خاص بـ”الشفاف”
تثير اقتصاديات استيراد الإسمنت الغريبة في لبنان سؤالاً عاجلاً: من سيستفيد من إعادة إعمار البلاد التي تقدر كلفتها بمليارات الدولارات؟
يجب أن تكون إعادة إعمار لبنان فرصة لإعادة بناء المنازل والبنية التحتية ولكن، أيضاُ، لإعادة بناء الثقة بالدولة! لكن ما لم تتحرك الحكومة بسرعة، فقد تصبح إعادة الإعمار فرصة لـ”حزب الله” ولشبكات الأعمال المرتبطة به سياسياً لإعادة بناء مواردهم المالية.
وقد بدأت علامات الإنذار تظهر بالفعل في أسواق الأسمنت والصلب، السلعتان الأساسيتان اللتان سيعتمد عليهما أي برنامج لإعادة الإعمار.
تاريخياً، هيمنت ثلاث شركات على صناعة الأسمنت في لبنان: “هولسيم لبنان“، التي أصبحت تحت ملكية لبنانية جديدة بعد بيع حصة “هولسيم” البالغة 52.07 في المائة في يناير 2026؛ و”الشركة الوطنية للإسمنت“، منتجة “إسمنت السبع“؛ و”شركة إسمنت سبلين“، المرتبطة تاريخياً بمصالح قريبة من الزعيم الدرزي وليد جنبلاط. تعمل الشركتان الأوليان في “شكا” وحولها في شمال لبنان، بينما تقع سبلين في الشوف.
معاً، تمتلك الشركات الثلاث طاقة إنتاجية مجمعة تقدر بـ 6 ملايين طن سنوياً. وحتى في ذروة ما بعد الحرب الأهلية، وصل الطلب على الأسمنت اللبناني إلى حوالي 5.5 مليون طن. لذلك، من حيث القدرة الإنتاجية، لا يحتاج لبنان إلى استيراد الأسمنت. ولم يكن ضيق السوق الناشئ حديثاً ناتجاً عن غياب القدرة الإنتاجية المحلية، بل عن انقطاعات مرتبطة بالنزاع الطويل بين نشطاء البيئة ومشغّلي المقالع، ما أدى إلى إغلاق المقالع وخفض واردات الإسمنت المُنتَج محلياً.
وقد أدّت انقطاعات الإنتاج والنقص مؤخراً إلى رفع أسعار السوق إلى ما يصل إلى ثلاثة أضعاف السعر الرسمي البالغ 82 دولارا، وفقاً لأشخاص يعملون في الصناعة. وذلك ما دفع وزير الصناعة جورج عيسى الخوري إلى التدخل.
ففي 1 يوليو 2026، أصدر الوزير القرار 52/1، برفع الحد الأقصى لسعر الأسمنت الأسود من المصنع من حوالي 82 دولاراً إلى 96 دولاراً للطن، قبل احتساب ضريبة القيمة المضافة. في نفس اليوم، فتح التعميم 53/1 السوق لاستيراد الإسمنت ِالأسود والأبيض، شرط الحصول على موافقة مسبقة من وزارة الصناعة.
كان قرار فتح السوق أمراً يمكن الدفاع عنه. فلبنان بحاجة ماسة إلى المزيد من العرض، وّإلى المنافسة، وإلى مخرج من النقص الطارئ. لكن طريقة عمل بعض الشركات المستوردة التي ظهرت حديثاً تثير تساؤلات لا يمكن تجاهلها.
إسمنت أرخص من كلفته الظاهرية
تفيد مصادر في القطاع بأن شركة حديثة التأسيس تُدعى “آر جي هولدينغ” (RJ Holding)، يُذكر أنها مسجّلة في بعلبك، طلبت استيراد نحو 20,000 طن من الإسمنت من مصر. ولم أتمكن من العثور على معلومات عن الشركة تسمح بتحديد هوية مالكي الشركة أو مصادر تمويلها أو المستفيدين الحقيقيين منها. وهذا الغياب في الشفافية هو بالتحديد ما يستوجب أن تكشف السلطات عن المعلومات التي توفّرت لها عند منحِ رخص الاستيراد.
وبحسب تقديرات القطاع، يبلغ سعر الشراء للإسمنت المصري نحو 87 دولاراً للطن الواحد. وبناءً على الأرقام التي قدّمها العاملون في السوق، تكون الكلفة الإرشادية للطن الواصل إلى لبنان كالتالي:
| بند الكلفة | المبلغ التقريبي للطن الواحد |
|---|---|
| سعر الشراء المصري | 87.00 دولار |
| ضريبة القيمة المضافة بنسبة 11% | 9.57 دولار |
| الرسوم الجمركية بنسبة تقارب 3% | 2.61–3.00 دولار |
| رسوم المناولة المرفأية والرسوم ذات الصلة | 5.00 دولار |
| المجموع الإرشادي | نحو 104.18–104.57 دولار |
ويمكن لتكاليف النقل والتمويل والتأمين والتخزين والتوصيل الداخلي أن ترفع الكلفة الفعلية أكثر.
ومع ذلك، تفيد مصادر في القطاع أن جزءاً من هذا الإسمنت يُعرض في لبنان بسعر يقارب 92 دولاراً للطن. وإذا كان كلا الرقمين محتسبَين على الأساس الضريبي وعلى أساس كلفة التسليم نفسها، فإن المستورد سيخسر أكثر من 12 دولاراً عن كل طن، وذلك قبل احتساب المصاريف العامة.
وعلى شحنة قوامها 20,000 طن، يعني ذلك خسارة ظاهرية تناهز 240,000 دولار أو أكثر.
ينبغي فحص عدة احتمالات لتفسير هذا المستوى من التسعير: التصريح الجمركي المنقوص عن الكمية الحقيقية، أو التهرّب من دفع الضرائب، أو وجود دعم خفي، أو فواتير مزوّرة، أو دعم متبادل من جهة ممولة غير معلنة، أو تحويل أموال غير مشروعة المُنشأ إلى إيرادات تجارية لبنانية مشروعة.
في أي حال، يمثّل ذلك شذوذاً في التسعير على درجة من الأهمية تستوجب فتح تحقيقٍ فوري.
من الذي يدخل إلى السوق؟
لا يقتصر القلق على شحنة واحدة.
تفيد مصادر في القطاع بأن عدة شركات حديثة التأسيس، ولا تتمتع بتاريخ علني واضح، تتقدم بطلبات للحصول على تراخيص أو تستورد كميات كبيرة. كما تقول هذه المصادر إن شركة الموسوي للصناعة والتجارة — أو مجموعة أعمال تابعة أو مرتبطة بمجموعة الموسوي — سعت للحصول على إذن لاستيراد الإسمنت. وتُعرف مجموعة الموسوي بصلاتها بحزب الله.
وللمجموعة طموحات قديمة في هذا القطاع. ففي وقت مبكر من عام 2015، أفادت تقارير بأن شركة الموسوي للصناعة والتجارة كانت تخطط لإنشاء مصنع إسمنت بقيمة 200 مليون دولار في بلدة جنتا، في منطقة بعلبك قرب الحدود السورية. وحيث تزعم مصادر في القطاع وجود صلات بحزب الله، فإن على الحكومة واجب إجراء تدقيق معزز في الملكية المستفيدة فعلياً والعقوبات قبل إصدار أي ترخيص، لا بعد انتقال الأموال.
لذلك ينبغي على وزارة الصناعة أن تنشر:
- أسماء جميع الشركات التي مُنحت تراخيص لاستيراد الإسمنت منذ 1 يوليو/تموز.
- أسماء المساهمين والمديرين والمالكين المستفيدين النهائيين لكل شركة.
- الكمية المعتمدة، وبلد المنشأ، وسعر الشراء المعلن.
- مصدر وطريقة الدفع المستخدمة لكل شحنة.
- الرسوم الجمركية وضريبة القيمة المضافة والمدفوعات المينائية المسددة عن كل طن.
- شهادات المختبر وفحوصات الجودة التي أُجريت قبل الإفراج عن الشحنة.
ومن دون هذه الإفصاحات، يخاطر لبنان باستبدال احتكار محلي قديم ومرتبط سياسياً بكارتل جديد وغامض للاستيراد.
مسألة مراقبة الجودة
هناك أيضاً قضية تتعلق بالسلامة المادية. إذ يزعم منتجون محليون أن بعض الإسمنت المستورد الذي يدخل عبر مرفأ طرابلس لا يخضع لاختبارات مستقلة وكافية للجودة.
ويجب التحقق من هذا الادعاء على وجه السرعة.
فالإسمنت ليس سلعة استهلاكية عادية. إن تركيبه الكيميائي، وتطور مقاومته، وظروف تخزينه، ومدى مطابقته للمعايير التقنية، كلها عوامل تحدد ما إذا كانت المنازل والمدارس والمستشفيات والجسور ستظل قائمة وآمنة. ولا ينبغي لشهادة مقدمة من المصدّر أن تحل محل أخذ عينات وإجراء اختبارات مستقلة في لبنان.
ينبغي ختم كل شحنة فور وصولها، وأخذ عينات منها تحت إشراف الجمارك، وفحصها في مختبر معتمد وفقاً للمعايير اللبنانية المعمول بها، قبل السماح بدخولها إلى السوق. كما ينبغي نشر النتائج مع رقم الشحنة واسم المستورد.
إن طفرة إعادة إعمار تُنفذ باستخدام إسمنت غير مختبر أو مخزّن بصورة غير سليمة قد تضع الأسس لكارثة لبنان المقبلة.
التحذير المتعلق بالحديد والصلب
قد تظهر اختلالات مماثلة في قطاع الحديد والصلب.
يقول مشاركون في القطاع إن أسعار الحديد في لبنان ارتفعت بنحو 15 في المئة لتصل إلى حوالى 620 دولاراً للطن. ويعزون جزءاً من هذا الارتفاع إلى اختفاء أو تراجع كميات الحديد الإيراني الأرخص الذي كان قد أغرق السوق اللبنانية سابقاً، واستبداله بمواد قادمة من مصر وأوكرانيا والصين وتركيا.
وتُظهر بيانات التجارة اللبنانية لعام 2024 بالفعل أن الصين وتركيا ومصر كانت من بين أبرز موردي الحديد والصلب إلى لبنان. كما تشير المؤشرات الدولية الحالية إلى أن سعر حديد التسليح التركي كان يتداول عند نحو 584–586 دولاراً للطن على أساس التسليم على ظهر السفينة (FOB) في يونيو/حزيران 2026، قبل إضافة تكاليف الشحن وتكاليف الاستيراد إلى لبنان.
ويجب على الحكومة أن تحدد ما إذا كان هذا الارتفاع يعكس تكاليف دولية مشروعة أم تموضع الوسطاء سعياً إلى الاستفادة من عقود إعادة الإعمار المقبلة.
الدرس المستفاد من حرب 2006
شهد لبنان هذا النموذج من قبل.
بعد حرب عام 2006، لم يتعامل حزب الله مع إعادة الإعمار باعتبارها مجرد مساعدات إنسانية. فقد ساعدته شبكات البناء والخدمات الاجتماعية التابعة له على التحكم في الوصول إلى التعويضات، واختيار المتعهدين، وتوزيع المواد، وتعزيز الولاء السياسي في الضاحية الجنوبية وفي الجنوب.
وكانت “جهاد البناء”، ذراع حزب الله في مجال إعادة الإعمار، محوراً أساسياً في هذا الجهد. وقد فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات عليها في فبراير/شباط 2007، ووصفتها بأنها منظمة إعماء
تم تأسيسها وتشغيلها وتمويلها مباشرة من قبل حزب الله وإيران.
ولا يتمثل الخطر اليوم بالضرورة في عودة الشركات نفسها بالأسماء ذاتها. فمن المرجح أن تعمل الشبكات الحديثة من خلال مستوردين أُنشئت شركاتهم حديثاً، وتجار مستقلين بالاسم فقط، ووسطاء ومقاولين من الباطن يصعب تحديد المالكين المستفيدين الحقيقيين منهم.
إن السيطرة على مدخلات إعادة الإعمار يمكن أن توفر عدة مزايا. فقد تدر هوامش تجارية، وتوفر آلية لإدخال الأموال النقدية إلى الاقتصاد الرسمي، وتوجيه العقود نحو الشركات المتحالفة، وإجبار البنّائين المحليين على الاعتماد على موردين مرتبطين سياسياً. وحتى البيع في البداية بخسارة قد يكون منطقياً من الناحية الاستراتيجية إذا كان الهدف هو تقويض المنتجين الحاليين، والاستحواذ على حصة من السوق، والسيطرة على الإمدادات بمجرد تسارع وتيرة إعادة الإعمار.
إن حجم الفرصة السانحة هائل.
فقد قدّر البنك الدولي احتياجات لبنان للتعافي وإعادة الإعمار بعد نزاع ما بعد عام 2023 بنحو 11 مليار دولار، بما في ذلك ما بين 3 مليارات و5 مليارات دولار تتطلب تمويلاً حكومياً. وتشكل إعادة إعمار المساكن والقطاع الخاص جزءاً كبيراً من المبلغ المتبقي. وقد صدر تقييم البنك الدولي هذا في مارس/آذار 2025.
وفي سوق بهذا الحجم، يمكن للسيطرة على الإسمنت والصلب والنقل والمقاولات أن تعيد تمويل منظومة سياسية وتجارية كاملة.
إعادة الإعمار يجب ألا تتحول إلى إعادة رسملة
يحتاج لبنان إلى الاستيراد. ويحتاج إلى المنافسة، وإلى مواد بناء بأسعار معقولة، وإلى إعادة الإعمار من دون مزيد من التأخير. والحل ليس إغلاق السوق مرة أخرى لحماية منتجي الإسمنت الثلاثة القائمين.
الحل هو الشفافية.
ينبغي أن يخضع كل مستورد يشارك في إعادة الإعمار للإفصاح الموثّق عن المالكين المستفيدين الحقيقيين، ولإجراءات معززة للتحقق من عدم انطباق العقوبات، ولسجلات مصرفية قابلة للتتبع، ولمطابقة بيانات الجمارك، ولاختبارات جودة مستقلة. كما ينبغي أن تؤدي عمليات الشراء النقدي التي تتجاوز حداً معيناً إلى إخضاعها لمزيد من التدقيق. وينبغي للمشاريع الممولة دولياً أن تطلب من الموردين والمقاولين من الباطن الإفصاح عن الملكية وعن الأشخاص المعرّضين سياسياً، مع إجراء عمليات تدقيق من قبل أطراف ثالثة تمتد إلى جميع حلقات سلسلة التوريد والمشتريات.
ويجب أن تُطبق هذه الضمانات بالتساوي على منتجي الإسمنت القائمين، والمستوردين الجدد، والشركات المرتبطة سياسياً من جميع الطوائف.
إن السؤال المركزي بسيط: كيف يمكن لشركة أُنشئت حديثاً أن تشتري الإسمنت بتكلفة واصلة ظاهرياً تتجاوز 104 دولارات، ثم تبيعه مقابل 92 دولاراً؟
وإلى أن يقدم المستورد ووزارة الصناعة والجمارك اللبنانية إجابة موثّقة، فإن هذه ليست مجرد قصة عن المنافسة أو الإسمنت الرخيص. إنها إنذار بشأن الجهة التي قد تكون بصدد التمركز للسيطرة على إعادة إعمار لبنان، وما إذا كانت الأموال المخصصة لإعادة بناء البلاد يمكن أن تُستخدم بدلاً من ذلك لإعادة بناء حزب الله.



عُمر أزمة الاسمنت في لبنان والصراع على من يهيمن على الشركات المصنعة، خصوصا في شمال لبنان، من عمر الازمة اللبنانية، حيث كانت هذه الشركات مصادر دخل غير منظور للقوى والفعاليات السياسية في الشمال خصوصا وفي لبنان عموما. طالما كانت الشركات تلبي حاجات القوى السياسية، ولاحقا الميليشيات، لم يكن هناك ازمة اسمنت في السوق المحلي! وحين كانت تعجز عن هذه التلبية، كانت تنشأ الازمات! اول خلاف بين النائب الراحل طوني فرنجية، والرئيس الراحل بشير الجميل نشأ في شكا، على من يستفيد من (الضريبة)، التي وضعت على طن الاسمنت، لصالح المجهود الحربي للميليشيات المسيحية بداية الحرب. طالب بشير الجميل فرنجية… قراءة المزيد ..