تُشَكِّلُ الحالة الليبية نموذجاً تحليلياً فريداً لدراسة العلاقة بين البعثات الأممية وإنتاج الأزمات في الدول الهشة. فعلى مدى أكثر من عقد، تحولت ليبيا من ساحة للتدخل الإنساني المحدود إلى فضاء مفتوح لإعادة تشكيل السلطة وفق منطق المصالح الدولية المتضاربة. وفي قلب هذه المعادلة، تقف “بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا” التي أُنشئت بموجب قرار مجلس الأمن 2009 عام 2011 بتفويض واضح: دعم الشعب الليبي في مسار الانتقال الديمقراطي، وبناء المؤسسات، وحماية حقوق الإنسان. غير أن الممارسة الفعلية للبعثة كشفت عن انزياح جوهري في طبيعة دورها، حيث تحولت من وسيط نزيه إلى طرف في معادلة إدارة الأزمة، بل وإلى شريك غير معلن في إعادة إنتاج شروط الاستبداد السياسي والاقتصادي.
أن ما يجري في ليبيا ليس مجرد تعثر انتقالي عابر، بل يشكل بنية كاملة من الإدارة الممنهجة للأزمة، تتداخل فيها الأبعاد المحلية والإقليمية والدولية، وتتجلى في الأزمات المعيشية القاسية، وأزمة الكهرباء المزمنة، والفقر متعدد الأوجه، والبطالة الهيكلية، وتدمير المؤسسات الخدمية، وتوحش الأدوات الحاكمة تحت غطاء الشرعية الأممية.
انحراف البعثة الأممية
حدد قرار مجلس الأمن 2009 مهام البعثة الأممية في ليبيا بدقة، حيث ركز على دعم الجهود الوطنية لاستعادة الأمن، وتعزيز سيادة القانون، وحماية حقوق الإنسان، وبناء مؤسسات الدولة. كان هذا التفويض يضع الشعب الليبي في مركز العملية السياسية، بوصفه الفاعل الرئيسي وصاحب المصلحة الأولى في إعادة بناء دولته. غير أن القراءة الفاحصة لممارسات البعثة خلال السنوات اللاحقة تكشف عن تحول جوهري في هذه المعادلة، حيث تم إزاحة الشعب من مركز العملية لصالح أطراف النزاع المسلحة والنخب السياسية المتنفذة.
من دعم الشعب إلى رعاية التوازنات
يمكن رصد ثلاث آليات أساسية عملت على تحويل البعثة من داعم للشعب إلى شريك في إدارة الأزمة:
الأولى: منطق الفاعلين الذين لا يمكن تجاوزهم. تبنت البعثة مقاربة براغماتية تقوم على إشراك الجماعات المسلحة وقادة الميليشيات في العملية السياسية، بوصفهم أطرافاً لا يمكن تجاهلها في الواقع الليبي. هذه المقاربة، رغم تبريرها بدواعي الواقعية السياسية، أنتجت نتيجة عكسية: فبدلاً من تفكيك بنية العنف، تم شرعنتها وإدماجها في العملية السياسية، بحيث تحولت الجماعات المسلحة والبيانات المتطرفة من فاعلين خارج الشرعية إلى أطراف معترف بها دولياً، مما عزز قدرتها على ممارسة الاستبداد تحت غطاء التوافق السياسي.
الثانية: مسارات الحوارات المتعاقبة كآلية لإعادة إنتاج الأزمة. منذ اتفاق الصخيرات عام 2015، مروراً بمؤتمر برلين 2020، وصولاً إلى المبادرات الأخيرة، اتسمت المسارات التي رعتها البعثة بخاصية جوهرية: أنها لا تنتج حلاً نهائياً، بل تنتج ترتيبات مرحلية قابلة للتآكل. وكل ترتيب جديد لا يغلق باب الأزمة، بل يفتح باباً لمرحلة جديدة من التفاوض. هذه الدورة المستمرة من التسويات المؤقتة تخدم منطق إدارة الأزمة أكثر مما تخدم منطق حل الأزمة، وتطرح سؤالاً مشروعاً حول ما إذا كانت البعثة تمتلك بالفعل رؤية استراتيجية للإنهاء النزاع أم أنها تعمل وفق منطق استمرارية الدور الأممي بحد ذاته.
الثالثة: التحالف الضمني مع أدوات الاستبداد. من خلال انخراطها المباشر في مسارات تفاوضية تضم جماعات تمارس انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، أنتجت البعثة شرعية دولية لأدوات الحكم المتوحشة في ليبيا. هذه الديناميكية تطرح إشكالية أخلاقية وقانونية عميقة: كيف يمكن لبعثة مكلفة بحماية حقوق الإنسان أن تتحول إلى منصة لشرعنة منتهكي هذه الحقوق؟ وما هي حدود المسؤولية الأخلاقية لبعثة تعترف بجماعات مسلحة وبارونات الفساد كأطراف شرعية في العملية السياسية؟
التدخل الأجنبي والمصالح المتضاربة
لا يمكن فهم الأزمة الليبية بمعزل عن موقع ليبيا في خريطة المصالح الدولية والإقليمية. فالبلاد تجمع بين ثلاثة عناصر استراتيجية تجعلها محط أنظار القوى الكبرى والإقليمية: الثروات النفطية والغازية الضخمة، والموقع الجغرافي المطل على المتوسط والقريب من أوروبا، والدور المحوري في معادلات أمن الطاقة ومكافحة الهجرة غير الشرعية. هذه العناصر تحول ليبيا إلى ساحة تصارع بين مصالح متناقضة، حيث تتنافس الدول الكبرى على النفوذ، وتتصارع القوى الإقليمية على العمق الاستراتيجي، وتتداخل المصالح الاقتصادية مع الحسابات الأمنية.
البعثة الأممية بين فَكَّي المصالح الدولية
تجد البعثة الأممية نفسها في موقع بالغ التعقيد: فهي مؤسسة دولية تخضع في تمويلها وعملياتها لإرادات الدول الأعضاء في مجلس الأمن، وفي مقدمتها القوى الكبرى التي تمتلك حقوق النقض. هذه البنية المؤسسية تجعل البعثة أسيرة توازنات القوى الدولية، وعاجزة عن اتخاذ مواقف حاسمة تتعارض مع مصالح الدول المتنافسة على النفوذ في ليبيا. وبالتالي، تتحول البعثة من وسيط مستقل إلى منصة لإدارة التناقض بين المصالح الدولية، بحيث تعكس قراراتها وتحفظاتها توازنات القوى في مجلس الأمن أكثر مما تعكس احتياجات الشعب الليبي.
الفوضى المنضبطة
يمكن استخدام مفهوم الفوضى المنضبطة (Controlled Chaos) كأداة تحليلية لفهم طبيعة الإدارة الدولية للأزمة الليبية. يقوم هذا المفهوم على فكرة أن بعض النزاعات الدولية لا تتم إدارتها بهدف حلها، بل بهدف إبقائها في حالة من عدم الاستقرار المضبوط الذي يخدم مصالح الأطراف الخارجية. في الحالة الليبية، تتجلى هذه الديناميكية في الحفاظ على تدفق النفط إلى الأسواق العالمية دون انقطاع، مقابل إبقاء الصراع السياسي في حدود لا تهدد المصالح الاستراتيجية للدول الكبرى. وفي هذا الإطار، تتحول البعثة الأممية إلى أداة لضبط إيقاع الفوضى، لا لإنهائها.
الأزمات المعيشية كأدوات للضبط الاجتماعي
أزمة الكهرباء: المفارقة القاتلة
تشكل أزمة الكهرباء في ليبيا واحدة من أعمق المفارقات في العالم: فَبَلَدٌ يملك احتياطيات هائلة من النفط والغاز، ويُصدّر الطاقة إلى جيرانه، يعيش مواطنوه في ظلام دامس لساعات طويلة يومياً. هذه المفارقة لا يمكن تفسيرها بالنقص في الموارد أو العجز الفني، بل يجب تحليلها في إطار الاقتصاد السياسي للأزمة: فاستمرار أزمة الكهرباء يخدم مصالح متعددة، من ضمنها استنزاف طاقة المواطنين وإبقائهم في حالة انشغال دائم بتدبير أبسط احتياجاتهم، وتحويل انتباههم عن المشاركة السياسية الفاعلة.
كما يمكن قراءة أزمة الكهرباء كمؤشر على طبيعة توزيع الخدمات العامة في ليبيا: فهي تُوزع بشكل غير متكافئ، حيث تحظى الأحياء والمناطق الخاضعة لسيطرة جماعات مسلحة متنفذة بإمدادات أكثر استقراراً، بينما تغرق المناطق الأقل حظوة في الظلام. هذا التمييز في توزيع الخدمات يكشف عن البنية العميقة للسلطة في ليبيا: فالخدمات ليست حقاً للمواطنة، بل امتيازاً يُمنح لمن يملك القوة والولاءات.
الفقر متعدد الأوجه: من العوز المادي إلى العوز الوجودي
يتطلب تحليل الفقر في ليبيا تجاوز المقاربة النقدية التقليدية إلى مفهوم الفقر متعدد الأبعاد (Multidimensional Poverty) الذي يأخذ في الاعتبار: الحرمان من الفرص، والافتقار إلى القدرة على التأثير في القرار، وتآكل الكرامة الإنسانية، وغياب الأمل في المستقبل. فالشاب الليبي الذي يحمل شهادة جامعية ويقف عاطلاً عن العمل لسنوات لا يعاني من فقر الدخل فقط، بل من فقر القدرات والفرص والاعتراف الاجتماعي.
تشير التقديرات إلى أن معدلات البطالة بين الشباب في ليبيا من الأعلى في المنطقة، وأن الاقتصاد الليبي ما زال رهيناً للتقلبات النفطية وصراعات التوزيع، دون أي تنويع حقيقي أو استثمار في رأس المال البشري. هذا الواقع ينتج جيلاً كاملاً من الشباب المحبط القابل للاستقطاب من قبل الجماعات المسلحة أو لخوض مغامرات الهجرة غير الشرعية، مما يعمق أزمة البلاد ويزيد من تعقيدها.
تدمير المؤسسات الخدمية: الإهمال المنهجي كاستراتيجية
يمكن تحليل تدمير المؤسسات الخدمية في ليبيا من زاويتين متكاملتين: الزاوية الأولى تتعلق بالتدمير المباشر الذي خلفته الحرب، والزاوية الثانية تتعلق بالتدمير البطيء الذي يمارس عبر سياسات الإهمال والتفريغ والتقشف غير العادل. فالمؤسسات التعليمية والصحية والإدارية لم تُستهدف عسكرياً في معظمها، بل تم تدميرها عبر سياسات مستمرة من التمويل غير الكافي، وتعيين غير الكفؤين، وتفريغ المؤسسات من كفاءاتها، وتحويل الميزانيات نحو بنود الأمن والتسليح على حساب الخدمات الأساسية.
هذا التدمير المؤسسي ليس مجرد نتيجة جانبية للأزمة، بل يمكن قراءته كاستراتيجية لإضعاف الدولة المركزية وتفتيت مؤسساتها، بحيث تبقى غير قادرة على أداء وظائفها الأساسية، مما يفتح المجال أمام الفاعلين المسلحين والجهات الأجنبية لملء الفراغ. فالدولة الضعيفة مؤسسياً هي دولة غير قادرة على فرض سيادتها أو حماية مصالح مواطنيها، وهي بالتالي أسهل في السيطرة عليها من قبل القوى الخارجية والداخلية المتنفذة.
توحش الأدوات الحاكمة تحت الشرعية الأممية
من أبرز ظواهر الأزمة الليبية تحول الجماعات المسلحة من فاعلين خارج الدولة إلى أطراف مندمجة في بنيتها الرسمية. قادة الميليشيات ارتدوا بدلات رسمية وجلسوا على مناصب حكومية، بينما لا تزال هياكلهم العسكرية والاقتصادية تعمل خارج أي رقابة قانونية. هذه الازدواجية تنتج نوعاً من السلطة الهجينة: سلطة تمارس القهر بالعنف، وتتمتع في الوقت نفسه بشرعية دستورية مزعومة.
البعثة الأممية كَمُشَرعِن للاستبداد
تلعب البعثة الأممية دوراً حاسماً في هذه الديناميكية عبر اعترافها بالجماعات المسلحة وبارونات الفساد ونهب المال العام كأطراف في العملية السياسية. هذا الاعتراف لا يقتصر على مجرد الجلوس معها على طاولة التفاوض، بل يمتد إلى إدماجها في أجسام سياسية رسمية، ومنحها مناصب في الحكومات المتعاقبة، وتوفير غطاء دولي لممارساتها. وبالتالي، تتحول البعثة من جهة مكلفة بحماية حقوق الإنسان إلى منصة لشرعنة منتهكي هذه الحقوق، مما يعمق مأزق الشرعية في ليبيا ويطيل أمد معاناة المواطنين.
هذه الديناميكية تطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة “الشرعية” التي تنتجها التسويات الأممية: هل هي شرعية مشروطة باحترام حقوق الإنسان والقانون الدولي، أم هي شرعية شكلية تمنح لقاء الجلوس على الطاولة والمشاركة في المبادرات الرسمية؟
تواجه ليبيا اليوم مأزقاً بنيوياً لا يمكن حله عبر المزيد من التسويات المؤقتة أو إعادة تدوير النخب ذاتها. فالمشكلة الجوهرية لا تكمن في غياب الاتفاقات السياسية، بل في طبيعة هذه الاتفاقات ومحتواها وأطرافها. فطالما أن التسويات تُدار فوق رؤوس الشعب، وطالما أن الأطراف المسلحة هي المحرك الأساسي للعملية السياسية، وطالما أن المصالح الدولية تفرض إيقاعها على المسار، ستظل ليبيا عالقة في دائرة الاستبداد والفشل.
الخروج من هذا المأزق يتطلب إعادة التفكير الجذرية في ثلاثة مستويات: أولاً، إعادة تعريف دور البعثة الأممية بحيث تتحول من مدير للأزمة إلى داعم حقيقي لإرادة الشعب الليبي. ثانياً، تفكيك بنية المصالح الدولية التي تعمل على استمرار الوضع القائم، وثالثاً، بناء مؤسسات وطنية قادرة على فرض سيادتها على جميع الأطراف، بما في ذلك الجماعات المسلحة.
غير أن هذه الإصلاحات تفترض وجود إرادة سياسية حقيقية للتغيير، وهي إرادة تغيب عن المشهد الليبي الحالي. ولذلك، يبقى السؤال الجوهري مطروحاً: هل ستظل ليبيا أسيرة مصفوفة الاستبداد وإدارة الأزمة، أم سيتمكن شعبها يوماً من كسر الدائرة وبناء دولة تقوم على المواطنة والكرامة والعدالة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تكمن في مزيد من التقارير الأممية أو المسارات التفاوضية، بل في قدرة الليبيين أنفسهم على فرض إرادتهم الجماعية وتجاوز مصفوفة الاستبداد التي تحيط بهم من كل جانب.
