تأتي التقارير الختامية لجولات الحوار السياسي، غالباً، محمّلة بنبرة تفاؤلية مصطنعة، هندستها البيروقراطية الدوليةلتوحي بإنجازٍ ما وتبرر استمرارية وجودها. لكن القراءة التفكيكية الصارمة للتقرير الختامي لما عُرف بـ “الحوار المُهيكل” في ليبيا، تكشف عن بنية تبريرية قاصرة؛ وثيقة بارعة في توصيف العوارض السطحية للأزمة، وعاجزة – بل وبها لغة مراوغة – عن مواجهة الأسباب الهيكلية الناتجة عن تضارب مصالح أطراف الصراع المفترسة للحكم.
إن هذا التقرير، إذ يطرح خارطة طريق بدت في ظاهرها متماسكة، قد سقط في فخ الترضيات التكتيكية وتأجيل الملفات السيادية الساخنة. لقد أنتج الحوار وثيقة تقفز فوق ألغام الواقع؛ مما يجعلها أقرب إلى مسكن سياسيوي يعمل على ترحّيل الأزمة بدل أن يفككها.
وهناك ضرورة للتصدي للثغرات الجوهرية والمسكوت عنها في التقرير، والتي بدون مواجهتها تظل أي وثيقة سياسية مجرد حبر على ورق، وولادة جديدة لانسداد أكثر ضراوة.
لا يمكن بناء دولة قانون أو عبور نحو ديمقراطية حقيقية على مقابر جماعية، وسجون سرية، وقمع ممنهج. تكمنخطيئة التقرير الكبرى في تعاطيه الدبلوماسي البارد مع ملف حقوق الإنسان والحريات، في بلد يُصنّف دولياً ومحلياً كأحد أسوأ البيئات الحقوقية على وجه الأرض.
– أسقط التقرير من حساباته صياغة آليات محاسبة رادعة ضد مرتكبي الانتهاكات الجسيمة (القتل خارج القانون، الإخفاء القسري، والتعذيب داخل السجون التابعة للمجموعات المسلحة في شرق البلاد وغربها). واكتفى التقرير بعبارات هلامية حول “المصالحة الوطنية” التي تبدو في هذا السياق كعملية “عفو مقنّع” وشراء للسلام المؤقت على حساب دماء الضحايا.
– لم يطرح التقرير أي ضمانات عملية لحماية المدافعين عن حقوق الإنسان، النشطاء، والنساء من حملات التصفية المعنوية والجسدية، والاعتقالات التعسفية بتهم فضفاضة تُدار عبر أجهزة أمنية ومجموعات مسلحة موازية حوّلت البلاد إلى زنزانة كبيرة لتقييد الفكر والتعبير.
– أغفل التقرير عمداً وضع خطة وطنية مدعومة بآليات مراقبة لمواجهة شبكات الاتجار بالبشر ومراكز احتجاز المهاجرين غير النظاميين، والتي تدار خارج سلطة القانون وتشكل وصمة عار حقوقية واقتصاد ظل يغذي أمراء الحرب.
يقدم التقرير مقترح إنشاء حكومة موحدة جديدة ك أداة سحرية للتمهيد نحو الانتخابات وحوكمة الموارد. وهنا تبرزالثغرة النقدية التي تكشف خلط التقرير البنيوي بين الشرعية الشكلية القانونية وبين القدرة التنفيذية الفعلية على الأرض.
– كيف يمكن لحكومة وليدة، ناتجة عن تسوية سياسية هشّة، أن تبسط سيادتها القانونية والمالية في جغرافيا تحكمها قوى عسكرية موازية ومجموعات مسلحة عقائدية ومناطقية؟ وهو تكرار ممسوخ لمبادرة جنيف التي رعتها الأمم المتحدة وأنتحت حكومة الرشاوي، بل كانت السبب الرئيسي لتعطيل الانتخابات وتعد أسوأ حقبة فساد لم تشهد البلاد لها مثيلاً.
– غسلت الوثيقة يدها من صياغة آلية تفكيك وإعادة دمج أو لجم السلاح المنفلت قبل تشكيل الحكومة، واكتفت بربط النجاح بتوافقات أمنية فضفاضة. هذا التجاوز يعني عملياً وضع الحكومة الجديدة تحت رحمة الابتزاز الأمني الفعلي الذي كان سببا في عرقلة اي استقرار سابقا.
لا يوجد تحول ديمقراطي في التاريخ الحديث قام على أفراد أو قبائل؛ الأحزاب السياسية والائتلافات البرامجية هي النواة الصلبة لأي نظام تعددي مستقر. ومع ذلك، تعامل التقرير مع ملف العمل السياسي والأحزاب بـ”خجل سياسي” ينم عن رغبة في عدم إغضاب القوى التقليدية المسيطرة في البرلمان ومجلس الدولة.
– تجاوز التقرير ضرورة الإلزام الفوري بتعديل القانون رقم (2) لسنة 2012 بشأن الأحزاب، ولم يضع شروطاً صارمة تفرض نظام “القوائم الحزبية ذات الامتداد الوطني” في القوانين الانتخابية المتنازع عليها.
يمثل الإعلام الحالي في ليبيا (المرئي، والمكتوب، والجيوش الإلكترونية الموجهة) أداة حرب لا تقل تدميراً عن المدفعية؛ فهو المحرك الأساسي لخطاب الكراهية، والتزييف، وتفتيت النسيج الاجتماعي، وجميع هذه المنصات مُمولة مباشرة من ذات أطراف الصراع لتأمين بقائها.
– تعامل التقرير مع الإعلام كـأداة تكميلية للتوعية والمساءلة، مع استغفال حقيق أنه عقبة هيكلية وجزء من اقتصاد الحرب وجزء لا يتجزأ من منظومة قمع الحريات.
– عجز التقرير عن تقديم آليات قانونية ومالية ملزمة لـتجفيف منابع التمويل السياسي عن هذه المنصات، أو فرض عقوبات جنائية وطنية ودولية على محركي جيوش التضليل الرقمي. إن إجراء انتخابات في بيئة إعلامية ملوثة وموجهة تفتقر لأدنى حماية لحرية التعبير، هو انتحار سياسي وضمانة أكيدة لرفض النتائج وتأجيج العنف بمجرد إعلان الصناديق.
إذا كانت السياسة الاقتصادية والنقدية لأي دولة تسعى لحماية القوة الشرائية لمواطنيها كحق اقتصادي واجتماعي أساسي، فإن المشهد الليبي شهد مفارقة معكوسة؛ حيث تعامل المسار الاقتصادي في الحوار المهيكل بنوع من التسطيح والهروب مع ملف سعر صرف الدولار والرسوم المفروضة على النقد الأجنبي.
– بدلاً من تقديم التقرير لمعالجة جذرية تقضي على السوق الموازي – الذي تمت صناعته وحمايه وتمويله رسميا–وتكبح التضخم، تغافل عن حقيقة أن مصرف ليبيا المركزي وبتشريع من البرلمان، قد انخرطا في عملية تثبيت الجباية خارج القانون عبر فرض رسوم وضغوط مالية (إتاوات مقنّعة) على مبيعات النقد الأجنبي.
– باكتفاء التقرير بالتوصية العريضة حول “توحيد المؤسسات المالية وإصلاح الميزانية“، فإنه وضع غطاءً دبلوماسياً على جريمة اقتصادية مستمرة؛ حيث ترك السلطة التقديرية لتحديد مصير أموال الشعب في يد ذات التحالف(المركزي والبرلمان) الذي أنتج هذه السياسة الإفقارية.
معضلة الإنفاذ وعقيدة الهروب إلى المؤقت
تتجلّى الهشاشة المنهجية للتقرير في نقطتين متكاملتين تمثلان مأزقاً قانونياً: آلية الإنفاذ، والهروب الدستوري.
– أحال التقرير الملفات السياسية والمعضلة الانتخابية مجدداً إلى مجلسي النواب والأعلى للدولة لمنحهما فرصةأخيرة. هذا الإجراء ليس حلاً، بل هو تدوير للأزمة؛ فكيف يُطلب من الأجسام المستفيدة تاريخياً من الوضع الراهنأن تُوقع على وثيقة فنائها السياسي دون وجود آلية تحكيمية أو عقابية ملزمة؟
– بقبول التقرير لتأجيل مسار إقرار الدستور والاعتماد على أطر انتقالية مؤقتة جديدة، فإنه يرسخ العقلية التي دمرتالدولة الليبية منذ عام 2011: عقلية ترحيل الأزمات الجوهرية الهوياتية، الحقوقية، والقانونية إلى المستقبل مقابلالحصول على استقرار مؤقت وزائف في الحاضر.
الحكم المحلي و اقتصاد الظل
– تبنى التقرير خيار الانتقال إلى نموذج حكم محلي قائم على الولايات/الفيدراليات، مانحاً إياها صلاحيات تشريعية وتنفيذية واسعة. وفي بيئة تفتقر إلى الاستقرار المالي والمؤسسي، فإن طرح هذا المشروع خلال مدى زمني قصير(6-8 أشهر)، سيحول هذه الولايات سريعاً إلى إقطاعيات محلية تتصارع بقوة السلاح على تقاسم عوائد النفط، مما يسرع بوتيرة التقسيم الفعلي للبلاد.
– ركز المسار الاقتصادي على الشفافية الكلاسيكية، مغفلاً أن شبكات تهريب الوقود والمخدرات والبشر هي المغذي المالي الحقيقي للمجموعات المسلحة. الحديث عن إصلاح اقتصادي دون خطة أمنية–اقتصادية مشتركة لتجفيف هذا المنبع، هو نوع من الطوباوية؛ فالمال الفاسد المتأتي من الجريمة قادر دوماً على إحباط أي محاولة لبناء دولة القانون.
إن تقرير الحوار المهيكل وثيقة جيدة لتسجيل المواقف، لكنها أخفقت تماماً في تقديم الحلول المصيرية. لقد تعاملت مع الأزمة الليبية كأزمة “خلاف وجهات نظر” يمكن حلها بالترضيات الدبلوماسية، بينما هي في العمق أزمة صراع على السلطة، والثروة، والوجود، تُدار بأدوات عسكرية، وإعلامية مضللة، وانتهاكات وحشية لحقوق الإنسان، وسياسات نقدية جائرة تنهب قوت المواطن.
إن أي خارطة طريق لا تضع المحاسبة الجنائية لانتهاكات حقوق الإنسان، وتفكيك بنية الفساد الإعلامي، وحماية العمل الحزبي بقوة القانون، وإلغاء رسوم النقد الأجنبي الجبائية، وتجفيف منابع اقتصاد الظل، وإيجاد آلية إنفاذ دولية ووطنية صارمة تتجاوز الأجسام القائمة، لن تكون سوى تمهيد لحرب قادمة. الاستقرار لا يُبنى بالتأجيل، والتحول الديمقراطي لا يتحقق بمجاملة معرقيله وسارقي مدخرات وحريات شعبه.
