خلال اليومين الماضيين، جال رئيس بلدية صيدا المهندس مصطفى حجازي ونائبه د. احمد عكرة وعدد من أعضاء المجلس البلدي على نائبي صيدا د. أسامة سعد ود. عبد الرحمن البزري ورئيسة مؤسسة الحريري بهية الحريري ونائب رئيس المكتب السياسي للجمعة الاسلامية د. بسام حمود لوضعهم في أجواء الإجراءات التنفيذية الصارمة على الكورنيش البحري. وتلازمت الجولة مع حملة واسعة لإزالة المخالفات والتعديات من وضع خيم وطاولات غير مرخصة، وأن الحملة تتم بالتنسيق مع محافظة الجنوب والقوى الأمنية المعنية، وذلك حسب ما ورد في بيان بلدية صيدا الصادر الخميس 4 حزيران 2026″.
في الوقت نفسه تناولت وسائل التواصل الاجتماعي رسالة صوتية لعضو المجلس البلدي ورئيس لجنة إزالة المخالفات، وائل قصب، يذكر فيها كيف تم طرده وفريق الشرطة البلدية عند محاولتهم إزالة الكراسي والطاولات عن الكورنيش البلدي مع تصرفات غير أخلاقية قام بها المخالفون وهم، حسب ما قال قصب، من الضيوف النازحين.
منذ ثلاثة أشهر، شكلت مدينة صيدا مركز استضافة واسع للنازحين من الجنوب، اذ تستقبل حالياً اكثر من ثلاثين ألف شخص، يقيمون في 25 مركز إيواء وفي آلاف الشقق السكنية.
شكلت مدينة صيدا نموذجاً ايجابياً لا يُقارن في مجال الإهتمام بسكن و النازحين واغاثتهم، وتقديم الخدمات الصحية وإلاستشفائية المتوفرة، وتنظيم نشاط متنوع طال مختلف الفئات النازحة.
في الفترة الأخيرة تحولت مدينة صيدا الى مساحة من الفوضى وشوراعها الى مواقف للسيارات وفوضى الدراجات النارية، كما انتشرت المقاهي والمحلات المتنقلة على شوارعها كافة وتحول الكورنيش الى اكواخ لبيع القهوة والحلويات والخضار. وترافق ذلك مع عجز بلدية صيدا عن ضبط الوضع وإزالة التعديات على الأملاك العامة والارصفة وامتناع القوى الامنية المعنية بالقيام بواجباتها تجاه مدينة قدمت كل ما تملك لتكون حضناً آمناً للنازحين.
هذا الوضع تلازم مع قيام أشخاص ومجموعات تطالب بلدية صيدا بإزالة كل المخالفات، وبغض النظر عن النتائج التي يمكن ان تظهر بعد اي اجراء مطلوب من البلدية القيام به، ومن دون معرفة القدرات الفعلية لها، هذه الدعوة تنطلق من موقع سياسي ومذهبي يحمّل النازحين مسؤولية التجاوزات التي يقوم بها البعض، كما طالب بعضهم بالإعلان عن ان مدينة صيدا مدينة مفتوحة وخالية من السلاح، بحجة عدم اعطاء اي تبرير لقصفها.
هذه الدعوات والمطالبات حملها عدد من مجموعات التواصل الاجتماعي، ما دفع عضو المجلس البلدي رامي بشاشة الى الرد عليها عبر نقاش مع الأشخاص والمجموعات من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، اذ يوضح الوضع عند الكورنيش البحري بالآتي:”
ان بلدية صيدا تسعى الى حلول، لكن المشكلة اكبر منا، بعض المخالفين من اهالي المدينة والبعض الآخر من النازحين. بدأنا بمتابعة الموضوع بالتنسيق مع القوى الأمنية، الشرطة البلدية غير كافية وغير قادرة للعمل وحيدة، نحاول أن نقوم بشيء ينظم الوضع، وعلينا أن نتعاون بوعي.
تنتقل الاخبار عبر وسائل التواصل الاجتماعي بدون تدقيق، يقول البعض ان هناك انتشاراً للسلاح عند البسطات، اقول لهم: يجب اخبار القوى الامنية، انها المسؤولة عن ذلك وليس البلدية، لأن شرطتها ليست مسؤولة عن ذلك”.
ويقول احد الناشطين :” هناك هجوم كبير على البلدية واتهامها بعدم معالجة المخالفات، لنكن واضحين، وانا لست من مؤيدي المجلس البلدي، لكن ما يحصل من مخالفات يفوق قدرة بلدية صيدا، التي وجهت إنذارات للمخالفين، صحيح هناك تجاوزات وفوضى عارمة، وخصوصا ان المدينة لا تستطيع استيعاب هذا الكم الكبير والمفاجىء، والطرقات لا تستوعب هذا العدد من السيارات والدراجات النارية ولا توجد مواقف مناسبة، وهذا ما أوجد عجقة السير الحالية.
لكن ما تشهده المدينة، وهذا مخالف لتاريخها وبيئتها الوطنية، من حديث حول تغيير ديموغرافي وأن بعض النازحين يشتري ويستثمر في المدينة، ان هذا منظور تحريضي لا يمت للانتماء الوطني بشيء.
لكن لنكن واضحين، هناك مخالفات كبيرة، إمكانيات البلدية ضعيفة، لا اهتمام فعلي من القوى الامنية، ويبدو ان هناك قراراً بعدم التدخل وإزالة التعديات والمخالفات، وكل مسؤول يقول “اتصلوا اذا أردتم” ولكن هم في عالم آخر”.
ويختم الناشط باقتراح يناشد البلدية بتنفيذه:” اقترح ان يدعو المجلس البلدي إلى اجتماع عام يضم النواب والقوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والمجموعات الأهلية المختلفة لنقاش الوضع وتقديم الاقتراح المناسب ودراسة سبل الضغط على السلطات المركزية التي يبدو أنها غير مبالية بما يحصل في صيدا”.
ويعلق ناشط مدني صيداوي عما يحصل في المدينة، قائلا:
“تقول الرواية اللبنانية ان في لبنان حكومة تقوم بتنفيذ الخدمات العامة للمواطنين وفق القوانين النافذة والمقرة في مجلس النواب.
والحكومة تضم وزارات كل منها تهتم بجانب من جوانب الحياة للمواطنين، وهذا ما نسمعه وما نقرأه ولكن لا نراه على ارض الواقع.
في لبنان وزارة الداخلية وهي تحوي أجهزة إدارية وأمنية تتعلق بالحياة اليومية للناس وعلاقاتهم مع السلطة وببعضهم البعض.
نسمع ان من مهام وزارة الداخلية إنجاح سبل عيش المواطنين ومنع اي تعدي على الأملاك العامة أو أملاك الآخرين.
لكن في مدينة صيدا، التي يقال انها المدينة الثالثة في لبنان، والحاضنة لكل مقيم فيها، لكنها مدينة ليست يتيمة بل لطيمة.
مدينة تعيش المآسي بكل أنواعها، لكننا سنشير هنا الى احدى المآسي التي تعيشها صيدا والمقيمين فيها.
تتجلى المأساة بغياب القوى الامنية المسؤولة عن تنفيذ القوانين.
تشهد صيدا زحمة سير كبيرة، وخصوصاً بعد النزوح الكبير خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، اذ ان احداً لا يلحظ وجود قوى أمن تنظم السير فيها، الشوارع مليئة بالسيارات والدراجات النارية ومعظم السائقين لا يلتزم القانون او يحترمه، وعند سؤال اي مسؤول محلي يكون الجواب جاهزاً: “القوى الامنية لا تقوم بواجباتها”.
في مدينة صيدا الادارية تشهد معظم شوارع المدينة أزمة سير وتوقف السيارات صفين او أكثر بدون اي متابعة او ملاحقة من القوى الامنية المعنية.
وعند مراجعة مسؤول الشرطة البلدية، كان جوابه:” لتنظيم أمور السير، نحن بحاجة لمرافقة من القوى الامنية، ولا احد يلبي طلبنا”.
عادت بي الذاكرة قبل فترة، عندما زار وفد من بلدية صيدا رئيس الحكومة ووزير الداخلية وكان هناك وعد بالمساعدة، ونُفذ الوعد ليوم واحد فقط واذكر كان يوم الإثنين.
والمصيبة الأكبر التي تعيشها المدينة هي الدراجات النارية ذات الفوضى الخلاقة، ونعود بالذاكرة الى شهر كانون الثاني الماضي عندما أعلن وزير الداخلية احمد الحجار ان الوزارة ستنفذ القوانين المتعلقة بالدراجات النارية ابتداء من اول شهر شباط، لكني لم انتبه اذا كان يعني عام 2026 او بعد عقد من الزمن.
القانون اللبناني واضح في هذا المجال وقد حدد شروط استخدام الدراجة النارية، كالتسجيل، وعمر ألسائق، وارتداء الخوذة، والالتزام بشروط وقوانين السير، لا نريد اكثر من ذلك، لكن مصدر بلدي يقول انه راجع المحافظ بالموضوع، واكد المحافظ على ضرورة تنفيذ قرار منع استخدام الدراجات النارية الصادر عام 1999.
بين مطلب فعاليات المدينة بضرورة تطبيق القانون وإصرار محافظ الجنوب بتطبيق القرار المذكور، وعدم اقدام اي من الطرفين على تحقيق اي من المطلبين جعل المدينة تشهد مزيداً من الفوضى الخلاقة وحوادث السير اليومية وغياب قوى الأمن اليومية.
يقول بعض المسؤولين انه لا يوجد عديد من القوى الامنية كاف للقيام بتطبيق القانون، يشرد الانسان ويتذكر كيف كانت الشوارع الرئيسة في المدينة منضبطة ومضبوطة يوم زار وزير الداخلية السراي الحكومي، هل الحكومة بسمنة والشعب بزيت؟
كيف حكومة تعلن انها مع حصر السلاح وامساك الأمن، وغير قادرة على تنفيذ قوانين السير في المدينة الثالثة من لبنان؟
ما يساعد السلطات المعنية على اللامبالاة وعدم الأهتمام هو غياب كتلة اجتماعية قادرة على تشكيل قوة مدنية ضاغطة لتطبيق القانون، لأنه المدخل الوحيد لبناء دولة بديلا عن الدويلات.
ان الاختلاف بوجهات النظر حول معالجة تداعيات النزوح الى صيدا يشكل مدخلاً لوضع خطة واقعية للمعالجة، اذا اُحسن ادارة الاختلاف، بديلاً عن خطب تحريضية تزيد من مأساة الوطن.
