لم يكن جوهر الخلاف في لبنان يوماً يتمحور حول تأييد بعض النخب الفكرية والسياسية، ولا سيما الإسلامية واليسارية منها، لاتفاق القاهرة عام 1969، في مقابل معارضة نُخَب أخرى، غالبيتها من المسيحيين الموارنة والقوى اليمينية، لذلك الاتفاق. فالاتفاق بحدّ ذاته لم يكن سوى مسألة ثانوية قياساً إلى القضية الأساسية التي شكّلت محور الحياة السياسية اللبنانية منذ نشأة الكيان، ألا وهي **الصراع على السلطة وإعادة توزيع النفوذ بين مكوّنات المجتمع اللبناني.**
فبالنسبة إلى القوى الإسلامية واليسارية، كانت مختلف القضايا والأحداث، داخليةً كانت أم إقليمية، تشكّل فرصاً للطعن في النظام القائم والسعي إلى تعديل موازين القوى التي حَكَمَتهٌ. ذلك أنّ هذا النظام، منذ قيام دولة لبنان الكبير عام 1920، قام على توزيع للصلاحيات والنفوذ السياسي والدستوري والاقتصادي رجّحَ كفّة القوى المسيحية، ولا سيما المارونية منها، وحلفائها من القوى اليمينية.
ومن هذا المنطلق، سعت القوى الإسلامية واليسارية، التي كان المسلمون السنّة يشكّلون في البداية عمادَها الأساسي قبل أن تتوسّع لتشمل قوى من مختلف الطوائف، إلى تقليص هذا التفوّق تدريجياً، من خلال انتزاع المزيد من الصلاحيات والمواقع داخل بنية السلطة. ولم تكن هذه المحاولات مرتبطة بحدثٍ
واحد أو بقضيةٍ بعينها، بل شكّلت مساراً سياسياً متواصلاً اتَّخذَ أشكالاً مختلفة تبعاً للظروف الداخلية والتحوّلات الإقليمية.
وقد مثّل اتفاق الطائف عام 1990 محطة مفصلية في هذا المسار!
إذ أعادَ رسمَ التوازنات الدستورية والسياسية على أساس المناصفة بين المسيحيين والمسلمين، بعد عقود من رجحانِ الكفّة المسيحية في توزيع السلطة. ثم جاء “اتفاق الدوحة”، المشار إليه في سياقِ أحداث عام 2007 وما تلاها، ليشكّل محطةً أخرى في الصراعِ على النفوذ وآلياتِ ممارسة السلطة، ضمن مسار اعتبَرتهُ بعض القوى سعياً متواصلاً إلى تقليص الحصّة الفعلية للمسيحيين في القرار السياسي، وصولاً إلى ما يقارب الثُلث في معادلة تقاسم النفوذ.
وعليه، فإنّ ما وضع الأحزاب والطوائف اللبنانية في مواجهة بعضها البعض لم يكن، في جوهره، القضية الفلسطينية، ولا مشروع القومية العربية، ولا الدعوات إلى الوحدة مع سوريا، ولا حلف بغداد، ولا أيّاً من المشاريع والتحالفات الإقليمية الأخرى. فهذه القضايا، على اختلاف طبيعتها وشعاراتها، شكّلت في كثير من الأحيان مناسبات استثمرتها القوى الإسلامية واليسارية لمواجهة المؤسسة الحاكمة، ومحاولة اقتطاع المزيدِ من الصلاحيات والنفوذ من بنية السلطة القائمة.
وبذلك، لم يكن الهدف السياسي الداخلي لهذه القوى محصوراً في نصرة قضية إقليمية أو تبنّي مشروع وحدوي، بل تعدّاه إلى محاولة إعادة صياغة المعادلة اللبنانية نفسها، والانتقال من نظام يتمتّع فيه المسيحيون بأرجحية نسبية في الحكم، إلى نظامٍ يقوم على المناصفة، ثم إلى واقع سياسي تتراجع فيه حصّتهم الفعلية من السلطة والنفوذ إلى ما دون تلك المناصفة.
ولعلّ ما يؤكّد هذه القراءة أنّ الرئيس جمال عبد الناصر لم يكن بحاجة إلى تأييد المسلمين اللبنانيين وحدهم لمشروعه القومي العربي. إذ إنّ أعداداً كبيرة من المسيحيين اللبنانيين كانت بدورها من أشدّ المتحمّسين للعروبة والناصرية. وكذلك الأمر بالنسبة إلى القضية الفلسطينية، التي حظيت بتأييد قوى وشخصيات مسيحية، في حين اختارت قوى مسيحية أخرى، في مراحل معيّنة، الاصطفاف إلى جانب سوريا حافظ الأسد في مواجهة منظمة التحرير الفلسطينية.
وهذا التداخل في التحالفات والمواقف يكشف أنّ الانقسام اللبناني لم يكن انقساماً دينياً أو طائفياً ثابتاً حول القضايا الإقليمية بقدر ما كان انعكاساً لصراعٍ داخلي أعمق على السلطة. فقد أمكن للقوى المتنافسة أن تتبنّى القضية الإقليمية نفسها انطلاقاً من حسابات سياسية متناقضة، أو أن تتحالف مع أطراف إقليمية متخاصمة سعياً إلى تحقيق أهداف داخلية متشابهة.
ومن هنا، فإنّ القوى الإقليمية لم تكن دائماً المحرّك الأساسي للصراعات اللبنانية، بل كثيراً ما استُخدمت من جانب الأطراف المحلية بوصفها أدوات ضغط، أو مصادر دعم، أو ذرائع سياسية لتصفية الحسابات مع شركائها وخصومها في آنٍ واحد، ضمن البنية المعقّدة لتقاسم السلطة في لبنان.
**وخلاصة القول إنّ الصراع اللبناني لم يكن، في أساسه، صراعاً على فلسطين أو العروبة أو الوحدة مع سوريا أو الخيارات الإقليمية، بقدر ما كان صراعاً مستمراً على طبيعة النظام السياسي اللبناني، وعلى توزيع السلطة والصلاحيات والنفوذ بين مكوّناته.**
أما القضايا الإقليمية، على أهميتها وتأثيرها، فقد شكّلت في كثير من الأحيان ساحاتٍ لهذا الصراع ووسائلَ لإدارته، أكثر مما كانت أسبابه الجوهرية.
**ففي لبنان، كانت المعركة الحقيقية، وما زالت في جانب كبير منها، معركةً على السلطة؛ أما الشعارات الإقليمية والتحالفات الخارجية، فلم تكن في أحيان كثيرة سوى الواجهة التي دارت خلفها تلك المعركة، لا أكثر ولا أقل.**



