(الصورة: “عسكر على مين يا عسكر؟)
(غَير المغفور له إميل لحّود فرَضَ زيادات في رواتب العسكر سمحت لضباط في عمر الشباب أن يتقاعد الواحد منهم بتعويض نصف مليون دولار! قبل ذلك، ظلّ “اليسار” يطالب بإدخال المعلّمين المتعاقدين إلى المِلاك إلى أن “قَطَفَها” نبيه برّي وأدخل عشرات الألوف من “البرِّيين” إلى الدولة! نصرالله تسبّب بدمار الجنوب و”نعيم” يطالب “نوّاف” بالإعمار! ــ ــ الشفاف)
*
بين اللبنانيين والدولة علاقةٌ ملتبسة، ينقصها تحديدُ مفهوم الدولة أولًا والمواطن ثانياً، وما هي طبيعة العلاقة بينهما.
فالدولة ليست جسماً مستقلاً يعمل لخدمة المواطن فقط دون أن تكون للأخير واجباتٌ تجاهها. حتى إن العديد من اللبنانيين انقلبوا على الدولة لصالح فئويتهم الميليشياوية، وعندما استتب لهم الأمر داخل طوائفهم، تذكروا أن هناك دولة تُعينهم بقوة القانون على فرض الغلبة على مواطنيهم في سائر الوطن، باستخدام القانون ومنطق الدولة الذي أمعنوا في انتهاكه، على قاعدة: “ما لنا لنا وحدنا، وما لكم لنا ولكم“.
ليست الدولة اللبنانية مثالية في تعاطيها مع مواطنيها، أقله في العقود الخمسة المنصرمة، ما تسبب بتعميق الهوة بين المواطن والدولة بوصفها الضامن الأمني والاجتماعي لتحقيق العدالة وتكافؤ الفرص بين أبنائها. فكانت دولةً مختلفة الاتجاهات؛ فهي تارةً في خدمة الميليشيات المسيحية التي فرضت سيطرتها على مناطق ذات غالبية مسيحية، وطوراً في خدمة ميليشيات إسلامية، خصوصاً “حزب الله” الذي أمعن في استكراد الدولة وفرض هيمنته على مفاصلها المختلفة لخدمة مشروعه أولاً، وعلى الهامش فرض هيمنة الشيعة على الدولة.
ومع ذلك، فاللبنانيون يطالبون الدولة — كلٌّ من وجهته — بممارسة مهامها والاضطلاع بدورها المتعارف عليه. تختلف المقاربات هنا: فالمسيحيون يريدون الدولة التي كانت قبل اندلاع الحرب عام 1975، ويتباكون على ما يعتبرونه “خسارة امتيازاتهم”، ولا ينفكون يمنّون سائر اللبنانيين بفضائل عهد “المارونية السياسية” الذي أنجز مؤسسات وازدهاراً اقتصادياً هو في حده الأدنى من أولويات واجبات الدولة.
أما المسلمون السُنَّة، فيريدون من الدولة العودة إلى زمن الرخاء الاقتصادي الذي عاشه اللبنانيون عموماً والسُنَّة خصوصاً في عهد “الحريرية السياسية“. في حين يريد المسلمون الشيعة تأبيد وضع الدولة بوضعها الراهن لخدمة مشروع “حزب الله”. وهذا ما يتضح من آليات العرقلة التي يعتمدها الثنائي الشيعي في كل شأن يتصل بمهام الدولة؛ من حصرية السلاح، إلى تعيين رئيس للجامعة اللبنانية، واحتكار وزارة المالية، وما بينهما من تعيينات ووظائف أمنية وعسكرية ومدنية.
مناسبة القول هي التحركات المطلبية التي انطلقت مؤخراً للمطالبة برفع الحد الأدنى للأجور، دون الأخذ بعين الاعتبار قدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتٍ سوف تطيح بالاستقرار النقدي الهش الذي يعيشه لبنان اليوم. المطالب العمالية والنقابية، ومطالب القطاع العام والعسكريين المتقاعدين أو الذين يواصلون مهامهم، والمدرسين؛ كلها مطالب محقة، فالأزمة الاقتصادية والتضخم وارتفاع أسعار المحروقات تأكل يومياً من قدرات المواطنين وتثقل كاهلهم بأعباء المعيشة.
وهنا تبرز المفارقة: هل الدولة قادرة على إعطاء زيادات ورفع الرواتب والأجور؟ وليس هذه الدولة فحسب، بل أي دولة كانت في ظروفها؟ فمن أين ستأتي الدولة بالمال؟ الاقتصاد يترنح، والبلاد تعيش حالة حرب مستمرة منذ أربع سنوات، والحصار الاقتصادي لجم إلى حد كبير تحويلات المغتربين وقلّص حجمها بنسب هائلة، والعائدات الضريبية تراجعت بنسب كبيرة بسبب عدم القدرة على الدفع من جهة، وتراجع حركة الصادرات والواردات، وتراجع الحركة السياحية إلى حد كبير بسبب الحرب واقتصارها على اللبنانيين الذين يزورون أقاربهم دورياً.
فمن أين تأتي الموارد المالية للدولة؟ وكيف لدولة على شفير الإفلاس أن تقوم بتبذير القليل المتبقي من مواردها لرفع رواتب وأجور مستحقة؟ وهل الإضرابات وقطع الطرقات يضاعفان مداخيل الدولة لتعطي زياداتٍ على الرواتب والأجور؟
الحريُّ بالمطالبين بالزيادات وتخفيف الأعباء المعيشية الشروعُ في نقاشٍ مع المسؤولين في الدولة لإيجاد حلول تراعي قدرة الدولة من جهة وحاجاتهم من جهة ثانية، أسوةً بما حصل سابقاً ويحصل في كل دول العالم التي عانت وتعاني أزمات اقتصادية. ففي روسيا بعد الحرب العالمية الثانية، ونتيجة الحرب والحصار الذي فُرِض على الاتحاد السوفياتي إبان الحرب الباردة، عاش المواطنون تقشفاً اقتصادياً استمر حتى عهد غورباتشوف والبيريسترويكا. وكذلك الأمر في دول عدة مرت بظروف شبيهة بالتي نمر بها.
أليس الأجدى أن تقوم الهيئات العمالية والنقابية بدور رقابي ضاغط على الحكومة لتسريع الخطوات الإصلاحية، وتكون الإضرابات لإقرار قوانين إصلاحية في الشؤون المالية والاقتصادية ومتابعة تنفيذها؟
أليس الأجدى أن يعمل قطاع المدرسين على تنقية نفسه من تخمة المدرسين والذين يزاولون التدريس في المدرسة الرسمية والمدارس الخاصة معاً، ويقدم دراسة علمية للحكومة بحاجة لبنان الفعلية إلى المدرسين والارتقاء بالتعليم الرسمي وإعادته إلى سابق عهده منافساً جدياً للتعليم الخاص؟
أما بالنسبة للأجهزة الأمنية والعسكرية، فالتقديمات التي حصلوا ويحصلون عليها ليست قليلة؛ من تأمينات صحية وتعليمية، إضافة إلى تعويضات نهاية الخدمة ورواتب التقاعد التي لا تُعطى حتى في أكبر جيوش العالم، فضلاً عن احتساب سنوات الحرب وتعويضاتها، ما يعطي العسكريين الحق في التقاعد بعمر مبكر يتيح لهم مزاولة عمل آخر.
من هنا يجب ان يبدأ النقاش مع الدولة، ماذا تقدم هذه القطاعات من خدمات وما هي ايراداتها للدولة، وما هي الاعباء التي تفرضها على الخزينة وعلى سائر المواطنين تحملها من اجل ان بنعم قطاع عام انتاجيته لا توازي حجمه المتضخم.
الدولة مطالبةٌ بالكثير، وعلى نفس القدر الهيئات العمالية والنقابية مطالبةٌ بما هو أكبر. فالإضرابات التي ظاهرها مطلبي محق وباطنها تغيير الحكومة تعمق الأزمة الاقتصادية ولن تجد حلاً لها، فلا هذه الحكومة ولا سواها سيكون لها القدرة على تلبية المطالب العمالية دون زيادة نسبة التضخم وتعميق الأزمة أكثر.
لعل الأجدى بالهيئات العمالية العملُ على مساعدة الحكومة — ولو رغماً عنها — للشروع في ورشة إصلاح مالي واقتصادي لا تأخذ بعين الاعتبار طائفة ولا دينيين ولا مذهبيين، وأن تكون سلطة رقابية على عمل الحكومة طالما تخلى المجلس النيابي عن مهمته الرقابية، فيكون الشارع هو الوسيلة المناسبة لوضع البلاد على طريق الرقي والازدهار.
