في عالمنا العربي كثيرون، خصوصا المتعاطفين مع ما كان يسمى بمحور إيران واذرعه، لا يملون من التهكم على تصريحات دونالد ترامب عن الحرب مع إيران. يرونه متناقضا، ويعاملون كلامه كأنه لا يستحق ان يؤخذ بجدية.
*انا لا ادافع عنه ولا اعيد خطاباته*, كل ما افعله ان افتح الدفتر بين تصريحاته من جهة، وتصريحات قادة إيران وحزب الله وحماس والحوثيين من جهة اخرى، ثم اترك الحكم للواقع.
حسن نصر الله قال عام 2000 عن إسرائيل، والله هي اوهن من بيت العنكبوت، ثم تحدث عن زوال حتمي وتاريخي للكيان، بلا مستقبل، وان الاجيال الحاضرة ستشهد اختفاءه.
خامنئي اعلن في 2015 ان الكيان الصهيوني لن يرى الخمس والعشرين سنة القادمة، وان العد التنازلي لزواله بدأ، ثم بعد طوفان الاقصى غرد بالعبرية ان العملية اعادت إسرائيل سبعين سنة الى الوراء، واعتبر ما جرى هزيمة تاريخية تعجل بزوالها.
في غزة، تصريحات يحيى السنوار، كما نقلتها الصحافة، تتحدث عن ثلاثة سيناريوهات لتدمير إسرائيل، وعن ازالة السرطان والقضاء على الكيان، وحملة كبرى يشترك فيها محور إيران لتحقيق هذا الهدف. وفي خطاب علني قال للاحتلال ان قرار زوال دولتكم مرهون بقرار واحد من المقاومة.
اسماعيل هنية وصف طوفان الاقصى بانه بداية زوال الاحتلال، وتحدث عن ان إسرائيل ذاهبة الى الهزيمة والنهاية، ثم من طهران تحدث عن عزلة غير مسبوقة للكيان ومسار سقوط لا رجعة فيه.
هذه كلمات اشخاص، لا عناوين صحف، إسرائيل اوهن من بيت العنكبوت، لن تبقى بعد 25 عاما، اعادناها سبعين سنة الى الخلف، ثلاثة سيناريوهات للتدمير، بداية الزوال والنهاية.
ثم نرى اين وصل اصحاب هذه العبارات بعد غزة وحرب إيران 2026.
غزة ركام، وحماس فقدت كل ثقلها القيادي والعسكري، والذين بشروا بتدمير إسرائيل باتوا في قوائم الاموات ، لا في غرف القرار.
حزب الله تلقى ضربات واغتيالات قاسية، واغتيال نصر الله وابرز قياداته انهى مرحلة كاملة، مع دمار وتهجير في الضاحية.
الحوثيون وفصائل العراق استنزفوا تحت ضربات متكررة، وإيران خرجت من حرب 2026 بعد مقتل خامنئي في ضربات 28 فبراير، وتحت التزامات نووية جديدة فرضها الضغط العسكري، و تفكك المحور ونهاية مشروعه. *الحمدلله* .
من وعدوا بزوال إسرائيل والانتصار الاكبر، من طهران الى الضاحية وغزة وصنعاء، هم من تراجعت قوتهم، وانتهى نفوذهم، وسقطت رؤوسهم، وفشل مشروعهم التوسعي على اكثر من جبهة.
في إيران ضربت طبقة القرار، بما فيها المرشد، وبقيت اسماء قليلة لمرحلة انتقالية في نظام فقد اغلب اوراق قوته.
في الميدان، معظم قيادة حماس التي ادارت طوفان الاقصى، من السنوار وما حوله، خرجت بين اغتيال واستهداف ومطاردة، والقيادات الحوثية التي بشرت بالانتصار الاستراتيجي انتهت تحت الضربات او القيود، وقيادة حزب الله في الصف الاول تلقت ضربات فرغت رأس المحور في لبنان، ومعها شخصيات اساسية في فصائل العراق.
الذين قالوا إسرائيل اوهن من بيت العنكبوت ووضعوا سيناريوهات لتدميرها لم يبق منهم تقريبا احد في الصف الامامي، وبقي فراغ في القيادات وخطب في الارشيف.
*ثم نفتح صفحة ترامب في الدفتر.*
ترامب قال في بداية الحرب على إيران ان بلاده ستمنع حصول طهران على سلاح نووي، وستضرب قدرات النظام اذا هدد مصالح امريكا وحلفائها، وانه مستعد لاستخدام قوة ساحقة اذا لم تفتح إيران مضيق هرمز.
وقال ان قادة إيران يتحدثون امام الاعلام بشكل، ومعه في الغرف المغلقة بشكل آخر، وانهم في النهاية يوافقون على ما يجب ان يوافقوا عليه تحت الضغط.
ووصف استئناف الملاحة في هرمز بانه تراجع إيراني امام الضغط الامريكي، وتحدث عن ان طهران باتت تقبل شروط التفاوض بعد ان فقدت اوراقها.
يمكن الاعتراض على اسلوبه، لكن حصيلة ما قاله حتى الان واضحة، برنامج إيران النووي عاد تحت قيود جديدة، استخدام مضيق هرمز كسلاح تراجع، والحرب وصلت الى نقطة اتفاق يجري تثبيته في اسلام اباد بعد وقف اطلاق نار ربطه بتهديدات مباشرة باستخدام قوة ساحقة اذا رفضت طهران التفاوض.
لا اقول ان الملف اغلق، الهدنة هشة، وترامب نفسه لوح بالعودة الى القتال اذا تعثرت الترتيبات. لكن اللحظة الراهنة هي لحظة انكسار واضح لمشروع ابتلع دمنا اكثر من 47 سنة.
*بعد هذا كله، من حقي ان اقول انني سعيد بنهاية هذا المحور* . سعيد، لا شماتة في الموت، بل لأن مشروع خميني و خامنئي ونصر الله والسنوار وهنية والحوثي جعل دم العرب وقودا لخطاب زوال إسرائيل، وهو يلتهم عواصمنا قبل ان يمس تل ابيب، ولأن من كان يطلق الصواريخ من مدننا على امل اسقاط إسرائيل سقط مشروعه قبل ان يسقط الكيان، ومن فتح جبهاتنا بالوكالة خسر اليوم اغلب قدرته على العبث بأمننا ومستقبلنا.
وفي الوقت نفسه انا حزين على المدنيين في غزة ولبنان وإيران واليمن والعراق، حزين على الابرياء، لكن غير نادم على سقوط مشروع اجرم بحقهم وبحقنا سنوات طويلة.
وحين افتح الدفتر بهذه الصورة، ارى مشهدا واحدا، قادة المحور من خامنئي الى نصر الله والسنوار وهنية والحوثي غابوا او تقلص اثرهم، وبقيت خطبهم، وبقي رجل في واشنطن اسمه دونالد ترامب، وتصريحات قد نختلف حولها، لكنها هذه المرة كانت اقرب الى ما حدث فعلا من كل البلاغة التي سميناها يوما محور المقاومة.
بعد فتح الدفتر من الجانبين، لا اطلب منك ان تحب ترامب. اذا اردت ان تتندر على تصريحات، فابدأ بمن وعدك بزوال إسرائيل والسبعين سنة الى الوراء والانتصار التاريخي، وهو اليوم خارج المسرح او يجر مشروعه المكسور خلفه. اما الرجل الذي، مهما اختلفنا معه، *ازاح عن منطقتنا عبء مشروع إيراني شرير كان يتمدد على حساب دمنا*، فربما يستحق ان تقرأ كلامه بميزان غير ميزان النكتة في المجلس. الحكم في النهاية لك انت، بعدما رأيت الدفتر من صفحتين لا من صفحة واحدة.
