منذ توقيع “إطار العمل” بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة في واشنطن في 26 حزيران 2026، انبرت أطراف لبنانية مختلفة لتنتقده بحجج ليست، في مضمونها، مختلفة. بل إن معظمها يكرّر ما يقوله حزب الله بصيَغ متواربة بشكل مضحك.
أما بعض “اليساريين” الذين وقفوا سابقًا، عام 2005 ، إلى جانب القرار الأممي 1559 (الذي دعا إلى انسحاب الجيش السوري وبسط الحكومة اللبنانية سلطتها وحدها على كامل التراب ونزع أي سلاح غير شرعي)، فيتجنّبون اليوم أي كلمة عن تنفيذ القرارات الدولية، ولا سيما القرار 1701. وينتقد هؤلاء القرارات الحكومية الآنفة، قافزين إلى تهكمات صبيانية على “السلطة” التي “اتخذتها مع علمها بعدم إمكانية تنفيذها”. بل ويذهبون بعيدًا ليتباكوا على خسارة لبنان “حقه في مقاضاة إسرائيل أمام المحاكم الدولية”، وعلى تقديم لبنان يد العون لانتشال نتنياهو من مأزقه الدولي والداخلي (كذا).
يسارٌ آخر أكثر “صبيانية” يلتصق بالحزب تمامًا ليرفض “نزع سلاحه”، أو مجرّد التفكير في ذلك، قبل انسحاب إسرائيل الكامل من لبنان. (لا ضرورة لتضييع الوقت عليه).
ثم يأتي يسارٌ أكثر يسارية يحاذر اتخاذ الموقف وكأنه آفة، أو بالأحرى يحاذر اتخاذ موقف واحد، ليس للا أدرية مستجدة وقد تكون محمودة، فليس في مواقف السياسة الجدية “لا أدري” أو “والله أعلم” على عكس أحداثها وتدبيراتها ومكائدها، وإنما لعله استسهال تصفية الجميع بأقل قدر من الطلقات.. وأكبر قدر من الفلسفات.
وبعد اليسار، يأتي دور اليمين “القومي العربي” المُحاسبجي، بقلمٍ وراء الأذن، لِيُدَوزِن عداءه لإيران بعدائه لإسرائيل، ذائبًا بالقمم العربية الهزلية ولا ثلوج عليها ولا ماء، وفي انتظاراته لأحلاف إسلامية تعيد الأندلس..إلى الشاشات التي يشاهدها فحسب.
الهدنة أرجوكم!
ولكن لماذا يصرّ وليد جنبلاط، الذي يفصل بين “تسليم سلاح الحزب” و”الاتفاق” مع إسرائيل، على العودة إلى اتفاق الهدنة؟ وهل يقصد نصَّ الاتفاق أم طريقةَ تطبيقه منذ توقيعه في 23 آذار 1949 في الناقورة وإلى اليوم؟
هل اتفاق الهدنة، الذي حدَّدَ عددَ القوات (الحكومية) العسكرية “الدفاعية” على طرفي الحدود (1500 ضابط وجندي)، صالحٌ اليوم، في حين أن الحدود لم تعد أصلا موجودة في ظل احتلال إسرائيل لما يقارب 700 كلم مربع داخل الأراضي اللبنانية؟
هل اتفاق الهدنة الذي ينص على تعهد الجانبين بعدم السماح بوجود قوات غير نظامية (ميليشيات) على طرفي الحدود لمنع قيامها بأي عمل عدواني (وأي خرق بري أو بحري أو جوي) قد طُبِّقَ منذ 1949؟ كيف منع الـ1500 عنصر من الجيش اللبناني الميليشيات الفلسطينية من خرق الاتفاق؟ وكيف منعوا اسرائيل من الرد عليهم؟
ومن ثم، بعد طرد جيش منظمة التحرير الفلسطينية من الجنوب وبيروت وبعد انسحاب اسرائيل عام 2000 ، كيف منع اتفاقُ الهدنة “حزب الله” من “حمل المشعل” الذي أشعل الجنوب والجميع مرارا وتكرارا؟
الحقيقة أن وليد جنبلاط وصديقه الحميم نبيه بري إنما يريدان هذه النوعية من الاتفاقات بالذات. اتفاق على الورق فحسب، يسمح لهما بالحفاظ على مكانتهما المتأرجحة في معادلة بهذه الهشاشة.
والمفارقة أن إسرائيل، إن لم تستطع فرض ترتيبات تناسبها (بعد أحداث 7 أوكتوبر)، لن تكون منزعجة من “فوضى” حدودية تضبط إيقاعها بالحديد والنار، تطلق يدها ولا تقيّدها، خاصة بعد الجولات الأخيرة التي خرجت منها منتصرة، وتستخدمها انتخابيًا ودوليًا وتحشد بسببها دعمًا عسكريًا مستمرًا.
غمز ولمز
هذا الاتفاق سيء للبنان. بالتأكيد. كلامٌ صحيح في المطلق، وفي الصالونات الفيسبوكية، وأمام فناجين القهوة. ولكن في واقع لبنان الحالي هو اتفاق معقول وواقعي جدا. ولو أننا لن نحاكم نتنياهو (خسارة ضاعت، كما ضيعنا فرصة محاكمة ملالي طهران على السواء).
ولكن حان وقت تسليم حزب الله لسلاحه. إسرائيل ستتلاعب بنا وبواشنطن، ولكننا جميعنا نعلم أنها لن تنسحب فعليًا وبشكل تام من دون هذا الشرط. وهو شرطٌ لقيام الدولة أساسًا. ومن قال أن هذه “الدولة” هي ما نريد؟ “هذه دولة فئوية فاسدة فاشلة لم تبن وطنا حقيقيًا”..إلى أخر هذا المزمور المكرور، وعَود على بدء تفاهات اليسار واليمين والوسط، والخطوط الأولى والثانية والمخترَعة الثالثة الأخرى.
يغمزني أحدهم: ولكن ما تراه اليوم لن يكون حاصلًا غدًا. الأميركيون قد يسقطون ترامب في الانتخابات. وإسرائيل قد تسقط نتنياهو، ونعود إلى المعادلات السابقة. إيران على المتوسط مجددا. العرب يهرولون إلى حلفائها تركيا وباكستان.. ويعود “توازن الرعب”.. وإلى الجحيم رعب أطفال وأهالي القرى والبلدات الجنوبية، وإلى الجحيم مستقبلهم أيضًا! فالمهم أن لا نعترف بانتصار العدو ولو لساعة واحدة.
هذه ما تتفتق عنه ذهنيات تربّت على الأوهام المموَّلة. وقد تنجح رهاناتهم. مَن يعرف؟
ولكننا لن ننسى “الثوري النوري الكلمنجي.. هلاب الدين الشفطنجي.. قاعد في الصف الأكلنجي.. يتمركس بعض الأيام، ويتمسلم بعض الأيام، ويصاحب كل الحكام.. شوكولاتة وحلاويلا ..”
