في الوقت الذي ينزف فيه الوطن، حرفياً، تحت وطأة الهجمات الإسرائيلية على الجنوب والبقاع وبيروت، وبينما يواصل حزب الله إطلاق قذائفه «حرفية الصنع» باتجاه الجليل، وخلال عطلة عيد الأضحى التي يُفترض أن يستريح فيها الناس من السياسة ويستمتعوا بأسرهم، تواصل الدولة النقدية العميقة عملها الدؤوب.
فمن دون أي سبب حقيقي، ومن دون أي إنذار مسبق، أُعيد فتح جبهة الحرب على مصرف لبنان. وليس هذه المرة من قبل حزب الله بسبب «القرض الحسن»، ولا من قبل رياض «إبستين» سلامة بسبب الدعاوى القضائية المتعددة المقامة ضده، بل من قبل الدولة العميقة السنّيورية.
هذه المجموعة تؤمن بأن مصرف لبنان يمتلك من الصلاحيات أكثر مما ينبغي، وأنه لا بد من قصّ أجنحة الحاكم وتقليص صلاحياته. ولأنها لم تتمكن من تنصيب أحد أتباعها في المصرف المركزي — ويمكننا أن نعدّد أسماء كثيرة من صنيعتها داخل لبنان وخارجه — فقد قررت أن تستهدف المؤسسة نفسها وأن تُضعف صلاحياتها وصلاحيات حاكمها.
بالنسبة إلى هذه الجماعة، كل الذرائع مباحة. جماعة يقودها رئيس حكومة سابق تقدّم به العمر، سلّم الراية إلى وزير شاب يمثله داخل الحكومة ويؤدي الدور نفسه بوجوه أكثر حداثة. هؤلاء يتواصلون مع موظفين في مصرف لبنان، وهيئة الرقابة على المصارف، وحتى هيئة الأسواق المالية — ومن المفارقات أن معظم المستهدفين من الطائفة السنّية — ويحاولون استقطابهم إلى مشروعهم: عليكم أن تنقلوا إلينا كل ما يجري؛ عليكم أن تعرقلوا الحاكم في كل مشروع يطرحه؛ عليكم أن تدعموا سعينا للسيطرة على القرار بدل أن يبقى بيد المجلس المركزي المستقل لمصرف لبنان؛ وعليكم، باختصار، أن تكونوا أعيننا وآذاننا وأذرعنا وأرجلنا داخل المصرف المركزي.
وهذا ليس خيالاً سياسياً ولا نظرية مؤامرة. لدينا الأسماء، ولدينا الوقائع، ولدينا اجتماعات حضرها فؤاد السنيورة شخصياً.
هذه المجموعة لا تعرف معنى الحياء.
فهي من دفعت لبنان إلى الهاوية عبر الترويج لمزيد من الاستدانة مما كانت الدولة قادرة على تحمّله.
أما الحاكم الحالي، الذي ولاؤه للقانون لا للأشخاص، وضميره مرتاح، وعلاقته برئيس الجمهورية ممتازة، وتنسيقه مع رئيس الحكومة يتم من دون أي خلل، فلا بد — في نظرهم — من محاصرته وخنقه واستهدافه تحت أي ذريعة كانت.
أما الذريعة الجديدة فهي قانون معالجة أوضاع المصارف.
والمفارقة أن هذا القانون نافذ أصلاً ومنشور في الجريدة الرسمية. وهو يخضع حالياً للمراجعة بناءً على طلب صندوق النقد الدولي. ولم يُبدِ مصرف لبنان أي ملاحظات جوهرية عليه سوى في ما يتعلق بالمادتين 3 و13، وهما مادتان لا علاقة لهما إطلاقاً بالقضايا التي يشنّ بسببها الهجوم على المصرف أو على الحاكم.
بل على العكس، فهاتان المادتان تحفظان صلاحيات المجلس المركزي لمصرف لبنان، لا صلاحيات الحاكم الشخصية. وبالتالي لا يوجد أي مبرر للهجوم على الحاكم أو الادعاء بأنه يخوض معركة استنزاف لإضعاف أو تقليص دور أي ممثل داخل غرف الهيئة المصرفية العليا.
بعد رياض «إبستين» سلامة، يأتي دور فؤاد السنيورة — وسيلحق به عاجلاً أم آجلاً فوج كامل من تلامذته من وزراء ومديرين ومسؤولين حاليين وسابقين — للمساءلة والمحاكمة بتهمة الخيانة المالية بحق لبنان وشعبه.
أما في الوقت الحاضر، فسيجدون أنفسهم مرة أخرى أمام مصرف لبنان وحاكمه في أي نقاش نيابي، يتلقون الهزيمة نفسها التي اعتادوها. فخططهم العارية لتحويل نقاش قانوني وتقني إلى مواجهة طائفية مكشوفة ستنقلب عليهم كما في كل مرة. وكما جرت العادة، سينتهي بهم الأمر إلى الانسحاب من المعركة بخيبة ظاهرة وذيول مطأطأة.


مقال دعائي لا تحليلي، قائم على التخوين لا على الأدلة.
يستبدل النقاش القانوني والمالي بتصفية حسابات سياسية وشخصية.
يوزّع شهادات البراءة والإدانة مسبقاً من دون أي إثبات.
يتجاهل مسؤولية المنظومة المالية كلها عن الانهيار.
يهاجم “الدولة العميقة” فيما يدافع عن أحد أكثر مراكز السلطة المالية نفوذاً في لبنان.
مقال وجهة نظر اكثر ما هو حقائق