(أبديث لصديقي الكاتب”يوسف كانلي” استغرابي لمعرفته المدهشة بأغاني “فيروزنا”، فأجاب: أنت حتماً لا تعرف أن والد فيروز “مارديني”، و”ماردين” مدينة تركية! وبعد البحث تبيّن أن وديع رزق حداد (المعروف بـ”وديع حداد”) نزح مع عائلته من “ماردين” إلى لبنان واستقر في حي “زقاق البلاط” ببيروت حيث ولدت فيروز”نا”!)
*
بينما حملت أوركسترا أكاديمية هاتاي السيمفونية أغنيات فيروز من أنطاكية الجريحة إلى مسرح مكشوف في أنقرة، استدعت الموسيقى مدينةً متوسطيةً أخرى مثخنة بالجراح أبت مرارًا أن تختفي. غير أنّ بيروت وغزة ودمشق، خارج أسوار الحفل، تُعاد صياغتها اليوم بفعل الحرب والتكتلات الدبلوماسية والمشاريع الأمنية المتنافسة، فيما تجد تركيا نفسها على نحو متزايد في قلب هذه التحولات.
في أمسية دافئة من أمسيات أنقرة، سافر صوت بيروت شمالًا من غير أن يعبر حاجزًا. وصل عبر الأوتار وآلات النفخ الخشبية والقانون والعود والإيقاع، حين اجتمع موسيقيو أوركسترا أكاديمية هاتاي السيمفونية على مسرح أوران المكشوف في الثالث والعشرين من أغسطس/آب لتقديم عرض بعنوان «صدى بيروت: سيمفونية لفيروز». كانت الأوركسترا التي نجت من دمار أنطاكية تؤدي أغنيات امرأة ظل صوتها باقياً بعد كل ما أصاب لبنان من دمار.
كانت هناك أغنية “حبيتك بالصيف”، التي حوّلها قائد الأوركسترا علي أوغور من غنائيةٍ عاطفية إلى إعلان وفاء لهاتاي. فالصيف يمثل أيام المدينة السخية، أما الشتاء فيرمز إلى دمارها وانتظارها الطويل للتعافي. وحملت بكتب اسمك يا حبيبي ذلك الإصرار على حفظ اسم الحبيب من الضياع، فيما استحضرت بنت الشلبية الشوارع والباحات وحياة القرى في مشرقٍ مزقته الهجرة والحروب مرارًا، لكنه ظل محفوظًا بعناد في الذاكرة والأغنية.
ثم جاءت “لبيروت“، مرثية فيروز للحب والحزن والانتماء. وبين أيدي موسيقيين ينتمون إلى هاتاي المنكوبة بالزلزال، غدت الأغنية أكثر من مجرد أغنية لبنانية. بدت كأنها حوار بين مدينتين تعرفان كيف يمكن للمباني والناس والشوارع المألوفة أن تختفي، فيما ترفض الذاكرة أن تستسلم.
ويمتد هذا المجاز إلى المشرق المعاصر بأسره. فموسيقى فيروز تتخيل جغرافيا وجدانية تصلها الثقافة واللغة والفقد. أما اليوم، فتُقسَّم تلك الجغرافيا بممرات التسويات، والمناطق العازلة، والغارات الجوية، وحسابات الدفاع الجوي. غزة تتفاوض من أجل البقاء بين بنود وقف إطلاق النار وتجدد القصف. ويُضغط على لبنان لاستعادة احتكار الدولة للسلاح، فيما يسعى في الوقت نفسه إلى انسحاب إسرائيلي. أما سوريا، فتعمل على إعادة بناء جيش وطني، بينما تواصل إسرائيل استهداف بنى تحتية تخشى أن تصبح جزءًا من منظومة أمنية مدعومة من تركيا.
وتحاول تركيا أن تفعل في الجغرافيا السياسية ما يشبه ترتيب الأوركسترا الموسيقي: أن تجمع الآلات الشرقية ضمن بنية غربية. تريد أنقرة قدرًا أكبر من الاستقلال الاستراتيجي في العالم الإسلامي من دون التخلي عن حلف شمال الأطلسي، وتقاربًا أوثق مع القوى العربية من دون الانخراط في تحالف معادٍ لإيران لا رجعة فيه، وتفاهمًا مع روسيا من دون أن تتخلى بصورة دائمة عن طائرات «إف-35» الأمريكية.
غير أن الفارق هو أن الجغرافيا السياسية لا تعرف قائد أوركسترا قادرًا على إبقاء جميع العازفين في إيقاع واحد.
