فوجيء العالم بأسره مؤخرا بصور صادمة بثتها وكالات الأنباء العالمية عن بشاعة الكارثة وحجم الخسائر والتدمير الذي تعرضت لها دولة نيبال الفقيرة اقتصاديا والمعزولة جغرافيا في منتصف نهار 26 أغسطس المنصرم، ما حدا ببعض الدول المعروفة بجهودها الإغاثية إلى سرعة إرسال المساعدات الإنسانية.
شبه البعض ما حدث بكارثة التسونامي المدمرة في اليابان في 11 مارس 2011، والتي تسببت في خسائر بشرية ومادية ضخمة، مع فارق أن تسونامي اليابان كان عبارة عن زلزال في المحيط الهادي قبالة السواحل اليابانية الشرقية، خلف أمواجا عاتية تجاوز ارتفاعها عشرة أمتار، بينما تسونامي نيبال حدث جراء اندفاع موجة هائلة من المياه والجليد والصخور والطين والقاذورات لمسافة تزيد عن 170 كيلومترا عبر وادي نهر “بوت كوشي”، وهو واد يربط العاصمة النيبالية كاتمندو بعاصمة التبت لاهاسا. ويسلكة عادة السياح الأجانب وعشاق تسلق الجبال. ولا ننسى هنا فارقا آخر بين الكارثتين وهو أن اليابان نجحت في إحتواء وتجاوز كارثتها بسرعة قياسية بسبب امكاناتها اللوجستية الهائلة وخبرتها الطويلة في التعامل مع الكوارث الطبيعية، بينما عجزت نيبال عن القيام بعمل مماثل لإفتقارها إلى المال والأجهزة والخبرة ووسائل الانذار المبكر، وهو ما تسبب في تحول يوم عادي في حياة النيباليين المسالمين إلى كابوس مؤلم. حيث جرفت المياه قرى بأكملها مع سكانها، وهدد باجتياح تجمعات سكانية في منطقتي نواكوت ودادينغ، وانهار نحو 30 جسرا، وتضررت الطرق ووسائل المواصلات، وانقطعت خدمات الاتصالات، وتهدمت آلاف المنازل، وعثر على 360 جثة طافحة فوق المياه، وأبلغ عن فقدان آلاف المواطنين والعديد من قوات الأمن ونحو 644 سائحا من 33 دولة.
يرجع الخبراء المتخصصون في الجيومورفولوجيا الجليدية وعلم المناح وتضاريس منطقة الهيمالايا الكارثة التي حلت بنيبال إلى انهيار مفاجيء لجزء ضخم من نهر جليدي بعد انهيار الصخور الأساسية التي كانت تستند إليها الكتلة الجليدية، ويؤكدون أنه بسبب تفاقم التغير المناخي والاحتباس الحراري تشهد الانهار الجليدية حول العالم ذوبانا مستمرا، حتى في المناطق شاهقة الارتفاع مثل جبال الهيمالايا، بل أن بعض هؤلاء الخبراء يشير إلى أن جبال الهيمالايا تحديدا معرضة لخطر كبير لأن ارتفاعها الشاهق ومنحدراتها الشديدة، المكونة من طبقات من الصخور والتربة المتجمدة منذ آلاف القرون، تبدأ في الذوبان مع ارتفاع درجات الحرارة، فتفقد استقرارها. وإذا ما حدثت هزة أرضية أو حدث انهيار للمنحدر، فإن ذلك يخلق بالتأكيد تدفقا مفاجئا قويا ومدمرا، خصوصا وأن مخزونات الجليد في الهيمالايا هائلة جدا، وتفوق ما هو موجود في أي مكان آخر باستثناء القطبين الشمالي والجنوبي.
وبسبب قوة الموجة المندفعة، وارتفاعها إلى نحو 30 مترا، جرفت في طريقها كتلا كبيرة من الصخور والأحجار والأشجار الضخمة التي قامت بدورها بتحطيم كل ما كان في طريقها من مساكن وبشر وأدوات وآلات وحيوانات، محولة منطقة كانت تعج بالمساكن والحركة إلى مكان قاحل يسوده صمت القبور. ويمكن تفسير ضخامة القوة المندفعة، وبالتالي ضخامة حجم الخسائر المادية إلى أن الانهيار الجليدي وما رافقه من انهيار صخري جاء من علو ناهز 5200 متر، وبدأ انحدارا حادا نحو قاع الوادي جارفا كل شي أمامه، هذا علما بأن سقوط كميات ضخمة من الصخور من علو شاهق يولد عادة قدرا كبيرا من الحرارة الكافية لتذويب كتل الجليد وتحويلها إلى مياه متدفقة قوية.
والجدير بالذكر أن حوادث انهيار الأنهار الجليدية المؤدية إلى كوارث ناجمة عن الفيضانات وتدفقات الحطام تكررت في السنوات الأخيرة. فالنيبال نفسها شهدت في عام 2025 فيضانا اصغر قوة وأقل تدميرا تسبب في خسائر محدودة، بينما شهدت سويسرا في العام نفسه ذوبان نهر جليدي وبالتالي تدفق هائل للحطام تسبب في تدمير قرية “بلاتن”. وفي عام 2023 أدى انهيار وقع في جورجيا إلى فيضانات وخسائر بشرية ومادية في إحدى المنتجعات الجبلية.
وطبقا لخبراء الزلازل والفيضانات والانزلاقات الأرضية، فإن بعض الإجراءات مثل: الخفض السريع لانبعاثات الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي، والاستثمار في أنظمة الإنذار المبكر، وتطوير وسائل مراقبة المناطق الجبلية، والاستعداد الدائم للقيام بعمليات إجلاء سريعة ومنظمة، قد تساعد في تقليل الخسائر والحيلولة دون وقوع مآسي انسانية صادمة كما حدث في النيبال.
وأفادت تقارير حكومية أوليه بأن النيبال خسرت في صباح واحد استثمارات تزيد قيمتها عن 200 مليار روبية، وهو ما يعني خسارة كبيرة لإقتصاد ضعيف مثل الاقتصاد النيبالي.
* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي
