رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط حيَّرَ اللبنانيين، بمواقفه المتناقضة والمثيرة للجدل. فهو مع التفاوض المباشر، وهو ضد “اتفاق الاطار”، ويدعو الى اسقاطه. وينتقد الوفد المفاوض، متهما اياه بقلة الخبرة، ويسعى كعادته الى جر الطائفة الدرزية وراءه!
لفهم موقف جنبلاط يجب النظر الى جملة هواجس حكمت وتحكم سلوكه السياسي منذ توليه زعامة الاشتراكيين والحركة الوطنية والطائفة الدرزية خلفا لوالده الشهيد كمال جنبلاط.
جنبلاط لا يقبل سوى آحادية الزعامة،. ويُنقل عنه قوله لاحد اصدقائه الذي خاطبه قائلا “سوف اتوجه الى المختارة لمقابلة تيمور بيك”، أنه أجاب: “في المختارة بيك واحد”.
وعندما سئل ذات يوم، لماذا لا توصي بتوزير مدير اعمالك وارزاقك “بهيج ابو حمزة”، كان جواب جنبلاط مفاجئا حين قال “”هل تريدون ان تسلك سيارة بنمرة من رقمين فوق المختارة؟” في إشارة الى مسقط رأس بهيج ابو حمزة في بلدة الخريبة” التي تعلو جغرافيا بلدة “المختارة”.
فإذا كان “البيك” لا يعترف بلقب “البيك” لنجله، فهل سيعترف به لأي درزي سواه بأي دور؟ فكيف إذا كان هذا الدرزي هو السفيرة ندى حماده التي أشاد بقدرتها وصلابتها على التفاوض حتى خصومها على الطاولة والراعي الاميركي على حد سواء.
علما ان آل حماده في بعقلين ينقسمون بين مؤيد لجنبلاط ومعارض له، ومن العائلة المعارضة تتحدر السفيرة ندى حماده.
إضافة الى ما سبق، فإن أي اتفاق لبناني اسرائيلي، سيكون مقرونا باتفاق سوري اسرائيلي، وهذا ما يعطي دروز اسرائيل حجما ودورا لطالما كان جنبلاط لا يضعه في حسابات نفوذه. كذلك الدروز في جبل العرب، الذين يوالون الشيخ الهجري. وتاليا فإن دروز اسرائيل وسوريا سيخطفان من نفوذ جنبلاط الكثير، عند حلول السلام اللبناني الاسرائيلي، والسوري الاسرائيلي من جهة.
وفي هذا الصدد، تقول مصادر في بيروت أن “البيك” الجنبلاطي، الذي أجرى مقابلة مع قناة “الجزيرة” مؤخراً، قد حصل على دعم مالي قطري مقابل الدعم المالي الذي تقول مصادر سورية موثوقة أن دولة الإمارات تقدّمه للشيخ الهجري وحلفائه.
وعطفا على كل ما سبق، لا بد من الاخذ في الاعتبار العلاقة والحلف التاريخي الذي يربط جنبلاط بالرئيس نبيه بري، بحيث يقول جنبلاط الكلام الذي يخشى بري قوله فيشكل بهذا المعنى، درعا واقيا امام بري، وانعكاسا لما يريده بري، وفي يقين الاثنين ان بامكانهما تكرار تجربة إسقاط “اتفاق 17 أيار”، مع التغير الكبير في الظروف التي أحاطت بذلك الاتفاق وب “اتفاق الإطار”.
ولعل أكثر ما يزعج جنبلاط اليوم ليس فقط أن أحداً لا يأخذ برأيه، بل أن أحداً لم يعد يشعر بالحاجة إلى الرد عليه أصلاً. ففي السياسة اللبنانية، لا شيء يؤلم الزعيم أكثر من أن يتكلم لساعات ثم يكتشف أن الحضور منشغلون بهواتفهم.
لقد اعتاد جنبلاط أن يكون في قلب كل تسوية، أو على الأقل في غرفة الانتظار المؤدية إليها. أما اليوم، فتجري الاجتماعات والاتصالات والمفاوضات، فيما يبدو أن صاحب المختارة يطالع نتائجها من الأخبار مثل بقية اللبنانيين، مع فارق أنه يعرف معظم المشاركين شخصياً.
وإذا كان الرجل قد أمضى عقوداً وهو يلعب دور “بيضة القبان”، فإن المشكلة الحالية أن الميزان نفسه تبدّل، وأصبح هناك من يعتقد أن القبان يمكن أن يعمل من دون البيضة.
أما رهانه على إسقاط “اتفاق الإطار” واستعادة مشهد إسقاط اتفاق 17 أيار، فيشبه إلى حد ما محاولة إعادة عرض فيلم قديم بعد تغيير الممثلين والمخرج والجمهور وقاعة السينما نفسها. الذكريات جميلة، لكن الظروف أقل حنيناً.
وفي النهاية، إذا كان الرئيس نبيه بري يتجنب المواجهة المباشرة ويفضّل إرسال الرسائل عبر الحلفاء والأصدقاء، فإن السؤال الذي يفرض نفسه: إذا كان صاحب عين التينة متردداً في خوض المعركة بنفسه، فكيف بصاحب المختارة الذي يراقب المعركة من الشرفة ويصرّ على إعطاء التعليمات للمقاتلين في الأسفل؟
وربما يكون التوصيف الأدق لوضع جنبلاط اليوم أنه لا يزال يتصرف كمدير حركة القطارات في محطة غادرها القطار منذ وقت طويل، فيما هو لا يزال يلوّح بالصافرة ويطلب من الركاب العودة إلى المحطة!



أفضل توصيف لحالة جنبلاط