عام 1964، انتخبت بلاد جبيل الدكتور أنطون فارس سعيد نائباً عنها عن “الكتلة الدستورية”، مدعوماً من “النهج الشهابي”، في مواجهة حزب “الكتلة الوطنية” بزعامة العميد ريمون إده، حيث نجح سعيد في إسقاط زعيم “الكتلة” بفارق 213 صوتاً.
تجربة سعيد النيابية لم تكتمل. إذ وافََته المنيّة بعد عام واحد على انتخابه في العام 1965. ترشحت أرملته السيدة “نهاد جرمانوس سعيد” لخلافته في المقعد النيابي لجبيل وهي في عمر 32 عاماً. وكان الأمر ليكون محسوماً لصالحها، لولا أن العميد ريمون إده أصرّ على الترشح لاستعادة المقعد النيابي الذي خسره.
تدخّل كثيرون لإقناع “العميد” بسحب ترشيحه وتركِ المقعد النيابي لأرملة سعيد. ويُقال إن السيدة نهاد التقت البطريرك الماروني وقتها، الكاردينال بولس المعوشي، للتوسط لسحب ترشيح إده، واصطحبت معها أبناءها الستة اليتامى، وقالت للبطريرك: “أنا أنجبت للطائفة المارونية ستة أبناء، فماذا قدم ريمون إده للطائفة؟“ وقد عاش ربمون إده عازباً ولم يخلّف أولاداً.
فشلت جميع المساعي التي دخل على خطها وقتها الزعيم كمال جنبلاط لثني العميد عن الترشح؛ إذ أكمل إده – المعروف بـ”العنيد” – ترشحه وفاز على الأرملة بفارق ضئيل من الأصوات.
لعل اليوم أشبه بالأمس؛ إذ غيّب الموت النائب الدكتور غسان سكاف، وأعلنت زوجته المحامية “مَيسم يونس سكاف” عزمَها الترشح لملء المقعد النيابي الذي شغر بوفاته عن طائفة الروم الأرثوذكس في دائرة البقاع الثانية (البقاع الغربي – راشيا). في المقابل، أعلن النائب السابق إيلي الفرزلي عزمه على الترشح في مواجهة سكاف للمقعد عينه، علماً أنه تبقت سنة ونصف السنة على الانتخابات النيابية المقبلة المقرر إجراؤها في أيار/مايو من العام المقبل.
يستفيدُ الفرزلي من شبكة علاقات نسجها منذ عهد الاحتلال السوري في لبنان، خصوصاً مع “حركة أمل” ورئيسها نبيه بري. وهو شغل منصب نائب رئيس المجلس النيابي لعدة دورات، وكان ضمن الفريق الذي عُرف لاحقاً بـ “محور الممانعة”، وبإرادة سورية صرفة كانت تأخذ طريقها إلى المجلس النيابي من “فيلا عنجر”، مقر الحاكم العسكري السوري للبنانيين، العميد غازي كنعان، الذي لطالما تباهى الفرزلي بصداقته الشخصية والعائلية معه.
في المقابل، برز اسم الدكتور الراحل غسان سكاف – الذي أسقط الفرزلي في الانتخابات الأخيرة – كأحد أعمدة النظام البرلماني السيادي. إذ كان أقرب إلى التيار السيادي في البلاد. واحتفظ خلال تجربته النيابية القليلة، وأيضاً بصفته طبيباً جرّاحاً استثنائياً، بعلاقات متوازنة مع سائر القوى السياسية، قامت على الندية والاحترام المتبادل وخلت من أي تبعية سياسة، لهذا الفريق السياسي او ذاك. فكان سكاف قاسماً مشتركاً وصلة وصل بين أطراف سياسية باعدت بينها الخلافات، وسعى لإطلاق أكثر من مبادرة خصوصاً لإيجاد مخرج لأزمة انتخاب رئيس للجمهورية خلفاً للعماد ميشال عون، وكاد ينجح لولا أن مساعيه اصطدمت بعقبات استعصت على الفرقاء المحليين، ليقعِدَهُ المرض بعدها ويغيِّبُه.
كما سعى، بعد سقوط بشار الأسد، لإيجاد حل لمأزق العلاقة المتوترة بشدة بين بطريركية الروم الأرثوذكس في دمشق ونظام الرئيس الإنتقالي الشرع!
المحامية ميسم سكاف ليست بعيدة عن الشأنين السياسي والاجتماعي والنقابي؛ فقد رافقت زوجها في جميع مراحل حياته السياسية، وانتُخبت عضواً في مجلس نقابة المحامين في بيروت كمحامية مستقلة، وكانت في الوقت عينه وما زالت تتابع الشؤون الخدمية والمبادرات الإنقاذية في البقاع الغربي ولم تتخلف يوماً عنها.
فهل يتكرر سيناريو “الست نهاد” مع “الست ميسم” مع فارق التاريخ والتوقيت والشخصيتين؟
الفرزلي لم يستوعب بعد خسارته المقعد النيابي، ومن غير المرجح أن يتنازل عنه للدورة الانتخابية المقبلة، في حين أن سكاف، التي جاهدت إلى جانب زوجها النائب الراحل، تسعى إلى إكمال المشاريع الكثيرة التي اضطلع بها وباشر بتنفيذ بعضها.
بين سكاف والفرزلي منافسة بين مشروعين: الأول ماضوي يسعى إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، والثاني يحاكي حاضر الحياة السياسية ومستقبل البلاد.
كيف سيختار البقاعيون؟
وهل ستجتمع قوى الممانعة لدعم الفرزلي كسباً لمقعد نيابي واحد لن يغير في توازنات المجلس النيابي، أم ستجتمع القوى السيادية لدعم المحامية ميسم سكاف، ليس وفاءً لمسيرة زوجها الراحل فحسب، بل لأنها الأقدر على متابعة مشروعه السياسي والإنمائي الذي أخذ على عاتقه السير به؟
في انتظار تحديد موعد الانتخابات، ستتظهر التحالفات، وتبقى الكلمة الأخيرة للناخبين في دائرة البقاع الثانية.

