ما تسرب في الإعلان عن مسودة اتفاق مع النظام الإيراني لا يروي قصةَ انتصارٍ إيراني، ولا قصةَ استسلامٍ أمريكي. فهذه القصة تقول شيئًا آخر غير عادي وأكثر خطورة:
لقد قدّر الطرفان أن كلفة استمرار الحرب أصبحت أعلى من كلفة وَقفِها. وغالبًا ما يُحتفى بهذا النوع من النهايات بوصفه “عودة إلى الواقعية”. لكن الحقيقة أنها، في الغالب، علامة على بلوغِ توازن هشّ جرى شراؤه بثمن باهظ.
وسيكون من العبث إنكار النتيجة العسكرية الأبرز في هذه المرحلة: فإيران خرجت أضعف، وبحريَتها، بوصفها أداةً للتمدد الإقليمي، تلقت ضربةً قاتلة، علاوة على تصفية اهم رموز النظام. لكن سيكون من العبث أيضًا تحويل ما جرى إلى قصة صلابة غربية استثنائية. فإذا كان هناك من جُبن، فهو لا يوجد أولًا في واشنطن. بل يوجد في كل العواصم التي فضّلت التعليق والتأجيل والاحتجاج الخافت، ثم انتظار الآخرين ليتحملوا الكلفة السياسية للمواجهة.
فلم تكن أوروبا بطولية هنا. لقد كانت وفيةً لردّ فعلها الأكثر ثباتًا: العجز الأخلاقي. أي تلك القدرة على التحدُّث بلغة القِيَم مع رفض حسم القرار في ادق ساعات الحسم. في مواجهة نظامٍ يُعسكِر المجتمع، ويسحق المعارضة، وينظّم الرعب ليصبح سياسة بحد ذاتها، لم تكن الحيطة الأوروبية يومًا مرادفًا للحكمة. كانت، في الأغلب، مرادفًا للتخلي.
لكن لا بد من الذهاب أبعد من ذلك. فالنظام الإيراني لم يصمد فقط لأن الغرب تردّد. لقد صمد لأنه استفاد من حلفاء يدركون تمامًا أن إيران ضعيفة تظل أداة نافعة للضغط. لا تحتاج روسيا والصين إلى مشاركة طهران أهدافها كي تساعدها بصورة غير مباشرة. يكفيهما أن تفهما أن نظامًا تحت الضغط، ما دام لم ينهَار، يبقى مفيدًا في المنافسة العالمية.
وقد صمد أيضًا، والأهم، لأن مجتمعًا كاملًا أُجبر على البقاء في ظروف ينبغي أن تثير صدمةً أكبر بكثير مما تثيره اليوم: أشهرٌ من قطع الإنترنت، وإفقارٌ شامل، و رعب يومي، وقمع، وتعذيب. هذه هي المعطيات السياسية الأساسية. فالنظام الإيراني لا يستمر لأنه يُقنع الناس، بل لأنه يحاصرهم.
كما أن هذه الحرب أزالت عدة أوهام إقليمية. أولها وهمُ وجود جوارٍ في الخليج يمكن أن يكون محايدًا، أو حتى ودودًا، مع طهران. ان دول الخليج لم تنسَ يومًا أنها تعيش في مدى نظام إيراني قوي. قد تتحاور، وقد تراعي، وقد توازن. لكن الحرب جعلت ما كان كثيرون يتجاهلونه واضحًا: لا توجد صداقة طبيعية بين نظام توسعي والدول التي تضطر للتعايش معه.
أما الوهم الثاني فيتعلق بقطر. فكثيرًا ما تُقدَّم بوصفها وسيطًا، وموازِنًا، ودولةً قادرة على الحديث مع الجميع. وهذا صحيح أحيانًا. لكن الوساطة ليست براءة. إنها فن التموضع. وعندما تدخل المنطقة في أزمة مفتوحة، تصبح التناقضات أكثر كلفة، وتصبح الألعاب المزدوجة أصعب إخفاءً، وتغدو الحيطة أكثر انكشافًا.
ويبقى لبنان الحالة الأكثر دلالة. فقرار الحكومة الحالية بالتقارب مع إسرائيل يمثل تحوّلًا مهمًا، لكنه تحوّلٌ هشّ. مهم، لأنه يشير إلى رغبة في استعادة زمام المبادرة في مواجهة هيمنة حزب الله. وهشّ، لأن أي تغيير استراتيجي في لبنان يمكن أن يُقلب في ساعات بفعل عمل عنيف واحد. تفجيرٌ، أو استفزازٌ، أو اغتيالٌ سياسي، ويمكن للنظام الذي يجري بناؤه أن يتشقق بسرعة.
وهنا تكمن حقيقة هذه الحرب: إنها لم تُنتج منتصرين واضحين، بل أعادت توزيع الهشاشات. إيران فقدت جزءًا من قوتها الظاهرة. وأوروبا أكدت مرة أخرى هامشيتها الاستراتيجية. ودول الخليج فهمت أنها لا تستطيع أن تواصل سرد حكايات لا تُقنع أحداً. ولبنان بدأ مسارًا قد يُكسر في أي لحظة. أما واشنطن، فقد أظهرت في النهاية أنه لا توجد حلول سهلة عندما تمس الحرب في آنٍ واحد الردع، والاقتصاد، والطاقة، وبقاء الأنظمة.
في العمق، ذكّرتنا هذه الحرب بحقيقة مرّة كثيرًا ما تنساها العواصم: النظام لا يصمد بالقوة وحدها. بل يصمد بضعف خصومه، وبحسابات حلفائه، وبقدرة الشعب الذي يُراد إسكاتُه على احتمال ما لا يُحتمل.
