ربما السبب المباشر للاحتجاجات الحالية في أوروبا ليس “التخلف في الاقتصاد الجديد” (New Economy) بحد ذاته، بل هو أزمة غلاء معيشة حادة وأزمة السكن وأزمة التعليم والبنية التحتية أو زيادة الإنفاق الدفاعي، وأعباء الشيخوخة وضغوط تقشفية مباشرة تمس الحياة اليومية للمواطنين.
ومع ذلك، فإن تراجع تنافسية أوروبا في مجالات الاقتصاد الرقمي والتكنولوجي عن أمريكا والصين يمثل خلفية هيكلية غير مباشرة تُعمِّق الأزمة. فهو يضعف النمو الاقتصادي، ويفاقم عجز الموازنة وضغوط التضخم، ويقلل من قدرة الحكومات على زيادة الأجور أو تمويل شبكات الأمان الاجتماعي دون الوقوع في فخ الديون المتراكمة.
“تقرير دراغي” (Draghi Report) الشهير وهو وثيقة استراتيجية بارزة ومعمقة نُشرت في سبتمبر 2024، أعدّها ماريو دراغي (رئيس وزراء إيطاليا الأسبق ورئيس البنك المركزي الأوروبي الأسبق) بناء على تكليف من المفوضية الأوروبية لبحث مستقبل التنافسية الاقتصادية للاتحاد الأوروبي، يؤكد أن ضعف الإنتاجية الناتج عن غياب الديناميكية التكنولوجية هو المحرك الأساسي للأزمة المالية على المدى الطويل.
أبرز مظاهر تخلّف أوروبا التكنولوجي:
• غياب العمالقة الرقميين: لا توجد شركة تقنية أوروبية واحدة ضمن أكبر 10 شركات في العالم من حيث القيمة السوقية، حيث تسيطر الشركات الأمريكية والصينية على المشهد.
• فجوة إنتاجية متسعة: انخفض متوسط دخل الفرد في أوروبا ليصبح أقل بنحو الثلث مقارنةً بالولايات المتحدة بسبب بطء تبنّي الابتكار الرقمي.
• ضعف الاستثمار في الذكاء الاصطناعي: تذهب الحصة الأكبر من رؤوس الأموال الجريئة والاستثمارات الضخمة في الذكاء الإصطناعي (AI) إلى “وادي السيليكون” وبكين، بينما تكتفي أوروبا بدور المستهلك أو المشرّع للأنظمة.
أسباب الفجوة الاقتصادية والتقنية:
• التنظيمات الصارمة والبيروقراطية:
تميل أوروبا إلى صياغة القوانين المُقيِّدة (مثل قانون الذكاء الاصطناعي وقوانين حماية البيانات GDPR) قبل أن تنمو الأسواق الناشئة، مما يخنق الابتكار في مهده.• تجزئة الأسواق: على عكس السوق الأمريكية الموحدة، تواجه الشركات الناشئة في أوروبا عوائق جغرافية، ولغوية، وقوانين مختلفة بين أكثر من 30 دولة، ما يصعِّب التوسع السريع (Scale-up).
• نقص التمويل الجريء: تفتقر القارة إلى أسواق رأس مال عميقة وموحدة قادرة على تمويل الشركات الناشئة في مراحلها المتقدمة بمليارات الدولارات، ما يدفع رواد الأعمال للهجرة إلى أمريكا.
أمثلة ملموسة وتبسيط الصورة ومقارنة لشركات عملاقة من كلا القطاعين:
1. قطاع السيارات والنقل:
• اقتصاد جديد: شركة تسلا (Tesla) أو “أوبر” (Uber). “تسلا” لا تبيع مجرد سيارة، بل تبيع نظام قيادة ذاتية وبرمجيات يتم تحديثها عبر الهواء. أما “أوبر”، فهي أكبر شركة نقل في العالم دون أن تمتلك سيارة واحدة؛ قيمتها بالكامل في “المنصة الذكية” والبيانات.
• اقتصاد تقليدي: شركة فورد (Ford) أو جنرال موتورز (GM) بالمنظور التقليدي. تعتمد على مصانع صهر الحديد، خطوط التجميع الضخمة، وسلاسل توريد معقدة للمركبات الميكانيكية التقليدية.
2. قطاع الطاقة:
• اقتصاد جديد: شركات الطاقة المتجددة الذكية ومطورو برمجيات إدارة شبكات الطاقة (مثل شبكات الكهرباء الذكية التي توازن الاستهلاك والإنتاج عبر الذكاء الاصطناعي).• اقتصاد تقليدي: شركات تكرير النفط، استخراج الفحم، ومصانع البتروكيماويات (مثل شركات التنقيب التقليدية التي تحتاج منصات حفر عملاقة في البحار).
3. قطاع البنية التحتية والإنتاج:
• اقتصاد جديد: شركات الحوسبة السحابية (مثل Amazon Web Services أو Microsoft Azure). بأسلوب مالي مرن، تؤجر “مساحات تخزين وقدرات معالجة” افتراضية لملايين الشركات بضغطة زر.• اقتصاد تقليدي: مصانع صناعة الصلب والحديد (مثل ArcelorMittal) أو مصانع الأسمنت. تحتاج إلى استثمارات بمليارات الدولارات لبناء فرن صهر واحد يستغرق سنوات ليعمل بكامل طاقته.”
لتقريب الصورة: مجموعة “السبع العظام” (Magnificent 7) سبع شركات تكنولوجيا أمريكية عملاقة تقود أسواق المال العالمية والابتكار التكنولوجي وهي (مايكروسوفت وآبل وإنفيديا وأمازون وألفابت غوغل وميتا بلاتفورمز وتسلا). تدير هذه الشركات عصب الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي اليوم، وتبلغ قيمتها السوقية الإجمالية 24 تريليون دولار (اعتباراً من أغسطس 2026) أي يعادل مجموع الناتج المحلي الإجمالي الإسمي لفرنسا وألمانيا وإنكلترا واليابان والهند وكوريا الجنوبية، وهذا هو من أصل 81 تريليون دولار الذي يمثل القيمة الإجمالية لسوق الأسهم الأمريكية الأكبر عالمياً حيث تستحوذ على نحو 48% من إجمالي القيمة السوقية للأسواق العالمية. وهذا يجعل قيمة سوق بورصة أمريكا تتجاوز حجم الناتج المحلي الأمريكي بمرتين ونصف تقريبا والبالغ 32 تريليون، وضعف الدين السيادي لأمريكا البالغ 40 تريليون.
كيف يستغل اليسار الراديكالي الأوروبي المتحالف مع حركات الإسلام السياسي (مثل “جماعة الإخوان المسلمين”) الاحتجاجات الشعبية في أوروبا؟
دعونا أولا نوضح أسباب تحالف النقيضين، اليسار الاوروبي والإسلام السياسي، أو كما يصف المحللون ذلك بأنه “تحالف مصلحي غير مقدس” أو تقارب تكتيكي:
• تحالف المصالح لا المبادئ: يشير المحللون إلى أن العلاقة ليست تحالفا فكريا عضويا، بل تتقاطع فيها المصالح السياسية والمواقف الآنية، حيث يحصل الإسلاميون على غطاءٍ سياسي وحماية من الانتقادات في المجتمعات الغربية، بينما يستفيد اليسار الراديكالي من أصوات الأقليات المسلمة وقواعدها الانتخابية.
• الملفات المشتركة: يظهر هذا التقارب بوضوح في قضايا معينة مثل مناصرة القضية الفلسطينية، ومناهضة “الإسلاموفوبيا”، والدفاع عن العدالة الاجتماعية، ومهاجمة سياسات اليمين واليمين المتطرف في أوروبا.
• الدعم الأكاديمي والنظري: يتبنى بعض أكاديميي ومفكري اليسار الراديكالي في أوروبا أطروحات تدافع عن جماعات الإسلام السياسي وتخفف من طابعها الراديكالي أمام الحكومات والرأي العام مثل جون إسبوزيتو (John Esposito) وإدوارد سعيد و فرانسوا بورغا (François Burgat) و إدفي بلينيل (Edwy Plenel).
وفي هذا السياق يؤجج اليسار المتطرف (مثل حركة “فرنسا الأبيّة” بزعامة جان لوك ميلونشون في فرنسا) الاحتجاجات في أوروبا عبر عدة آليات وأساليب تتمثل في:
• توجيه السردية نحو الصراع الطبقي وضد النظام: يحول اليسار المتطرف الغضب الشعبي من مجرد مطالب معيشية إلى ثورة ضد السياسات الرأسمالية والحكومات الحالية، حيث يتهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وقيادات أوروبية اليسار المتطرف بالسعي إلى “إسقاط الجمهورية” أو تقويض المؤسسات القائمة.
• توفير الغطاء السياسي والامتناع عن إدانة العنف: يتجنب قادة اليسار المتطرف إدانة أعمال الشغب أو التخريب والاعتداء على المقرات العامة والبلديات التي ترافق أحيانا المظاهرات، معتبرين أن ما يحدث هو “قمع وحشي” أو رد فعل طبيعي على “التعنُّت الحكومي”، ما يمنح المتمردين في الشارع غطاءً معنوياً.
• استغلال التنظيمات والشباب: يتم استغلال كوادر حزبية ونقابية لتوجيه الشعارات والرسائل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتأطير الفئات الشابة الغاضبة والطلاب لتضخيم الاحتجاجات وضمان استمرار الضغط في الشارع.
• المزايدة السياسية ضد اليمين: في الوقت الذي يربط فيه اليمين المتطرف الاحتجاجات بملفات الهجرة والأمن، يقابل اليسار المتطرف ذلك بربطها بالعدالة الاجتماعية وتوزيع الثروات والخدمات العامة، مستقطبا شرائح واسعة من الطبقات المتضررة من التضخم.
الخلاصة:
يؤثر التكاسل والبحث المتأخر لأوروبا عن مكانة في الاقتصاد الجديد (الذكاء الاصطناعي، التكنولوجيا المتقدمة، والرقمية) بشكلٍ مباشر وعميق على توسيع عجز الموازنات الأوروبية وتحويله من عجز عابر إلى عجز هيكلي مستدام.
وفي حين تقود الولايات المتحدة والصين قاطرة الابتكار، تجد الدول الأوروبية الكبرى نفسها أمام “معادلة صعبة” تؤدي إلى تآكل مواردها المالية وضخامة ديونها وهذا بدوره أجج موجة الاحتجاجات العارمة والتي تمثّلت غايتها الأساسية في:
• رفض سياسات التقشف: عندما حاولت الحكومات (مثل الحكومة الفرنسية) تخفيض الإنفاق العام أو تبني إصلاحاتٍ مثل رفع سن التقاعد أو خفض النفقات لضبط العجز، قوبل ذلك بموجات غضب عارمة ورفض شعبي واسع.
• أزمة غلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية: تزامن عجز الموازنة وضعف الإنفاق مع ارتفاع حاد في أسعار الطاقة والوقود (الديزل) وأزمة السكن (كما حدث في إسبانيا والبرتغال)، ما أدى إلى خسارة الأسر لمئات اليوروهات من قوتها الشرائية.
• تحوّل الاحتجاجات إلى أعمال شغب: اتسعت المظاهرات السلمية في بعض الدول (مثل فرنسا وإيطاليا وألبانيا) لتشمل إضرابات عمالية واحتجاجات طلابية، وتطورت في بعض المناطق إلى مواجهات مع الشرطة، وحرق منشآت عامة وبلديات، وأعمال نهب للمتاجر.
• تراجع الثقة السياسية وصعود اليسار الراديكالي: أدى عجز السياسيين عن تقديم وعود أو حلول حقيقية لتحسين مستوى المعيشة بسبب قيود الديون، إلى اتساع الفجوة بين المواطنين والمؤسسات، واستغلال تحالف الأحمر والأخضر (اليسار الراديكالي والإسلام السياسي) لهذا الاستياء الاجتماعي.
تحياتي لكم.
الاشتراك
0 تعليقات
الأحدث

