7 تشرين الأول / أكتوبر 2026
لحظة الاختيار — من رونالد ريغان عام 1964 إلى ماركو روبيو عام 2026
تنتشر الآثار العظيمة في مختلف أنحاء العالم. وفي كثير من الأحيان، تبدو هذه الأماكن وكأن التاريخ قد استنفد فيها طاقته، فلم يبقَ منها سوى أطلال حضارات بعيدة، انقضى عهدها منذ زمن طويل، وغابت عن الذاكرة الحيّة للبشرية.
لكن “الأكروبوليس” مختلف.
فمنذ آلاف السنين، ما فتئت الحضارة التي شيّدت ما ترونه خلفي تستحوذ على مخيّلة العالم الغربي. لقد نظر إليها أجيالٌ من رجال الدولة والفنانين والفلاسفة، نظروا إليها بدهشة وإجلال، وبإحساس عميق بالرهبة والعظمة.
والزمن، بطبيعته، يميل إلى إضعاف وقع الأشياء في نفوسنا. فالانتصارات الكبرى والهزائم الكارثية تتضاءل مع مرور القرون، حتى تصبح مجرَّدَ هوامش في كتب التاريخ، أو معلومات إضافية يحفظها أطفالنا في المدارس ثم سرعان ما ينسونها. لكن إغريق العصور القديمة ظلّوا يتمتعون بسلطان يكاد يكون سحرياً على ذاكرتنا. إنهم يَستدعُوننا إليهم، مرة بعد أخرى.
في عام 480 قبل الميلاد، وصلت جيوش “خشايارشا” إلى هذه المدينة، وأضرمت النار في مقدساتها. وكان معظم الأثينيين قد غادروا المدينة بحراً إلى جزيرة قريبة. غير أن حفنةً منهم رفضت مغادرة موطنها، فتحصّنوا داخل قلعة “الأكروبوليس” الصخرية، وخاضوا معركة أخيرة استثنائية. راحوا يقذفون الصخور الضخمة من أعالي الجروف على الغزاة الفرس، واستطاعوا، لأيام متتالية، أن يصدّوا أعظم إمبراطورية عرفها ذلك العصر. لكنهم هُزموا في النهاية. نهبَ الفرسُ المعابدَ، وأحرقوا المقدسات، وسوّوا “الأكروبوليس” بالأرض. وعندما عاد الأثينيون، جمعوا بقايا “الأكروبوليس” القديم المحطّمة، ودفنوها في التل الذي كان يقوم عليه. وبعد عقود، في عهد “بريكليس”، شيّدوا “البارثينون”.
ومنذ خمسة وعشرين قرناً، لا يزال “البارثينون” شامخاً. قامت إمبراطوريات وسقطت تحت ظلاله. وحمل أحفادُ الرجال الذين بَنَوه، أبناءُ أثينا وروما، حضارَتهم معهم إلى أقاصي الأرض.
واليوم، بعد قرنين ونصف القرن من تأسيس الجمهورية الأميركية، على الجانب الآخر من العالم، أقف أمامكم بصفتي وزير خارجية تلك الجمهورية، وحفيداً من الجيل الرابع لمستوطنين قدموا من إسبانيا إلى العالم الجديد. أقف هنا لأشهد على دَينٍ لا يستطيع مرور الزمن، ولا بُعد المسافات، أن يَمحوه أبداً.
إن تاريخ أميركا، تاريخ بلادي، يحمل بصمات العصور القديمة في كل مكان. فاليونان محفورة حرفياً في عمارة مؤسسات حكمنا: في الأعمدة الشاهقة، والقِباب، والنًصب التذكارية المنتشرة في عاصمتنا. وحتى المدينة التي وُلد فيها دستورنا، “فيلادلفيا”، تحمل اسماً يونانياً.
لقد كان الرجال الذين أسَّسوا بلادي مفتونين بالتراث الذي ورثناه عنكم. كانوا واسعي الاطلاع على التاريخ، ومدركين تماماً للمكانة الفريدة التي احتلوها فيه. لكن ما من عصر من عصور الماضي استأثر باهتمامهم وخيالهم كما فعل العصر الكلاسيكي القديم. وقد يُفاجأ كثيرون حين يعلمون أن الكاتب الأكثر استشهاداً به في «الأوراق الفيدرالية» لم يكن فيلسوفاً من فلاسفة عصر التنوير، ولا منظّراً سياسياً. بل كان بلوتارخ“، المؤرخ اليوناني الذي دوّن سيرَ عظماء اليونان وروما”.
لقد كُتب الكثير وقيل الكثير عن تأثير اليونان القديمة في أفكار الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، وفي أفكار الفلاسفة ورجال الدولة الغربيين الذين سبقوهم. ومعظمنا يعرف الخطوط العريضة لهذا التاريخ. أثينا مَنَحَتنا الديمقراطية. أفلاطون وأرسطو مَنحانا الفلسفةَ الغربية. وفي دول المدن اليونانية، تشكّلت مفاهيمُنا عن القانون والفضيلة والمواطَنة والحكم الجمهوري. بل إن جزءاً كبيراً من مفرداتنا السياسية، مثل الديمقراطية والطغيان، وحتى كلمة «السياسة» نفسها، تعود في أصولُه إلى هذه الأرض.
كل ذلك صحيح. لكن ما ندين به لهذا المكان، نحن الأميركيين ونحن الغربيين، أعمق بكثير من ذلك. فهذه المؤسسات والأفكار لم تكن سوى التعبير الظاهر عن خصائص أكثر جوهرية نراها في الإغريق القدماء، خصائص لا يمكن اختزالها في نظام سياسي أو نظرية بعينها.
هنا، في أثينا، شهدنا أول تجسيد مكتمل للصفات الأساسية التي ستصبح لاحقاً السمات المميزة للغرب: الفردية القوية والطموح الذي لا يعرف الكلل؛ الجرأة في الاستكشاف والاختراع؛ التوق إلى الاكتشاف والمغامرة والمخاطرة والمجد. الفضول الذي لا يرتوي تجاه العالم والقوانين التي تحكمه؛ والرغبة العارمة في فهم أسرار الطبيعة وكشف ألغازِ الكون. ورفض الاستسلام لفكرة المستحيل، والضيقِ بكل الحدود والقيود، والسعي الدائم إلى اختراق أعماق المجهول.
لم تكن هذه مجرد قواعد أو تعاليم لمدرسة فلسفية معينة. بل كانت صفات شعب بأكمله، تجلّت في تقاليده وقصصه وخياله، وفي الفضائل التي كان يطالب مواطنيه بالتحلّي بها، وفي القيم التي عاش من أجلها وقاتل ومات دفاعاً عنها. أن نعرفهم هو أن نعرف أنفسنا.
ما ازدهر هنا كان الرغبة الغربية في كشف كل ما حجبه الجهل والظلام والمسافات عن عقل الإنسان. لم يكتفِ الإغريق بصناعة التاريخ؛ بل منحونا التاريخ نفسه. فالكثير مما نعرفه عن حضارات قديمة عديدة وصل إلينا، بصورة شبه كاملة، من خلال سجلات المستكشفين والمؤرخين اليونانيين. وهؤلاء لم يكتفوا بتدوين تاريخ شعوبهم، بل انطلقوا إلى الخارج لمراقبة وتسجيل حكايات الشعوب والثقافات الأجنبية في مختلف أنحاء العالم.
وحيث انكفأ الآخرون إلى الداخل، كان الإغريق أول من وجّه أنظاره إلى الخارج، سعياً وراء متعة اكتشاف كل ما هو غريب وجديد، ومجدي. وهذه الخصلة هي التي دفعت الغرب لاحقاً إلى ابتكار وبناء أشياء لم يستطع غيره إنجازها، وميّزته عن ثقافات وحضارات عديدة كانت ترى في الاستقرار وتأمين سبل العيش الغاية العليا للحياة.
لكننا لم نرث عن الإغريق مجرد الطموح إلى استكشاف المجهول. لقد ورثنا أيضاً الإيمان بأن المجهول قابل للمعرفة. الثقة بأن العالم يمكن رسم خرائطه وقياسه وفهمه، وأن الكون تحكمه منظومة عقلانية من القوانين الأساسية التي يستطيع الإنسان ملاحظتها، ويستطيع العقل إدراكها.
كان ذلك أساس العقل الغربي: رياضياتنا، وعلومنا، وطبّنا. فلسفتنا، وأخلاقنا، وديننا. وقد مهّد ذلك الطريق أمام بشارة يسوع المسيح لتجد أرضاً خصبة في أوروبا، فتزدهر وتتسع حتى تنشأ حضارة العالم المسيحي. وكان هذا أيضاً أساس الثراء الفكري للاهوت المسيحي، من أوغسطينوس إلى توما الأكويني، وصولاً إلى تقليد القانون الطبيعي بأكمله.
ومن هنا وُلدت حضارة لم تجمع أبناءها ثقافةٌ مشتركة فحسب، بل جمعتهم أيضاً رؤيةٌ مشتركة للإنسان ولمكانته في الكون. لقد تقاسم وَرثتُها ليس فقط فكرة وجود نظام طبيعي، بل فهماً مميزاً للفضيلة، والمصير والقدر، والحقيقة والخير والجمال، ولمبادئ تحدّد كيف ينبغي للإنسان أن يعيش، ولمعايير موضوعية ومُثل عليا يسعى إلى بلوغها.
بالنسبة إلى الإغريق القدماء، كان السعي إلى الامتياز هو المبدأ الجوهري لوجود الإنسان. لقد نظّموا الحياة المدنية بأكملها حول التنافس والطموح والمباراة: في الفلسفة والشعر، والنحت والمسرح، والرياضة والفنون، والحرب وفن الحكم. كانت المدينة اليونانية الكلاسيكية ميداناً يختبر فيه الرجال العظام أنفسهم ويثبتون جدارتهم، ويصقلون إمكاناتهم عبر الكفاح المتواصل. أن يكون المرء الأفضل، والأقوى، والأجمل، وأن يقترب باستمرار من الكمال.
وأعلم أن ما وصفته للتو قد يبدو غريباً على مسامع الإنسان المعاصر، بل ربما يبدو قاسياً. فالمثال الأعلى لكثير من الأيديولوجيات في عصرنا أصبح، بصراحة، عالماً تسوده السلامة المطلقة، خالياً من المخاطر والإخفاقات، لا مجدَ فيه للنصر ولا عار للهزيمة. وكثيراً ما أصبحنا اليوم نبني نحو الأسفل. نصمّم معاييرنا بحيث نضمن ألا يخسر أحد. وننشغل براحة الأضعف أكثر من اهتمامنا بإمكانات الأفضل. ونجعل أكثر ما لدينا تميّزاً رهينة للمستوى المتوسط والعادي والرديء.
أما الرجال الذين بنوا “البارثينون”، فقد بنوا نحو الأعلى. لقد اعتقدوا أن أسمى تطلعات الحياة وأنبلها هي التفوّق على الآخرين، والسعي إلى أن يكون الإنسان الأفضل في كل شيء. كانت دول المدن اليونانية القديمة تعجّ بالعواطف الجياشة، والتنافس الشديد، والانقسامات والصراعات. لكن من ذلك الصراع الدائم من أجل التميّز، انبثق ازدهار عظيم للفنون والفلسفة والطاقة السياسية والفكرية، حوّل مجموعة من مدن البحر المتوسط إلى مهد أعظم حضارة في العالم.
لقد سمّى الإغريق القدماء هذه الروح «ثيموس» — نار العاطفة والقوة والشجاعة والكبرياء. وهي قلب الحضارة العظيمة. ومن دونها، تفقد الأمم إرادتها في القتال، وإرادتها في السعي، وإرادتها في البقاء.
واليوم، نسي جزء كبير من الغرب هذه الخصلة. فمع مرور الزمن، بدأنا نحن الغربيين نشعر بالخجل من الأشياء ذاتها التي جعلتنا استثنائيين. وأصبحنا نتحرّج من أن إنجازاتنا ميّزتنا عن بقية العالم. وتحوّل ازدهارنا، بطريقة ما، إلى مصدر للشعور بالذنب. ولم نعد نؤمن بأننا نستحق عظمتنا، أو بأننا اكتسبناها بجهودنا.
أصبحت كلمة «القومية» كلمة مشينة. فأزلنا نصبنا التذكارية، وأدنّا تاريخنا. وفي أماكن كثيرة، علّمنا أطفالنا أن يخجلوا من البلدان التي سيرثونها. وفي هذه الأثناء، فتحنا حدودنا، ونقلنا صناعاتنا إلى الخارج، وتركنا جيوشنا تضعف وتتداعى. ومع كل عام يمر، بدا أننا نتنازل عن مزيد من سيادتنا، وننقل قراراتنا إلى بيروقراطيات عالمية بعيدة عن متناول رقابتنا.
لكن آخرين كانوا سعداء للغاية بملء الفراغ الذي تركناه، الفراغ الذي خلّفه ضعفنا. وبينما تراجعت ثقة الغرب بنفسه، ازداد خصومه ومنافسوه جرأة، وراحوا يعزّزون ثرواتهم وقوتهم على حسابنا.
واليوم، نجد أنفسنا أمام مفترق طرق. فالسنوات العشر المقبلة، والقرارات التي سنتخذها خلالها، ستكتب قصة القرن المقبل. والمسار الذي سنختاره سيحدّد ما إذا كان الغرب سيحافظ على موقعه في طليعة العالم، أم سَيَستَسلم لمستقبل من الضمور والتبعية والانحدار. إما أن نختار التحرّك الآن، وإما أن نفقد القدرة على الاختيار أصلاً.
في عهد الرئيس ترامب، اتخذت الولايات المتحدة قرارها. اخترنا السعي بلا اعتذار إلى تعزيز قوتنا الوطنية. أن نستعيد السيطرة على سلاسل الإمداد الحيوية. أن نعيد تصنيع اقتصادنا. أن نعيد بناء دفاعاتنا. وأن نخوض المنافسة من أجل الهيمنة على تقنيات المستقبل وصناعاته.
اخترنا أن نتطلع إلى آفاق جديدة: في التصنيع المتقدم والذكاء الفائق؛ وفي الطائرات المسيّرة والأسلحة وفنون الحرب؛ وفي أشباه الموصلات والمعادن والأمن السيبراني، وفي كل مجال آخر من مجالات الإمكان البشري. أن نطلق طاقاتنا، ونعيد بناء مصانعنا، ونعيد رواد فضائنا إلى القمر، ونفتتح عصراً جديداً من استكشاف الفضاء.
ومع كل مُثلهم العليا، لم يكن الإغريق القدماء ساذجين. لقد فهموا أن للأمم مصالح. وفهموا أن فن الحكم يتطلب الحكمة والحذر والدبلوماسية. لكنهم فهموا أيضاً أنه يتطلب القدرة على استخدام القوة عندما تفشل الحكمة والدبلوماسية. وأدركوا أن القوة لا تعني مجرد امتلاك وسائل الدفاع عن النفس، بل تعني أيضاً امتلاك المصداقية التي تجعل الآخرين يعتقدون أنك مستعد لاستخدامها.
هذا هو الفهم الكلاسيكي للسياسة وفن الحكم الذي تسعى إدارة ترامب إلى استعادته. ليس لبلادنا وحدها، بل لحضارتنا بأسرها. نحن نؤمن بأن أوروبا قادرة على الاستيقاظ من سباتها الطويل، وإعادة إشعال النار التي أُضرمت هنا قبل آلاف السنين.
وهناك بالفعل مؤشرات على ذلك. فنحن نشهد في أنحاء هذه القارة ما نأمل أن يكون بداية تحوّل يمتد عبر جيل كامل: ارتفاعاً هائلاً في الإنفاق الدفاعي، وموجة من الشراكات والبرامج الجديدة، وتوسّعاً في التصنيع والإنتاج، استكمالاً للالتزامات الدفاعية التاريخية التي أُعلنت العام الماضي في لاهاي.
وكانت اليونان في قلب هذا التحوّل. لقد أثبت شعب هذه الأمة، مرة أخرى، أنه صديقٌ لا غنى عنه لأوروبا والولايات المتحدة على حد سواء، في كل شيء، من الطاقة إلى الهجرة إلى الدفاع، حيث كانت اليونان حليفاً نموذجياً. وأملنا الصادق أن تحذو أوروبا كلها حذوكم.
ورغم أن العواطف قد تؤدي أحياناً إلى توتير روابط المودة بين الولايات المتحدة وأوروبا، فلا يجوز السماح لها بقطع تلك الروابط. علينا معاً أن نعزّز تحالفاً قادراً على مواجهة تهديدات عصرنا. ونحن قادرون على ذلك. لأننا لا نؤمن بأن الصداقة عبر الأطلسي يجب أن تكون لعبة محصلتها صفر. بل على العكس تماماً. رؤيتنا هي لتحالف تكون قوته أكبر من مجموع قوى أعضائه.
وقد رأينا هذه الرؤية تتحقق عملياً الشهر الماضي، من خلال اتفاق جديد غير مسبوق بين الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند. اتفاق سيعيد تشكيل منطقة القطب الشمالي، ويعزّز أمن حلف شمال الأطلسي بأكمله. لقد خرج الشركاء الثلاثة في ذلك الاتفاق منتصرين. وأصبحت أوروبا كلها، وحلف الناتو، والولايات المتحدة، أكثر أمناً وقوة واستقراراً بفضله. نريد أن ننتصر معاً. ويجب أن ننتصر معاً.
لقد أصبح من الرائج اليوم الاعتقاد بأن السياسة الخارجية المستنيرة تعني إعطاء الأولوية للمجتمع الدولي على حساب شعب المرء نفسه. وأعتقد أننا، هنا أيضاً، نستطيع أن نتعلّم الكثير من رجال اليونان القديمة. فقد كانوا يعلمون أن الوفاء للوطن ليس أنانية ولا خطأ. وأن النضال دفاعاً عن مصالحه، قبل كل شيء، ليس أنانية ولا خطأ.
لقد آمنوا إيماناً راسخاً بمثال «الرجل العظيم»: ذلك الفرد الاستثنائي الذي يخلّد اسمه بأعماله. لكنهم آمنوا أيضاً بأن المجد والشهرة لا يُكتسبان إلا بالسعي والتضحية وتحقيق الإنجازات العظيمة في سبيل قضية تتجاوز الذات. كان البطل المتكرر في العالم اليوناني القديم هو الرجل المستعد لدفع أي ثمن من أجل قضية تستحق ولاءه.
نرى ذلك في سقراط، الذي رفض التخلي عن البحث عن الحقيقة، حتى عندما كلّفه ذلك حياته. ونراه في الوقفة الأسطورية للمحاربين الإسبارطيين الثلاثمئة، الذين حاصرتهم جيوش فارس الهائلة وفاقتهم عدداً بلا أمل في النجاة. ومع ذلك، رفضوا فرصة إنقاذ أنفسهم، واختاروا القتال حتى آخر رجل، بدلاً من التخلي عن مواقعهم أو واجبهم. ونراه في أسطورة أخيل الملحمية، حين عُرض عليه الاختيار بين العودة إلى وطنه والعيش حياة طويلة هادئة، أو البقاء في طروادة والموت سعياً وراء المجد الأبدي.
هذه هي الصفات التي شكّلت المخيّلة الأخلاقية الغربية. من الشهيد المسيحي الذي رفض خيانة إيمانه، إلى الوطني الذي بذل حياته في سبيل بلاده؛ من القديس “توماس مور” إلى معركة “ألامو”؛ وصولاً إلى الكلمات الخالدة التي اختُتم بها إعلان استقلال الولايات المتحدة: «ونتعاهد بعضنا أمام بعض على بذل أرواحنا وثرواتنا وشرفنا المقدس».
من الإغريق ورث الغرب إحساسه بالواجب: الولاء الذي لا ينكسر للمبادئ، وللقضية، وللوطن. أبطالنا، أبطال الغرب، هم الذين يختارون البقاء أوفياء لواجبهم، تحديداً عندما يصبح الوفاء به بالغ الصعوبة والألم. الرجل الذي يلتزم بكلمته. والجندي الذي لا يتخلى عن موقعه. وقبطان السفينة الذي يبقى معها حتى تغرق.
وهذا يختلف اختلافاً جذرياً عما نراه، حتى اليوم، لدى متعصبين مثل الملالي المتطرفين في إيران، الذين تمجّدُ ثقافتُهُم القائمة على الموت الأطفالَ الانتحاريين بوصفهم أبطالاً قوميين، وتصوّر الاستشهاد غاية في ذاته.
قد يكون أبطالنا مستعدين للموت من أجل قضيتهم. لكن أبطالنا لا يعبدون الموت. بل لأننا نقدّر الحياة، فإننا ندرك البطولة في أولئك الذين يفضّلون التضحية بها على خيانة مبادئهم.
نحن نعتبر مفاهيم الغرب عن البطولة والشرف والواجب أموراً بديهية. ونفترض أنها قيم عالمية مشتركة بين جميع البشر، في كل زمان ومكان. لكنها ليست كذلك. إنها نتاج طابع مميز نشأ هنا، وشكّل القصة الكاملة للحضارة التي جاءت بعده. حضارة يجب علينا اليوم أن نناضل للدفاع عنها بالشغف نفسه الذي دافع به عنها أسلافنا.
لقد خلفَ الرجالََ الذين بنوا “البارثينون” مهندسو العالم المسيحي الأوروبي، الذين شيّدوا كاتدرائيات ميلانو وكولونيا وفلورنسا. والسعي إلى بلوغ الكمال في تصوير الجسد البشري، الذي ألهم النحّاتين اليونانيين القدماء، وجد تعبيراً جديداً في أعمال مايكل أنجلو. أما بحث الفلاسفة اليونانيين عن بُنية الكون، فقد ورثه “كوبرنيكوس”، ثم “غاليليو”، ثم “كبلر”، ثم “نيوتن”.
وكان التعطش إلى المعرفة الجديدة هو الذي أطلق رحلة “ماجلان” الأولى حول العالم، واكتشاف “كولومبوس” للأميركتين، وصولاً إلى رحلة أبولو 11 إلى القمر. والصفات التي دفعت “الإسكندر” إلى غزو العالم المعروف بأسره، ظهرت مجدداً في قيصر”، ثم “شارلمان”، ثم “كورتيس”.
وفي أميركا، اكتشف ذلك التقليد نفسه من جديد. فقد أصبحت أرضٌ شاسعة، مفتوحة وبرية، مسرحاً لنهضة عظيمة في الخيال والطموح الغربيين. تحوّل التطلع اليوناني إلى آفاق جديدة إلى روح الريادة الأميركية نحو التخوم البعيدة. وحضارة أثينا وروما حوّلت جمهورية فتية على الساحل الأطلسي إلى قوة إمبراطورية تمتد عبر قارة بأكملها.
لقد حمل أعظمُ الأميركيين، جيلاً بعد جيل، السماتَ التي لا تخطئها العين لأسلافهم: وُلدت في أثينا، وتشكّلت في روما، وتعمّدت في العالم المسيحي، واشتدّ عودها في أتون أوروبا العصور الوسطى، واكتسبت من العبقرية الإنجليزية حبَّ الحرية، ثم عبرت المحيط الأطلسي لتولد من جديد على شواطئ عالم جديد.
وعلينا الآن، معاً، أن نعيد اكتشاف تلك الروح. إننا نقف عند نقطة تحوّل حاسمة. ليست نقطة تحوّل في تاريخ أمتي وحدها، بل في تاريخ حضارتنا بأسرها. فالتهديدات التي نواجهها اليوم حقيقية تماماً، كما كانت التهديدات التي شهدها المسرح الدرامي للعصور القديمة.
لم تختفِ المصالح الوطنية بظهور المؤسسات الدولية. ولم تختفِ الحرب لمجرد أننا فضّلنا السلام. واصلت دول أخرى التسلّح، والسعي إلى النفوذ، والتنافس على الأراضي والتكنولوجيا والموارد والأسواق والطاقة والقوة.
واليوم، عادت الحرب من جديد. وعادت المنافسة بين القوى العظمى. وعادت الهشاشة والعدوان والإرهاب، ومعها عالم كامل من التهديدات والهجمات الجديدة.
ولهذا، علينا إعادة بناء مؤسساتنا وتحالفاتنا لمواجهة هذه التهديدات معاً. مع إدراك أن الغاية من هذه المؤسسات والتحالفات ليست إلغاء سيادة الأمم التي تتكوّن منها، بل الدفاع عن تلك السيادة. وأن الأمم ليست مضطرة إلى التخلي عن هوياتها المميزة كي تعترف بمصالحها المشتركة.
لقد بنينا نموذجاً لذلك مع شركائنا هنا في اليونان. في شراكاتنا الدفاعية، وفي الطاقة والتكنولوجيا، وفي طموحنا المشترك إلى تأمين حدود أوروبا في مواجهة تهديدات الهجرة الجماعية.
تعود صداقتنا إلى السنوات الأولى من تاريخ أُمَّتي. فعندما نهضت اليونان عام 1821 لاستعادة استقلالها بعد قرون من الحكم العثماني، رأى الأميركيون في ذلك النضال شيئاً مألوفاً لديهم. وبعد ثلاث سنوات، ألقى رجل الدولة الأميركي العظيم “دانيال ويبستر” خطاباً شهيراً أمام الكونغرس، ساعد من خلاله على طرح قضية الثورة اليونانية أمام ممثلي الجمهورية الأميركية الفتية.
وقد بدأ خطابه بتوجيه أنظارهم إلى كل ما كان يحيط بهم. قال: «إن هذا الشكل الحُر من الحكم، وهذا المجلس الشعبي… وهذه الممارسة للنقاش الحر والحوار العام، وتنافس العقول مع العقول… بل حتى البناء الذي نجتمع فيه، بأعمدته المتناسقة وعمارته المزخرفة، كل ذلك يذكّرنا بأن اليونان قد وُجدت، وأننا، شأننا شأن بقية البشر، مدينون لها بالكثير».
تلك الكلمات صحيحة اليوم بقدر ما كانت صحيحة يوم نطق بها. وعلينا جميعاً، ليس الأميركيين وحدهم، بل الأوروبيين وأصدقاءنا في مختلف أنحاء الغرب، أن نتعلّم من جديد الدروس التي استخلصها أسلافنا من هذا المكان ومن تاريخه.
إن تاريخ اليونان لا يقدّم لنا مجرد لمحة عن مؤسساتنا في أشكالها الأولى. إن تاريخ اليونان يعرض أمامنا صورة أنفسنا. إنه يذكّرنا بأننا ورثة أبطال عظام. وبأن علينا أن نفخر، أن نفخر أشد الفخر، بأصولنا وبالمكان الذي أتينا منه. وعلينا أن نقف مبهورين بما استطاع أسلافنا أن ينحتوه ويشيّدوه في هذه الأرض.
إن قصة حضارتنا هي أعظم قصة عرفتها البشرية. وقد بدأت هنا، مع أول رجال الغرب ونسائه. ومنهم نستطيع أن نستعيد الفضائل والشجاعة والقوة اللازمة لمواجهة الأخطار التي تعترضنا في عصرنا.
شكراً لكم.
