الرجل الوحيد الذي يعمل اليوم، بجدّية وثبات، من أجل إحلال السلام، واستعادة الدولة وسلطة الدستور والقوانين، في لبنان هو رئيس الجمهورية، العماد جوزاف عون. وليس في هذا القول موقف سياسي بقدر ما هو توصيف لواقع قائم على الوقائع والمعطيات. أمّا بعض الآخرين، فيقفون على هامش المشهد، يؤدّي كلّ منهم دوراً مختلفاً، وفق حساباته ومصالحه وهواجسه. ولكن، قبل التوقّف عند أدوار هؤلاء ومواقفهم، لا بدّ من التمعّن في موقف رئيس الجمهورية، وفهم المنطق الذي يحكم خياراته.
لقد اختار الرئيس عون طريق السلام على الحرب، سواء أكانت حرباً مع إسرائيل أم حرباً أهلية مع حزب الله والبيئة الشيعية الأوسع.
أمّا الحرب الأولى، أي الحرب مع إسرائيل، فيسعى الرئيس إلى تجنّبها انطلاقاً من قراءة عقلانية وواقعية لموازين القوى
. فالتفاوت الهائل في القدرات العسكرية بين الطرفين يشكّل، بحدّ ذاته، رادعاً كافياً. هذا قبل الخوض أصلاً في مدى مشروعية مثل هذه الحرب أو جدواها، وهي حرب لا يمكن تبريرها بالشعارات الجوفاء والذرائع الواهية، من قبيل تحرير القدس، تلك اللازمة التي ما انفكّت تتردّد منذ أيام صلاح الدين الأيوبي، أو نصرة القضية الفلسطينية. ولكن أيّ قضية فلسطينية تحديداً؟ قضية يحيى السنوار، أم قضية الرئيس محمود عبّاس الذي يدعم بقوّة مطلب تسليم كل السلاح الفلسطيني للدولة اللبنانية وخروج فلسطينيي سوريا من لبنان؟
وأمّا الحرب الثانية، أي المواجهة الداخلية مع حزب الله وما قد تستتبعه من صدام مع البيئة الشيعية، فيعمل الرئيس على الحؤول دون وقوعها، إدراكاً منه أنّها قد تؤدّي إلى تفكّك الجيش، ولو جزئياً، وإلى إحداث تصدّعات عميقة ودائمة في البنيان الوطني، تترك في جسد لبنان ندوباً قد لا تندمل.
وفي ما يتعلّق بالحرب الأولى، تأتي الانتقادات من معسكرين.
أوّلهما المعسكر الإيراني، على الرغم من أنّ هذا المعسكر ، لم يتحمّل أعباء المواجهة المباشرة التي يدعو الآخرين إلى خوضها، ولم يكن دائماً في طليعة من قاتلوا أو دافعوا أو انخرطوا فعلياً في ميادين القتال.
وثانيهما، المعسكر العروبي السنّي الذي يتجاهل أن الدول العربية كلها خرجت من الصراع العسكري مع إسرائيل منذ 53 عاماً، أي منذ العام 1973، وأنها، جميعاً، وافقت في العام 2002 على مبادرة السلام العربية، بالحرف: « إنطلاقاً من اقتناع الدول العربية بأن الحل العسكري للنزاع لم يحقق السلام أو الأمن لأي من الإطراف ». بـ « الأطلال الأيديولوجية » وحدها، يبرّر « العروبيون » استمرار « الحل العسكري للنزاع » انطلاقاً من لبنان وحده!
وعليه، فإنّ الانتقادات الصادرة عن هذين المعسكرين تفتقر، في نظري، إلى المصداقية اللازمة: فالأولى يعتريها التناقض بين الخطاب والممارسة، والثانية لا تعدو أن تكون، في أحسن أحوالها، بلاغة سياسية، وفي أسوأها، استعراضاً مسرحياً لا يغيّر شيئاً في موازين القوى أو في الوقائع الميدانية.
أمّا في ما يتعلّق بالحرب الثانية، فتأتي الانتقادات من المعسكر الأميركي وبعض الأحزاب المسيحية.
فالولايات المتحدة، على الرغم من مطالبتها بنزع سلاح حزب الله، لم تعرض على الجيش اللبناني مساعدة عسكرية مباشرة لتنفيذ هذه المهمة، ولا دعماً من خلال حلف شمال الأطلسي، ولا إطاراً دولياً يستند إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. (بعد كل زيارة للسفير الأميركي إلى اليرزة، كان كبار ضباط « الشعبة » يهرعون إلى مكتب قائد الجيش في حينه إميل لحود لكي يطرحوا عليه سؤالاً وأحداً « ماذا قال لك السفير الأميركي؟ وكان جوابه دائماً « لا شيء »! مع تكرار « اللاشيء » اختار إميل لحود الإنتقال إلى المعسكر الآخر..!). دعوات الرئيس ترامب المتكررة لدخول جيش أحمد الشرع إلى لبنان ليست مقبولة لا من رئيس الجمهورية ولا من اللبنانيين الذين « اختبروا » الإحتلال السوري طوال 30 سنة مريرة.
وفي المقابل، لا تجد الأحزاب المسيحية التي ترفع لواء المواجهة مع حزب الله أيّ حرج في مشاركته مجلس الوزراء ومجلس النواب، بل حتى المجلس البلدي لمدينة بيروت.
وهكذا، تتكاثر الدعوات إلى المواجهة، فيما يغيب الاستعداد لتحمّل تبعاتها. ويُطلب من رئيس الجمهورية أن يقدم على خيارات مصيرية، بينما يكتفي أصحاب هذه الدعوات بإطلاق المواقف من مواقع لا يتحمّلون فيها المسؤولية المباشرة عن نتائجها.
من هنا، فإنّ خطوات الرئيس عون، الواثقة والمتأنّية في آن، هي وحدها التي يراقبها العالم باهتمام بالغ. فهو يقود رقصة السلام الوحيدة على الساحة اللبنانية، فيما يجلس الآخرون على أطراف القاعة، بعضهم يترقّب بأمل، وبعضهم يتوجّس بخشية، ولكن قلّة منهم، إن وُجدت، تُبدي استعداداً فعلياً لمساندته في هذه المرحلة المبكرة والدقيقة والمحفوفة بالمخاطر.
رئيس الحكومة: شريك في السلام، ولكن بتحفّظ
أمّا رئيس الحكومة، فيبدو أنّ موقفه لا يزال أسير اعتبارات إقليمية ودولية متشابكة.
يُسَجَّل لقاضي المحكمة الدولية السابق إنه بات الآن يرفع شعار « لبنان أولاً » بدون تردد. سوى أنه يتبنّى المقاربة السعودية القائمة على حلّ الدولتين، في وقت تجد فيه المملكة العربية السعودية نفسها أمام تحدّيات إقليمية، وفي مقدّمها التهديد الحوثي، الذي يطرح، بمفاعيله وتداعياته، احتمالات تفكّك الدول وتعدّد الكيانات، لا مجرّد قيام دولتين.
كما يبدو متأثّراً بالمقاربة الفرنسية التي ينتهجها الرئيس إيمانويل ماكرون حيال إدارة الرئيس دونالد ترامب، بما تنطوي عليه من تباينات سياسية واستراتيجية.
ولا يعني ذلك أنّ رئيس الحكومة ليس شريكاً في مسار السلام، بل إنّه لم يرتقِ بعد إلى مرتبة الشريك الكامل فيه.
فهو مع السلام، ولكن بشروط وتحفّظات. ومع المفاوضات، ولكن من دون الذهاب بها إلى نهاياتها الحاسمة أو الالتزام سلفاً بمآلاتها النهائية.
والموقف العربي، في مجمله، يتّسم بالتردّد، فيما يبدو الموقف الأوروبي أقرب إلى الارتباك وغياب الرؤية الموحّدة. وكلاهما ينعكس على مقاربة رئيس الحكومة، من دون أن يجيز ذلك التشكيك في وطنيّته أو صدق حرصه على لبنان.
وأحسب أنّه سينتهي، عاجلاً أم آجلاً، إلى الانضمام بصورة أكثر وضوحاً إلى معسكر السلام، حين تتبدّد بعض الالتباسات وتتّضح معالم الطريق.
رئيس مجلس النواب: براعة التريّث وحسابات الاحتمالات
أمّا رئيس مجلس النواب، فموقفه أكثر دقّة وتعقيداً، وأقلّ اندفاعاً نحو الالتزام. وهو، بما يمتلكه من حنكة سياسية وخبرة طويلة، أشدّ إدراكاً لحسابات اللحظة وتحوّلاتها.
ولسان حاله يقول: أنا مع السلام، ولكن لا يجوز الوثوق بالإسرائيليين. فليثبتوا حسن نيّاتهم بالانسحاب أولاً، ثمّ نجلس إلى طاولة التفاوض.
وبهذا الموقف، يوجّه رسالتين في آن واحد: رسالة إلى الولايات المتحدة مفادها أنّه لا يعارض السلام من حيث المبدأ، ورسالة إلى إيران يؤكّد فيها تمسّكه بشرط الانسحاب الإسرائيلي.
غير أنّ هذا التموضع المزدوج يصعب أن يصمد طويلاً أمام تناقضات الواقع.
فإسرائيل لن تنسحب، وفق المعادلة السائدة، ما لم يُنزع سلاح حزب الله وتُفكّك بنيته العسكرية. وإيران، في المقابل، لن تدفع الحزب إلى التخلّي عن سلاحه قبل أن تحصل على مقابل سياسي أو استراتيجي من إدارة ترامب.
وهكذا، يجد رئيس مجلس النواب نفسه أمام سفينتين، يراقب اتجاه الرياح قبل أن يحسم أيّهما أقدر على بلوغ المرفأ.
لذلك، قد يكون من المبكر اعتباره شريكاً فعلياً في صناعة السلام، ولكن من المؤكّد أنّه سيكون من أبرز المستفيدين منه إذا ما تحقّق.
فهو يدرك، أكثر من كثيرين، أنّ السياسة ليست فنّ إعلان المواقف النهائية، بل فنّ الاحتفاظ بهامش الحركة إلى أن تتّضح موازين القوى.
وفي هذا السياق نفسه، لا مفر من « علامة تعجّب »، بل واستهجان، إزاء موقف الشخصية التي قلب انحيازُها موازين القوى لصالح 14 آذار في العام 2005 وفرض خروج الجيش السوري من لبنان! ففي لحظة حاسمة تعادل لحظة « الميثاق الوطني للعام 1943 » (لَحظة تُسمَع فيها، الآن، علناً مقولة « ما ينعاش معهم »!) وَضعَ الزعيمُ وليد جنبلاط حسابات « البيت الجنبلاطي » فوق حسابات الوطن اللبناني، (والبعض يقول فوق حسابات طائفته نفسها!)
الأحزاب المسيحية: هواجس الدور وخشية نجاح الرئيس
تبقى الأحزاب المسيحية، ولا سيّما المارونية منها، التي تنظر، في تقديري، إلى الدور الذي يضطلع به الرئيس عون في مسار السلام بمزيج من الغيرة السياسية والقلق على مستقبل مواقعها.
فالرئيس استطاع أن يثبت في موقفه أمام تهديدات حزب الله بإحداث اضطرابات داخلية، وأن يمضي في خيار التفاوض من دون أن ينجرّ إلى مواجهة أهلية.
كما حظي بإشادة الرئيس ترامب لمضيّه في مسار التفاوض، واكتسب، بحكم موقعه الدستوري وممارسته لصلاحياته، شرعية وطنية تخوّله قيادة مشروع إعادة بناء الدولة وإحياء مؤسّساتها.
وهنا تحديداً تكمن معضلة الأحزاب المسيحية.
فنجاح الرئيس عون في تحقيق السلام وإعادة إطلاق مؤسّسات الدولة سيمنحه رصيداً وطنياً وسياسياً قد يتجاوز بكثير ما تملكه تلك الأحزاب من نفوذ وتمثيل. وسيعيد رسم موازين الشرعية السياسية داخل البيئة المسيحية، وربما على المستوى الوطني بأسره.
ولعلّ هذا ما يفسّر المعارضة الصامتة التي يبديها معظم هذه الأحزاب تجاه مساره، باستثناء قلّة من الشخصيات المستقلّة، الشيخ نديم الجميل والنائب كميل شمعمون والدكتور فارس سعيد، التي اختارت مقاربة الأمور بعيداً عن الحسابات الحزبية الضيّقة.
فإذا نجح الرئيس، فقد يسحب من تحت أقدامها المنابر التي اعتادت الوقوف عليها. وإذا أخفق، فلن تجد هي الأخرى أرضاً صلبة تقف عليها.
إنّها مفارقة سياسية قاسية: يخشى البعض نجاح الرئيس لأنّه قد يختزل أدوارهم، فيما لا يدركون أنّ إخفاقه قد يبدّد ما تبقّى لهم من أدوار أصلاً.
في الخلاصة: شجاعة السلام ومسؤولية الدولة
ليس السلام خيار الضعفاء، كما أنّ الحرب ليست بالضرورة برهاناً على الشجاعة.
ففي بلد كلبنان، تتداخل فيه الانقسامات الداخلية مع الصراعات الإقليمية، وتتنازع فيه القوى السياسية السلاح والقرار والسيادة، قد تكون الشجاعة الحقيقية في رفض الانجرار إلى حرب يعرف الجميع كيف تبدأ، ولا يعرف أحد كيف تنتهي.
لقد اختار الرئيس جوزاف عون أن يتحمّل مسؤولية القرار، لا أن يكتفي بالتعليق عليه. وأن يبحث عن مخرج وطني من مأزق تاريخي، لا أن يستثمر سياسياً في استدامته. وأن يحافظ على الجيش ووحدة البلاد، من دون أن يتخلّى عن مقتضيات السيادة وسلطة الدولة.
والفارق بينه وبين كثيرين ممّن يحيطون بالمشهد ليس بالضرورة في الرغبة المعلنة في السلام، بل في الاستعداد لتحمّل مسؤوليته وتبعاته.
فثمّة من يريد السلام شرط ألّا يدفع ثمنه، ومن يريد المواجهة شرط ألّا يخوضها، ومن ينتظر النتيجة ليعلن أنّه كان، منذ البداية، من صانعيها.
أمّا الرئيس عون، فقد اختار أن يسير في الطريق قبل أن يعرف الآخرون إلى أين ستفضي.
ولعلّ التاريخ، حين يُكتب بعيداً عن ضجيج الشعارات وحسابات المصالح، لن يسأل كثيراً عمّن صفقوا للسلام أو اعترضوا عليه، بل عمّن امتلكوا الشجاعة لتحويله من احتمال إلى واقع.
وأنا أقف إلى جانب رئيس الجمهورية.

