أولت إسرائيل اهتماما خاصا بعلاقاتها مع مملكة تايلاند منذ أن اعترفت بانكوك بها في عام 1950، وتحديدا بعد أن أقاما علاقات دبلوماسية على مستوى السفراء في عام 1958، وذلك لأسباب عدة منها موقع تايلاند المتوسط في منطقة جنوب شرق آسيا، وحاجة إسرائيل في سنواتها المبكرة إلى تعزيز وترسيخ وجودها بين دول العالم الآسيوي ككيان معترف به.
شهدت العلاقات البينية تطورات سريعة شملت مختلف المجالات، ولاسيما المجالات الاقتصادية والسياحية والتجارية والتكنولوجية والدفاعية. وعلى هامش التعاون في هذه الحقول تم تبادل الزيارات بين مسؤولي البلدين على أعلى مستوى. وكانت زيارة رئيسة الحكومة الأسرائيلية الأسبق غولدا مائير لبانكوك سنة 1962، حينما كانت وزيرة للخارجية، وزيارة رئيس أركان جيش الدفاع تسيفي يتسور، من أهمها.
لقد وجد الإسرائيليون في تايلاند بلدا سياحيا جميلا وآمنا يناسب امكاناتهم المادية ومطالبهم الأمنية بدليل قيام 420 ألف سائح إسرائيلي بزيارة تايلاند العام الماضي وحده، كما وجدت تل أبيب في تايلاند مصدرا للتزود بالعمالة الزراعية الرخيصة والمسالمة في الأوقات التي كانت تعاقب فيها العمالة الفلسطينية بإغلاق الضفة والقطاع، علما بأن عددهم وصل في إحدى المراحل إلى عشرات الآلاف. في المقابل وجدت تايلاند في إسرائيل بلدا متقدما صناعيا وتكنولوجيا وعسكريا، فاستعانت بها في تطوير صناعاتها تكنولوجيا، وعقدت معها اتفاقيات لتزويد جيشها بالمسيرات والمدافع وقذائف الهاون والبنادق الآلية، وراحت تستورد منها مختلف أنواع البضائع حتى حلت في المرتبة السادسة في قائمة الدول الآسيوية المستوردة من إسرائيل.
وعلى الرغم من محاولات بعض التنظيمات الفلسطينية المتطرفة مثل منظمة أيلول الأسود إتخاذ تايلاند كمسرح لعملياتها، على نحو ما حدث في عملية احتجاز الرهائن داخل السفارة الإسرائيلية ببانكوك سنة 1972، وعلى الرغم من قيام حركة حماس باختطاف العشرات من العمالة التايلاندية من المستوطنات والتسبب في معاناتهم في عملية السابع من أكتوبر 2023، فإن علاقات البلدين استمرت، بل راحت تتعزز وتترسخ لوجود مصالح مشتركة.
وعلى ضوء هذه الخلفية، لا يمكن القول أن التوتر الذي حدث مؤخرا بين البلدين سوف يؤدي إلى أزمة وقطيعة كما يتمنى البعض. لكن ما هو تفاصيل التوتر الذي أحدث شرخا بسيطا في جدار العلاقات الإسرائيلية ــ التايلاندية، وجعل الخارجية التايلاندية تستدعي سفير تل أبيب في بانكوك “ألونا فيشر ــ كام” إلى مقرها للإحتجاج.
في الآونة الأخيرة ظهر إستياء في صفوف التايلانديين من سلوك وتصرفات السياح الإسرائيليين، فهذا يتهمهم بالبخل الشديد، والآخر يتهمهم بسرقة أو اتلاف محتويات الغرف الفندقية، والثالث يصفهم بالمزعجين والقذرين، والرابع يحذر من التعاطي معهم، إلى أن ظهرت تحذيرات على ألسنة تايلانديين من المشاهرين والنشطاء السياسيين حول ضرورة وضع حد لما وصف بعمليات إسرائيلية للإستيلاء على الأراضي والسيطرة على منتجعات سياحية شهيرة من خلال صفقات عقارية مضللة وأعمال تجارية مغشوشة. ثم جاءت القشة التي قصمت ظهر البعير حينما قامت السلطات، في إطار تحقيقاتها، بالعثور على مقبرة يهودية غير مرخصة (أو أنهى أجل ترخيصها)، ونبشها، وإخراج الجثث منها. وهو ما اعتبره التايلانديون انتهاكا لقوانين البلاد واستخفافا بالعادات والثقافة المحلية من قبل الاسرائيليين. وأعقب ذلك حدث آخر اعتبره التايلانديون تدخلا فجا من السياح الإسرائيليين لفرض آرائهم على شعب حر في وطن حر، وذلك في إشارة إلى تلاسن بين سائح إسرائيلي اعترض على تايلاندي صاحب حديقة للحيوانات لوضعه علم فلسطين على أسوار حديقته.
وهكذا أخذت الأجواء تتوتر أكثر فأكثر، خصوصا بعد قيام نحو 300 تايلاندي بقيادة “سوندي ليمثونغكول”، وهو شخصية محافظة مثيرة للجدل تملك إحدى الوسائل الإعلامية، بالتظاهر أمام السفارة الإسرائيلية في بانكوك، وترديد عبارات نابية ضد اليهود عموما، بل وقيام بعضهم برفع الشعار النازي، وترديد أغنية لمغني الروك التايلاندي المناهض للصهيونية “إيد كاراباو”.
أما سفيرة تل أبيب في بانكوك، فقد وصفت ما يجري بأنه عملية مدبرة، يقف وراءها ويدعمها بعض الجماعات الإسلامية المتطرفة في جنوب تايلاند المدعومة بدورها من النظام الايراني، بهدف تخريب علاقات بلادها بمملكة تايلاند. وأضافت: “لو أن التظاهرة أمام سفارتها كان فقط بقصد المطالبة بتحسين سلوك السياح الإسرائليين او معارضة وجودهم في تايلاند، لما تخللتها خطابات الكراهية والاهانة بحق اليهود، ولما رفعت أثناءها هتافات “حرروا فلسطين”، و”أخرجوا من غزة”.
ونخالة القول أن هناك اليوم ثمة مشاعر معادية للإسرائيليين بين التايلانديين، لا تفسير واضح له سوى القلق من أن يستوطن الإسرائيلي تايلاند ويوسع نشاطه ويسيطر على العقارات والأنشطة التجارية فيها، فيزاحم المواطنين في أرزاقهم. خصوصا وأن بعضا من الإسرائيليين الذين حصلوا على الجنسية الإسرائيلية يديرون بالفعل بعض الفنادق والمطاعم والشركات السياحية الناجحة ويضعون عليها لافتات جذب باللغة العبرية.
* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي
