لا تبدأ الديكتاتورية بالسجون والرقابة منذ اليوم الأول، بل عندما يقرّر الناس جعلَ شخصٍ ما عظيماً لدرجة أنهم لم يعودوا قادرين على سؤاله: “ماذا لو ارتكبت خطأً؟” مِن تلك اللحظة فصاعداً، تبدأ هزيمةُ الحرية.
إن المجتمع الذي يخلق إنسانا، هو مجتمع حي. أما المجتمع الذي يصنع الأصنام، فإنه يموت ببطء، لأن الأصنام لا تتكلم ولا ترد ولا تعتذر ولا تسمح لأحد بطرح أسئلة عنها.
إن تقديس الناس، إلى جانب الكذب، هو أعظم خيانة للحقيقة. فعندما نُقدِّس شخصًا ما، فإننا في الواقع نسلب أنفسنا حق انتقاده. وكأننا خيّطنا أفواهنا، وأعطينا المفتاح للشخص الذي لا ينبغي لنا أن نسأله عنه. ومنذ ذلك الحين، يصبح كل نقد قلّة احترام، وكل سؤال خيانة، وكل معارضة عدوًا.
لا أحدٌ بريء، لا سياسي، ولا مفكر، ولا أستاذ جامعي، ولا ناشط مدني، ولا قائد، ولا ملك، ولا كاتب، ولا حتى الشخصية الأكثر شعبية في المجتمع. فالإنسانية تعني القدرة على ارتكاب الأخطاء. وإذا استثنينا أحداً من هذه القاعدة، فإننا في الواقع نعفيه من المساءلة.
إن السلطة تغري حتى أنقى الرجال، والثناء المطلق هو أخطر ما يغذي السلطة. فالشخص الذي لا يسمع إلا التصفيق دون أي نقد يومياً، يظن تدريجياً أنه على صواب.
المشكلة لا تبدأ بمحبة الناس، بل عندما تحل المحبة محل العقل. في ذلك اليوم، لن نحكم على سلوك الناس، بل سندافع عنهم فقط. إن نجحوا، سنعتبر ذلك دليلاً على عبقريتهم، وإن فشلوا، سنختلق لهم ألف عذر. في مثل هذه البيئة، لا يعود الصدق معياراً، بل يصبح الولاء هو المعيار.
لقد حذَّرَنا التاريخ مرارًا وتكرارًا من أن العديد من المآسي لم تكن نتاج عبقرية سوداء لدكتاتور، بل نتاج صمت شعبٍ لم يجرؤ على إخباره بأنه مخطئ. فالصمت ليس دائمًا نابعًا من الخوف، بل قد يكون أحيانًا نابعًا من القداسة. عندما نضع شخصًا ما فوق النقد، فإننا في الواقع نضعه فوق المساءلة.
يختلف الاحترام اختلافًا جوهريًا عن القداسة. فالاحترام يعني رؤية الخير في الشخص، وفي الوقت نفسه التحلي بالشجاعة للتحدث عنه إذا أخطأ. أما القداسة فتغض الطرف عن الأخطاء وتحافظ على احترام الفرد، بل وتضحي بالحق من أجله.
إن القداسة عدو لحرية الفكر. فالمجتمع الذي يعتاد على خلق مساحات محظورة لبعض الأفراد يتعلم تدريجياً عدم طرح الأسئلة، مما يؤدي إلى تنشئة جيل يستشهد بالشخصيات بدلاً من التفكير المنطقي، ويكرر الأسماء بدلاً من فحص الأدلة، ويختار التقليد بدلاً من التفكير.
المجتمع الناضج ليس مجتمعاً بلا أبطال. إنه مجتمع لا يعتبر أي بطل فوق الحقيقة. ينبغي تقييم البشر بالعقل لا بالعاطفة، وبأدائهم لا بسمعتهم، ولا بإجاباتهم، ولا بهالة القداسة التي تُبنى حولهم.
إذا شعرت يوماً ما أنك لم تعد قادراً على انتقاد شخص ما، فاسأل نفسك حينها: هل أسكتني شخص آخر أم أنني أسكتّه بنفسي؟ لأن حرية الفكر تبدأ بجملة بسيطة ولكنها منقذة: لا يوجد إنسان مقدس، ولا ينبغي أن يكون أي إنسان بمنأى عن النقد.
*مصطفى دانندة (Mostafa Danandeh) هو صحفي وكاتب ومحلل سياسي إيراني، اشتهر خصوصًا بكتاباته في موقع “عصر إيران” (Asr-e Iran)، وهو موقع إخباري تحليلي إيراني معروف. والمقال نقلا عن موقع الكاتب على منصة “إنستغرام”.
