(الصورة: عمّال يقومون بتحميل الخيام المفككة على شاحنة في مخيم للنازحين في “البيال” على الواجهة البحرية في بيروت، في 1 يوليو/تموز 2026.)
ترجمة “الشفاف”
في الأسبوع الماضي في واشنطن، أعلن لبنان وإسرائيل عزمهما على إنهاء حالة الحرب والتزما بصياغة معاهدة سلام. ويُعدّ «الاتفاق الإطاري» طموحًا، لكنه يواجه عقبات كبيرة أمام التنفيذ، وفي مقدمتها حزب الله المدعوم من إيران. غير أن لوائح المقاطعة اللبنانية القديمة تُشكّل أيضًا عائقًا أمام تحسين العلاقات بين الدولتين الجارتين.
في 23 أبريل، اطَّلعَ الرئيس ترامب على قوانين الرقابة ذات الطابع “الأورويلي” في لبنان. ففي المكتب البيضاوي، وبعد الجولة الثانية من محادثات السلام اللبنانية–الإسرائيلية التي توسطت فيها الولايات المتحدة، سأل “أنطوني ميرشيك”، مراسل قناة “إم بي سي تي في”، ترامب عن قوانين «مناهضة التطبيع» الصارمة في لبنان، التي تمنع المواطنين اللبنانيين من التواصل مع جيرانهم الإسرائيليين.
فقال ترامب مستغربًا: «يعتبرون إنه من الجرائم أن تتحدث مع إسرائيل؟»، في إشارة إلى أنه لم يكن على علم بذلك الحظر. ثم أضاف: «حسنًا، أنا متأكد تمامًا من أن ذلك سينتهي بسرعة كبيرة. وسأتأكد من حدوث ذلك».
سيواجه الرئيس ترامب مهمة شاقة. فقد ظلت القيود التي يفرضها لبنان قائمة على مدى 71 سنة الماضية. لكن مفاوضات السلام المباشرة بين لبنان وإسرائيل تتحدى هذا الحظر المفروض على التواصل اللبناني مع الإسرائيليين. وعلى نحو متزايد، بات اللبنانيون يتحدثون عن إنهاء هذه القوانين المتقادمة، بل إن بعضهم أصبح ينتهك هذا الحظر القديم بشكل علني وصارخ.
ومن اللافت أن الصحفيين اللبنانيين يقودون هذه الحملة. فمنذ انطلاق المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، بثّ عدد من المراسلين مقابلات مع إسرائيليين عبر قنوات تلفزيونية وعبر مواقع إلكترونية لبنانية. وقد تضع هذه المبادرات الصحفية المراسلين اللبنانيين في مشكلات قانونية خطيرة. إذ تحاكمُ المحكمة العسكرية اللبنانية بصورة روتينية المدنيين اللبنانيين، وتصدر بحقهم أحكامًا بالسجن. كما أن المضايقات والتهديدات من جانب حزب الله ووسائله الإعلامية ليست أمرًا غير مألوف.
وأفادت تقارير بأن إسرائيل أثارت مسألة ذلك الحظر خلال مفاوضات السلام، إلا أن تعديل قانون مناهضة التطبيع (قانون مقاطعة إسرائيل) لا يُعد أولوية بالنسبة للبنان. ومع ذلك، يبدو أن الصحفيين اللبنانيين ووسائل الإعلام اللبنانية يتجاهلون ذلك الحظر بصورة متزايدة.
وعلى سبيل المثال، بعد وقت قصير من بدء المحادثات، ، أجرت الصحفية اللبنانية المقيمة في الولايات المتحدة “حنين غدّار” — وهي زميلة لي في “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى” — مقابلة مع الخبيرة الإسرائيلية في شؤون حزب الله “ساريت زهافي” لصالح الموقع الإخباري المملوك من مواطنين لبنانيين «This Is Beirut». وبعد شهر، في 29 مايو، نشر الموقع نفسه مقابلة مطولة مع “يحيئيل لايتر”، السفير الإسرائيلي لدى واشنطن، الذي يقود الوفد الإسرائيلي في محادثات السلام. وفي الأسبوع التالي، في 4 يونيو، ظهر “لايتر” مرة أخرى في وسائل الإعلام اللبنانية، وهذه المرة على شاشة قناة «الجديد» التي تتخذ من بيروت مقرًا لها. وفي خطوة غير مسبوقة، طرح مراسل القناة في واشنطن، “بيدرو غانم”، سؤالًا على السفير الإسرائيلي، فأجاب عنه.
قد تبدو هذه التبادلات عادية، لكنها تُعد جرائم جنائية بموجب القانون اللبناني. ومع ذلك، وبعد يوم واحد فقط، وخلال مقابلة في وقت الذروة على قناة «إل بي سي الدولية»، وهي أكثر القنوات التلفزيونية شعبية في لبنان، أجرى المذيع “طوني مراد” مقابلة مع الصحفي الإسرائيلي “باراك رافيد”، وهو مراسل لموقع «أكسيوس» في واشنطن ومراسل للقناة 12 الإخبارية الإسرائيلية «Channel 12 News». وقد حظيت المقابلة بتغطية واسعة، وفُسِّرت في وسائل الإعلام الإقليمية — العربية والإسرائيلية على حد سواء — على أنها عمل من أعمال التحدي من جانب الإعلام اللبناني.
وليس من الواضح ما إذا كانت هذه الانخراطات اللبنانية الأخيرة مع إسرائيليين ستخضع للملاحقة القضائية من قبل السلطات اللبنانية. لكن المحكمة العسكرية قد تنبهت بوضوح إلى هذه التطورات، ويبدو أنها تسعى إلى وقف هذا التوجه. وبعد فترة وجيزة من واقعة «إل بي سي الدولية»، حكمت المحكمة على “ماريا معلوف” — وهي صحفية لبنانية تقيم في الولايات المتحدة — بالسجن لمدة 15 عامًا بسبب مقابلة أجرتها عام 2021 مع قناة «كان الإخبارية» الإسرائيلية. وفي إجراءات منفصلة ولكنها ذات صلة، أصدرت المحكمة العسكرية أيضًا أحكامًا غيابية بالسجن المشدد بحق مواطنين لبنانيين آخرين بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي اعتبرتها المحكمة مؤيدة لإسرائيل أو منتقدة لحزب الله.
بعبارة أخرى، بينما يتفاوض قادة لبنان مع إسرائيل بشأن إرساء السلام ونزع سلاح حزب الله، تقوم الدولة العميقة اللبنانية بتوجيه اتهامات إلى مواطنين لبنانيين يدعون إلى الأمرين نفسيهما. وفي الوقت نفسه، كانت صحيفة “الأخبار” الموالية لحزب الله تتحسَّر على التوجه نحو التطبيع مع إسرائيل. وجاء في أحد المقالات أن تغطية قناة الجديد «تجاوزت حتى القنوات العبرية» في الترويج للرواية الإسرائيلية. وبعد أيام، نشرت الصحيفة تعليقًا آخر ينتقد قناة “إل بي سي الدولية”، متذمرًا — من دون أي مفارقة — من «ازدراء» الصحفيين للقانون اللبناني.
وعلى الرغم من الانتقادات — أو ربما بسببها — ضاعفت قناة الجديد من نهجها في الليلة نفسها التي نُشر فيها ذلك المقال. ففي برنامجه الحواري، وجّه المذيع “جورج صليبي سؤالًا إلى حسن فضل الله، النائب في البرلمان اللبناني عن حزب الله. وقد قرأ صليبي” من هاتفه سؤالًا طرحه قبل لحظات متحدث باسم الجيش الإسرائيلي على منصة التواصل الاجتماعي “إكس”. وقد أثار ذلك استياء فضل الله بشدة. وفي اليوم التالي، ذكرت صحيفة الأخبار في مقال أن هذه الحادثة «تثير تساؤلات متزايدة بشأن المسار الذي تسلكه بعض وسائل الإعلام اللبنانية». وبالفعل، فإنها تثير مثل تلك التساؤلات.
وخلال الأشهر الماضية، شهدنا توجهًا نحو علاقات أكثر طبيعية — إن لم تكن مطبَّعة بالكامل — بين لبنان وإسرائيل. ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الموجة الأخيرة من التفاعلات الإعلامية اللبنانية مع الإسرائيليين تمثل بداية لانفتاح واسع النطاق. ومن الواضح أن كثيرين في السلطة الرابعة اللبنانية يرون أن تلك القوانين — التي تعود أصولها إلى عام 1955 — أصبحت متقادمة، ومقيدة، وتخدم إلى حد كبير مصالح حزب الله. لكن بيروت لم تحسم بعد موقفها النهائي. ففي خضم محادثات السلام والتوغل العسكري الإسرائيلي المستمر داخل لبنان، تتعرض حكومة الرئيس جوزيف عون لضغوط هائلة من حزب الله. كما أن مذكرة التفاهم الجديدة بين الولايات المتحدة وإيران — التي تربط إعادة فتح مضيق هرمز بلبنان — قد عززت موقف الميليشيا المدعومة من إيران وزادت الضغوط على الحكومة.
وفي ظل كل هذا الانخراط الإعلامي الأخير، قد يُغرى الوسطاء الأمريكيون بالبدء في الضغط على لبنان لإلغاء قوانينه المناهضة للتطبيع، أو تعليقها. لكن القيام بذلك، في غياب تقدم ملموس على الأرض، قد يقوض المصداقية الهشة أصلًا التي تتمتع بها بيروت. وفي الوقت الراهن، يبدو أن النهج الأمريكي الأكثر حكمة هو الوقوف جانبًا، وترك هذا التطبيع العضوي يكتسب زخمًا، والتدخل فقط لثني الحكومة اللبنانية عن المضي في ملاحقة هذه القضايا قضائيًا.
مدعوماً بالاتفاق الأمريكي-الإيراني على إعادة فتح مضيق هرمز، سيسعى حزب الله إلى التراجع عن هذا الانفتاح الإعلامي الناشئ في لبنان. وتعارض تلك الميليشيا محادثات السلام المباشرة، ولا تريد أي شكل من أشكال التواصل مع إسرائيل باستثناء المواجهة العسكرية. ولكن إذا استمرت مفاوضات السلام والتحركات الإعلامية، فقد تتاح للبنان فرصة للوصول إلى وضع طبيعي جديد مع جارته.
ديفيد شينكر هو زميل أول في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، وشغل سابقًا منصب مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى في إدارة ترامب الأولى.
