عبر آفاق الحقيقة تستطيع أنْ ترى الجمال. جمال الوعيّ في ابتكار الاختيار والتفرَّد، وجمال الفكر في تفتّحات المعرفة، وجمال المسعى في ارتقاءات الانجاز، وجمال التفكير في تبصُّرات النّقد والتفلسف، وجمال الحريّة في تنوّعات الإبداع. وفي آفاق الجمال تستطيع أنْ ترى الحقيقة، حقيقة الذات في تخلّقاتها الإبداعيّة، وحقيقة الفكرة في تجلّيات التفكير، وحقيقة المشهد في رحابة الألوان، وحقيقة الأبعاد في شساعة الرؤية، وحقيقة العقل في تنوّرات الفهم، وحقيقة الإنسان أيضاً في تدفقات التغيير والتجديد.
الجمال بكلّ تنوّعاته الفكريّة، والفنيّة، والأدبيّة في الفكر الإنسانيّ، دائماً ما كانَ ينشد الحقيقة من خلال استنطاقه لمكنونات الذات الإنسانيّة المستقلّة، ومن خلال تقديره الكامل للحريّة العقليّة في التفكير، والبحث والنقد. كذلك فإنّ الحقيقة بكلّ تصوّراتها ومعانيها في الفكر الإنسانيّ، كانت ولم تزل تمثّل سعيّ الإنسان الدائم نحو تبنّي السؤال طريقاً إلى المعرفة والفهم، وتبنّي التفكير سبيلاً إلى النقد والخَلق، وتبنّي الحرية الذاتيّة وصولاً إلى الابتكار، والتفرّد والاستقلاليّة، وتبنّي الحياة هدفاً للسعادة، والرقيّ، والتطور.
الجمال بطبيعته الحرَّة في الفكر الإنسانيّ يهوى الرحابة، والحركة، والتنوّع والانطلاق، لذلك لا يستقيم مع فكر الوصاية، والتوجيه، والانغلاق والتسلّط، ويرى في كلّ ذلك تعديّاً صارخاً على طبيعتهِ في الحريّة، والتنوّع والشّساعة. فالجمال يفسّر نفسه بجمال حريّته وتعدّديته، وإبداعاته وتفسيراته المشرعة على النقد، والتفكير والسؤال، والجمال يهوى الحقيقة، ويستعذبها في تعبيراته، وإبداعاته وتفسيراته، ويسعى إليها في كلّ تمثّلات الذات الناطقة، والمفكّرة والحرَّة، ويجسدها في مشهديّات التنوّع، والرحابة والفكر، تجسيداً ابداعياً حرَّاً، لا يرتهن للوصاية، والانغلاق، والتزمت.
والحقيقة أيضاً بطبيعتها الحرَّة، والمعطاءة والممتدَّة في الفكر الإنسانيّ، تهوى التحليق في فضاءات الإبداع، والابتكار، والتنوّع والفكر، ولا يُمكن لها أنْ تنصاع أبداً للتفسيرات المؤدلجة، وللثقافات الهوياتيّة القامعة، وللأفكار الانسداديّة العقيمة، لأنّها شغوفةٌ بالحريّة العقليّة، وبالمعاني الطَّليقة، وبالامتدادت الرحبة في سفوح التفكير، والنّقد والخَلق، لذلك فالحقيقة رفيقة الجمال، وسنده وعنوانه وتعبيراته، وتمظهراته الفكريّة في حقول الإبداع الإنسانيّ، ولا يُمكن لنا أنْ نفهم الجمال من غير أنْ نسعى إلى الحقيقة، ولا يُمكن لنا أيضاً أنْ نتطلّع إلى الحقيقة من دون أنْ ننشد الجمال، فهما في العقل الحرّ، أفقان يتحركان دائماً نحو خلق الحياة الفكريّة، النابضة بدفق الإلهامات والاشتهاءات، والرغبات، والإبداعات، والحريّات.
أليسَ الجمال أنْ تبحثَ عن دهشتكَ في تخلّقات الإلهام والإبداع، وهيَ الدهشة ذاتها التي تضعكَ شغوفاً في الإرتقاء بالفكرة إلى سفوح الحقيقة. وأليست الحقيقة أنْ تبحثَ عن لحظاتكَ المفعمة بالتأمّل والتبصَّر، وهيَ اللحظات ذاتها التي تخبركَ لاحقاً عن جمال الفكرة في تدفقات الذاكرة، وفي كلّ ذلك أنتَ تفعلُ بما عليكَ أنْ تجده جميلاً في حقيقتكَ، وما تجده حقيقيّاً في جمال سعيك، وليس ذلك إلاّ تجربة منكَ في تقصّي منابع الدهشة في تجلّياتك الفلسفيّة، وما تستطيع أنْ تفعله هنا، يوصلكَ إلى ما تستطيع أنْ تفعله هناك في دهشة المعاني.
وأليسَ التعبير عن الذات المفكّرة، تجسيدٌ للتعبير عن الجمال، فالجمال يرتقي بالذات إلى مستويات الحقيقة، والخَلق، والإبداع والتفكّر، لأنّه يأخذُ بالإنسان إلى المستوى الذي يكون فيه قد أصبح شغوفاً بالجمال سعياً إلى الحقيقة، وشغوفاً بالحقيقة طريقاً إلى الجمال. فالذات هنا تعبّر عن نفسها جمالياً في مستويات الإبداع والحريّة، وهذا التعبير انعكاسٌ جليٌّ للجمال في مستويات المعنى، والتفكير والنقد والرؤيّة. وكلّما كانت الذات أقربُ إلى الحقيقة، كانت في الوقت ذاته أكثر قرباً من التعبير عن الجمال، فالتعبير عن الذات الحرَّة هو في الأصل تعبيرٌ عن الجمال والحقيقة، والتعبير عن الجمال والحقيقة هو الآخر تعبيرٌ عن الذات الخلاّقة، فكلاهما يمضيان إلى خلق المستوى الذي تكون فيه الحريّة العقليّة، والتفكيريّة، أساساً للتعبير عن الذات في تخلّقاتها الفكريّة، والأدبيّة والفنيّة.
الحقيقة بطبيعتها الحرَّة في الفكر الإنسانيّ، تبحثُ عن الجمال في مختلف الإبداعات الإنسانيّة، لأنّها في المقام الأول معنيّةٌ بحضورها الشاخص في كلّ تنوّعات الفعل الإنسانيّ، الذي يُظهر بجلاء استقلاليّة الجمال في التعبير عن موضوعاته، وأفكاره، وإبداعاته ومشهديّاته الفنيّة، وفي الوقتِ نفسه تبقى الحقيقة كما هي الحقيقة، في مساعيها الرامية إلى الخَلق والتفكّر والمعرفة، تدافع بكلّ ما تملكُ من حضورها الخلاّق في العقليّة الحرَّة عن الجمال، لأنّ الحقيقة في أصلها جمالٌ يتحرَّر دائماً من سلطة التفسيرات الجاهزة واليقينيّة، ومن استبداد المحرَّمات الثقافية. فالحقيقة هنا تبحث عن جمالها في رحابة الحريّة والانعتاق، والجمال هو الآخر يبحثُ عن حقيقتهِ في أفق الخلاص من البشاعة، والانغلاق، والاستحواذ، والتبعيّة، والجهل والتسلط.
الحقيقة لا تغيب عن العقليّة الحرَّة والمفكّرة، ففي غيابها يعني غياب العقل عن التفكير، والخَلق، والمعرفة والمبادرة، وفي حضورها كَمسعىً رحيب في السؤال والاستنطاق، والتفكّر والتأمّل، تحضر بكلّ جماليّاتها في الإبداع، والتفسير والمعنى، لذلك نستطيع أنْ نفهم ماذا يعني أنْ يُصاب العقل بالعمى، والتشويش، والضجيج والتكلّس، لأنّه خاضعٌ للجهل والمسلّمات الثقافيّة الجاهزة، والتفسيرات الخانقة الجامدة، ولا تعني له الحقيقة هنا سوى إنّها مجازفة خرقاء تودي به إلى الهلاك، والانحراف والضياع. وفي مقابل الحقيقة نرى الجمال أيضاً يحضر جمالاً في العقلية المستقلّة، والمفكّرة والباحثة، لأنّه الباعثُ على تقصّي الخلاص في مخاضات التفكير، والنقد والسؤال، وغيابه يعني أنْ يغرق العقل في أوحال البشاعة والقباحة، فالعقل الجميل يبقى جميلاً بما يتمتّع به من إمكانات التفوّق، والاستقلاليّة، والمباردة والتعايش، والمغامرة والتفرَّد والتسامح، ويبقى ساعياً نحو الحقيقة كَواحدةٍ من أسمى معاني الجمال الفكريّ في تجلّيات المعنى، والخَلق والانجاز.
ما أحاولُ أنْ أقوله هنا أيضاً، أنّ الحقيقة تبقى أبداً ابنة الدهشة الوامضة، لأنّها تعكس الحريّة في تخلّقات الذات المفكّرة، فالعقل يموت بمجرد أنْ يغرقَ في العموميّة، والقيود، والبلاهة، والسذاجة والسَّطحيّة، بينما يتجدَّد العقل ويحيا في حريّة السؤال، والتفكير، والخَلق، والخيال والابتكار، وهذه الحريّة وحدها التي تستطيع أنْ تمدُّه بالدهشة، والتفكّر، والخَلق والإبداع، فالدهشة هنا مفتاح العقل نحو المزيد من اكتشافات النقد، والبحث والمبادرة، لأنّها لا تتوقّف عند حاجزٍ ما، بل تبقى تسير في رحابةٍ شاسعة من الاحتمالات، والتساؤلات، والتفسيرات والتخلّقات، فالعقل المسكون بالدهشة، يسعى إلى أنْ يكون خارج المألوف والسَّائد، لا يستكين للتفسيرات الجاهزة المعلّبة، ويستدعي السؤال من أقاصي المعنى، ويبحثُ عن الحقيقة عند حافّة المغامرة، ويتجاوز الانغلاق، والتعصّب، والانسداد الفكريّ، ويثيره الخيال الخلاّق، يُعزّز فيه مهارة الموهبة والإبداع، والتفلسف، والتجدَّد والانفتاح.
وأليس من الجمال أنْ يبقى العقل الإنسانيّ حرَّاً في طريقتهِ، وتعبيراته وتفكّراته، وتفسيراته، ففي هذا الجمال الحر يتحرك العقل من دون أنْ تستبد به الأفكار الهادمة أو الأدلجات الخانقة أو المحرَّمات الثقافيّة، لأنّه أصبح يرى في حريّة الجمال، حريّة التفكير والنقد والسؤال، ويرى فيها أيضاً الحقيقة وهيَ تتحرَّر من المفاهيم الجامدة، والمنغلقة والمستبدة. إنّه في كلّ ذلك يرى أنّ الجمال عليه أنْ يكون شغوفاً بحقيقة أنّ الحياة مسرحاً كبيراً للألوان، والاتجاهات، والآفاق، والإبداعات، والمبادرات الحرَّة، وحين تقع في غرام الجمال، تعرفُ أنّ عليكَ أنْ تحبّه وتشغف به، لأنّه يجعلكَ تُفتنُ به على طريقتهِ غير الاعتياديّة في الاحتفاء بالحياة، والمعاني والفلسفات. إنّه يأخذكَ إلى الحقيقة في تجلّياتها الوامضة، عبر الفكرة والأسلوب، والمبادرة، كذلك أيضاً سترى في الحقيقة شغفكَ الذي يأخذكَ دائماً إلى البحث عن ذاتكَ المُبصرة، والمفكّرة، وهيَ تتخلّق جديداً في مخاضات الفِكر والنقد والسؤال.
وليست الحقيقة سوى قدرتها على أنْ تُبقيكَ متداخلاً مع تفكيركَ الحر، وسؤالك الأهمّ، وطريقتكَ الخلاّقة، وأسلوبكَ المميّز، لأنّها هنا تعكس فهمكَ الأجمل لها، من حيث كونها في الأصل تبقى باعثة على تشكيل ذاتك المفكّرة والملهمة، ففيها يتشكّل تفكيرك، وتترسخُ حريّتك، ويكبرُ سؤالك، ويرتقي فهمك. إنّها مساحتكَ الشاسعة في استدعاء امكاناتك العقليّة المستقلة، حين تريد معرفة قدرتكَ على تقصَّي المعاني في تخلّقاتها المستمرة، وفي هذا يسير الجمال معك، كَرفيقٍ ملهم، يرشدكَ إلى تبنّي الفكرة في نشأتها الخالية من التشوّهات، والتزييف، ولوثة المسلّمات السائدة، فتشعر بالجمال كحقيقةٍ ناصعة في الاعتناء بعقلك الحرّ، وتفكيركَ المستقلّ.
لن تكتشفَ شيئاً من حريّة عقلك، وتفكيرك وإرادتكَ، إلاّ حينما تكتشفها ساطعة في فكر الحقيقة والجمال، فالحريّة العقليّة ترتكز أساساً على منطق الحقيقة، من حيث إنّها الأفق الذي يُلهم الحريّة شغف التواصل مع المعنى، كأساسٍ في ابتكار التساؤل المعرفيّ، وبالتالي تستطيع الحقيقة هنا أنْ تمنح الحريّة العقليّة الجرأة على فهم الأشياء، وفقاً لقدرتها على الأخذ بها إلى الدروب البعيدة في التفكير الفلسفيّ. وكذلك فإنّ الحريّة العقليّة والتفكيريّة، تستلهمُ من فكر الجمال معاني التفرَّد، والحبّ، والتفاني في الاهتمام بنقاء الفكرة والمعنى، وخلوّهما من القباحةِ، والتعصَّب، والتزمت والانغلاق، فالجمال ركيزة الحريّة العقليّة في التواصل مع الأفكار، وفقاً لقدرتها على إيجاد الفهم والحسّ الإنسانيّ، في خلق المساحات الملهمة للتفكير، والسؤال، والمبادرة، والإبداع.
*كاتب كويتي
Tloo1996@hotmail.com
