المنطقة: قصةوطنية متماسكة، وأرض متصلة، وإرادة حديدية“. هم “الفاعلون الوحيدون في الشرق الأوسط الناشئ غير المعتمدين علىأيديولوجيا دينية متطرفة أو حدود استعمارية تعسفية“.
الخليج: “سقوط عصر الرفاه الهش“
الخليج لن يعود أبداً كما كان ليلة الحرب. عنصر الثقة والاستقرار انتهى، وحل محله “رعب الوجود“.
البحرين والإمارات: نهاية “المراكز الوظيفية“
البحرين (إعدام المركز): استهداف جسر البحرين كان “رسالة وظيفية” لإنهاء دور المنامة كمركز لتنظيف ومعالجةثروات النخب الخليجية. الاستراتيجية الإيرانية تهدف لحرق البحرين اقتصادياً وتفجير خلاياها النائمة في اللحظة التيينهار فيها الاقتصاد تماماً.
الإمارات (تبخر الأبراج): انتهت دبي كملاذ آمن. “من يضع أمواله في منطقة قابلة للاحتراق في أي لحظة؟”. الهجرةالعكسية لآلاف الخبراء هي “شهادة الوفاة لنموذج المدينة–الشركة“. الإمارات في مرمى القصف المباشر، والواقعيةالمتوحشة تؤكد أن إيران لن تسقط قبل أن تترك دبي وأبوظبي في حالة رماد.
لكن هذا السيناريو ليس حتمياً. تقرير “الخليج بدون أوهام” يرى أن “المنافسة المُدارة” هي السيناريو الأكثر ترجيحاً: تعاونانتقائي، وتنافس مُعاير، وخلافات مُتحكَّم فيها دون الوصول إلى تسويات شاملة. “لا الوحدة الخليجية التلقائية ولا القطيعةالكاملة تبدو مرجحة“. ما يحكم المشهد هو “عقلانية باردة قائمة على المصالح تُعيد تعريف العلاقات الخليجية على أساسدولة بدولة“.
القوى العظمى: من “القطب الأوحد” إلى “إدارة الفوضى“
روسيا: “الحزام الأوراسي الصعب“
روسيا لم تعد قوة عالمية بالمعنى التقليدي، لكنها “استراتيجية توازن” عبر آليات أوبك+ والتعاون العسكري التقني. موسكوتريد “إدارة الأزمة” لا حلها. تريد أن تبقى “لاعباً لا يمكن تجاهله” في أي ترتيب إقليمي جديد.
الصين: من “القوة الناعمة” إلى “التدخل العسكري المباشر“
واجهت الصين “سكتة قلبية صناعية” بعد إغلاق هرمز. هذا دفعها للتحول من “القوة الناعمة” إلى “التدخل العسكريالمباشر” لتأمين الموارد، وهو ما يضعها في تصادم مباشر مع الأسطول الأمريكي فوق حطام الآبار المحترقة. بكين تحتاجالخليج ليس فقط كسوق للنفط، بل كممر لطريق الحرير ومصدر للاستثمار.
الولايات المتحدة: “الوسيط المتوحش“
رغم تراجع هيمنتها، تبقى أمريكا القوة العسكرية الوحيدة القادرة على التدخل المباشر. لكنها لم تعد قادرة على فرض نظامكامل. دورها تحول إلى “إدارة الفوضى” بتحالفات انتقائية (إسرائيل، السعودية) بدلاً من “بناء الأمم“. “الأمم المتحدة” التي وُلدت بعد 1945 لم تعد قادرة على تفسير أو احتواء الانفجارات المتتالية. القوانين الدولية أصبحت مجرد “أوراق” فيمواجهة “الواقعية المتوحشة“.
الارتحال العظيم: الكارثة البيئية والديموغرافية
السحابة الكربونية الناتجة عن حرائق الآبار ستجعل الخليج والعراق بيئات غير صالحة للحياة. هذا “الارتحال العظيم” لملايين النازحين نحو الشمال سيغير ديموغرافيا أوروبا وتركيا، ويجبر الدول المضيفة على تبني سياسات “فاشية أمنية” لحماية مواردها من “تسونامي البؤس“.
هذا ليس سيناريو خيال علمي. إنه نتيجة منطقية لـ“انتحار الموارد“. إذا حُرقت الآبار، وإذا أُغلقت هرمز، وإذا انهارتالاقتصادات الخليجية، فإن ملايين العمال الوافدين والملايين من السكان المحليين سيبحثون عن ملاذ. تركيا وأوروباستكونان في مرمى هذه الموجة.
الفاعلون الجدد: من سيصوغ “نظام 2030″؟
القوى الإقليمية الصاعدة (الخليج الجديد)
السعودية والإمارات وقطر لم تعد تكتفي برد الفعل، بل تصوغ بيئتها السياسية والاقتصادية بنفسها. رؤية 2030 السعوديةتهدف لتحويل المملكة إلى “مركز عالمي للاستقرار“، ومشروع “أوروبا الجديدة” في الشرق الأوسط. صندوق الثروةالسيادية الخليجية مجتمعاً سينمو من 4 إلى 8 تريليونات دولار بحلول 2030، مما يمنحها نفوذاً هائلاً في النظام الماليالعالمي.
إسرائيل كـ“مقاول” للنظام الإقليمي
في التحليل الإسرائيلي، تظهر إسرائيل كـ“مقاول للعالم السني” في مواجهة إيران. لكنها في الوقت نفسه تسعى لترتيباتجديدة تتجاوز حدود سايكس–بيكو، مستفيدة من دعم أمريكي غير مشروط. لبنان وسوريا سيكونان “أول المختبرات“.
الصين وروسيا كلاعبين “مُعطِّلين” للنظام القديم
انهيار “البترودولار” وحرق آبار النفط سيدفع الصين للتدخل العسكري المباشر لتأمين إمداداتها، مما يضعها في تصادممباشر مع الأسطول الأمريكي في الخليج. روسيا، من جانبها، ترى في انهيار النظام القديم فرصة لفرض “الحزامالأوراسي الصعب” كبديل جيوسياسي.
2030 ليس موعداً، بل عملية مستمرة
ما سيُعلن عنه في 2030 لن يكون “اتفاقية” أو “مؤتمر” واحداً، بل هو حالة استقرار جديدة تنشأ بعد أن:
· تختفي أو تتشوه حدود سايكس–بيكو.
· تتحول الدول الوطنية الضعيفة إلى “مناطق رمادية” أو كنتونات.
· تظهر قوى إقليمية جديدة (السعودية، تركيا، إسرائيل، إيران ربما بوجه جديد) كـأقطاب فعلية تتفاوض مباشرة على أمنالمنطقة وثرواتها، دون وساطة القوى العظمى.
· ينهار نظام “البترودولار” ليحل محله نظام متعدد العملات والموارد.
لكن هذا لا يعني أن “الدولة الوطنية” ستموت تماماً. ستموت الدولة الوطنية الضعيفة. أما “القلاع” – السعودية، تركيا، إسرائيل – فستبقى وتتوسع. “الواقعية المتوحشة” لا تعترف بالضعف. تعترف فقط بالقدرة على الصمود.
الشرق الأوسط ليس “بداية” النظام العالمي الجديد، بل هو “قلبه النابض“. فيه تُختبر كل التناقضات (الدين، الطاقة، الهوية، التكنولوجيا)، وفيه تُرسم معالم نظام ما بعد السيادة الوطنية. ما نشهده اليوم هو “الواقعية المتوحشة” في أنقى صورها: حيث تُبنى الأنظمة الجديدة على أنقاض القديم، و“يُرسم الأمن فوق الرماد“.
“سايكس–بيكو 2026″ ليس مجرد عنوان لمقال. إنه نهاية نظام عالمي وُلد عام 1916، وبداية نظام جديد لا أحد يعرفبالضبط كيف سيكون. لكن الشيء الوحيد المؤكد هو أن الشرق الأوسط سيكون مختبره الأول.
هذا المقال يستند إلى تحليلات استشرافية منشورة في صحف ومؤسسات بحثية إسرائيلية وغربية وعربية، ولا يعكسبالضرورة الواقع النهائي، بل يمثل سيناريوهات محتملة بناءً على المعطيات الراهنة.
