في النهاية، فُرضت الحرب على الشعب الإيراني المظلوم، ونزلت آثارها المدمّرة إلى حدٍّ لا يُحصى على المواطنين الإيرانيين العُزَّل. وهي حربٌ جرّبها الشعب الإيراني بكل كيانه مرّتين في مراحل مختلفة، وقد رأى بوضوح وفهم أن الحرب ليست سوى خرابٍ وموتٍ ودمار، ولا تجلب إلا الفقر، واحتراق البيوت، والتشرّد. وحتى هذه اللحظة، فإن حجم الدمار الذي أصاب وطننا العزيز كبيرٌ جدًا. وإن تدمير البُنى التحتية يُعدّ بلا شك جريمة حرب.
غير أنّ الأخطر من الحرب هم المتسبّبون بها، أولئك الذين، بإثارة الفتن والمغامرات والتحرّكات الاستفزازية والتدخّل العلني في شؤون دول المنطقة، وخداع الشعب بل وخداع أنفسهم، وقعوا في وَهَم اعتبار أنفسهم قوّة عظمى، ومع خصالهم الأخرى الخطيرة كانوا سببًا في إشعال الحرب.
إن مسبّبي الحرب هم قادة نظام الجمهورية الإسلامية الفاسد، وعلى رأسهم علي خامنئي، المستبدّ المتعطّش للسلطة، المجرم والمقتول، الذين كانوا وما زالوا يعتمدون استراتيجية العداء مع دول المنطقة، حتى حرّضوا تلك الدول على إيران المعزولة.
ومسبّب الحرب هو نظامٌ ديني فاسد ومفسد قائم على ولاية الفقيه، تجاوز في دمويته أكثر الحكومات سفكًا للدماء في القرون الأخيرة من تاريخ إيران، وهو نفسه مصداق الورم السرطاني الذي لا علاج له ولن يكون.
لقد قمع هذا النظام، منذ عقود، جميع الحركات الاحتجاجية للشعب الإيراني بأقصى درجات العنف والسحق، وكان آخرها انتفاضة يناير، والتي إن استمر هذا النظام فلن تكون آخر جرائمه.
فقد قتل عشرات الآلاف خلال يومين، وفُقئت أعين نحو عشرين ألف شخص، وسقط عشرات الآلاف من الجرحى، واعتُقل عشرات الآلاف.
وقد بلغ حقد هذا النظام وقسوته على الشعب حدًّا جعله يعدم كثيرًا من المعتقلين وفق سياسة «النصر بالرعب» المشينة.
ومنذ عقود ينهبون الشعب والبلاد ويسلبون ثرواتهما، فيحوّلون جزءًا منها إلى ثروات شخصية، ويصرفون الجزء الآخر على النظام، ولا سيما على الحرس الثوري، والبرامج الصاروخية، والنووية، والطائرات المسيّرة، من أجل حفظ نظام الجمهورية الإسلامية الفاسد بقوة شيطانية، كي لا ينهار عند ساعة الخطر.
ومهما ادّعوا أن هذه النفقات الباهظة لحفظ الأمن القومي، فقد بات واضحًا للجميع أن ما لا يعني هذا النظام هو الأمن القومي، وأن الأمن الوحيد الذي يهمّه هو أمن السلطة والحكم.
إن هذا السلوك وأسلوب الحكم هما اللذان كانا وما يزالان سببًا للحرب.
ولا ينتظر الشعب الإيراني شيئًا من دونالد ترامب المستبدّ العنصري، الساعي إلى إخضاع العالم لهيمنته، ولا من بنيامين نتنياهو العنصري قاتل الأطفال، أن يكونا حريصين على إيران والإيرانيين.
كما أنّ تحوّل قادة النظام المناهض للوطن والإنسانية في هذه الأيام فجأة إلى قوميين، ورفعهم شعارات الوطنية والنزعة القومية بصراخٍ منافقٍ يصمّ الآذان، أمرٌ يبعث على العار، ولا سيما أنهم كانوا يكفّرون القومية ويعدّونها ردة.
ولا ينتظر الشعب الإيراني من هؤلاء المسؤولين المتعطّشين للسلطة أن يُبدوا ذرة تعاطف أو مسؤولية تجاه إنقاذ البلاد ومنع خرابها. فقد رأى الشعب الإيراني بأمّ عينه أن هؤلاء الحكّام الغاصبين وغير الشرعيين لا يحملون ذرة حرص على الوطن، ولا شيئًا من حسّ المسؤولية.
بل على العكس، فإنهم بهذه الأحقاد، والتهديدات، والشعارات الجوفاء الرنّانة، وطلب المواجهة الزائفة، لا يفعلون إلا قرع طبول تدمير إيران، والقضاء على وجود الشعب الإيراني بشراهة.
إن هدف هؤلاء المتعطّشين للسلطة هو الحكم بأي وسيلة وبأي ثمن. ولسان حالهم يقول: إمّا أن نحكم إيران، أو نحرقها ونجرّها إلى الخراب، ولو بأيدي ترامب ونتنياهو، لتحويلها إلى أرض محروقة.
ولو كان لدى هؤلاء المجرمين، ورثة ذلك القتيل السفّاح، ذرة من ضمير أو شرف أو التزام، لأمكنهم قبل الهجوم على إيران أن يمنعوا الحرب، بإعلان قبول استفتاء لتغيير النظام، والاعتراف بحق الشعب المشروع، والتنحّي عن السلطة، فيجرّدوا ترامب ونتنياهو من ذرائعهما.لكن هؤلاء الأشرار لا يريدون أبدًا الاعتراف بحق الشعب ولا بدوره الفاعل.
وحتى الآن، فإن الطريق الوحيد لمنع التدمير الكامل لإيران هو قبول استفتاء لتغيير النظام، والتنحّي من طريق الشعب. وإلا، فلن يبقى أمام الشعب، لإنقاذ إيران من الخراب، إلا الانتفاض لإسقاط هذا النظام.
إن سقوط هذا النظام حتمي، ولا يمكن للأغلبية الساحقة من الشعب الإيراني أن تتحمّل هذا النظام القاتل.
*أبو الفَضل قَدْیاني ،معارض إصلاحي، من سجن “إيفين”، القاعة 1، العنبر 7
