أُعلنت الجمهورية في يوم واحد، لكنها لم تُبنَ في يوم واحد. فقد مرّ الانتقال من “الإمبراطورية” إلى “الجمهورية” بتجارب دستورية، وحروبٍ، واضطرابات سياسية، وافتتاح البرلمان في أنقرة وإلغاء السَلطنة.
وكان المسار الديمقراطي بدوره متعرّجًا؛ إذ أخفقت تجربتان مُبكِّرتان للمعارضة، قبل أن يقود “عِصمت إينونو” البلاد نحو التعددية الحزبية ويتقبل الهزيمة في صناديق الاقتراع عام 1950.
في كل ذكرى سنوية، يتكرّر المشهد نفسه. يلتفت مصطفى كمال إلى رفاقه أثناء العشاء ويقول: «أيها السادة، سنؤسس الجمهورية غدًا». وفي اليوم التالي، وفقًا للرواية المألوفة، تخرج دولة من إمبراطورية عمرها 700 عام لتدخل عصر الجمهورية.
إنها حكاية تاريخية جذّابة، لكنها تجعل انتقالًا سياسيًا معقّدًا يبدو وكأنه مجرّد مسألة اختيار الكلمات المناسبة على مائدة العشاء.
تبدو سردية أتاتورك في كتابه “النُطُق“، أكثر تحفّظًا؛ فخلال العشاء، قال: «سنعلن الجمهورية غدًا». ووافقه ضيوفه. ثم أعدّ هو وعصمت إينونو تعديلًا دستوريًا، أقرّه المجلس الوطني الكبير في مساء اليوم التالي.
كان للعشاء أهميته، إذ شكّل المناسبة التي نوقشت فيها الخطوة الأخيرة مع مجموعة صغيرة من الزملاء. لكن القطيعة السياسية التي مهّدت لها كانت تتبلور منذ سنوات. وقد اعترض بعض الزملاء الذين لم يحضروا ذلك العشاء على استبعادهم من القرار. وحتى في الرواية التأسيسية نفسها، كانت للإجماع حدود.
يبدأ التسلسل الزمني للأحداث قبل ذلك العشاء بوقت طويل. فقد أمضت الإمبراطورية العثمانية عقودًا وهي تواجه تحديات الحكم الدستوري والإصلاح وضغوط عالم آخذ في التغيّر. بدأت الحقبة الدستورية الأولى عام 1876، وأُعيد البرلمان إلى العمل عام 1908. لكن هذه التجارب لم تؤدِّ إلى قيام الجمهورية في مسار مستقيم؛ فقد قطعتها الحروب والهزائم والخسائر الإقليمية. ومع ذلك، أفرزت خبرة سياسية متراكمة وأبقت سؤالًا ملحًّا حاضرًا: من يملك الحق في الحكم؟
بعد الحرب العالمية الأولى، نظّمت الحركة الوطنية المقاومة للاحتلال، مستندةً إلى مبدأ أن شعب البلاد هو من يقرّر مصيره بنفسه. وفي 23 أبريل 1920، افتتح المجلس الوطني الكبير أعماله في أنقرة. وقبل الافتتاح، تجمّع النواب والمواطنون لأداء صلاة الجمعة في مسجد حاجي بايرام ولي، الذي لا يبعد سوى مسافة قصيرة سيرًا على الأقدام عن مبنى البرلمان الأول.
ويُضفي هذا المشهد تعقيدًا على الرواية المبسَّطة التي تصوّر القطيعة بين التقاليد الدينية والحياة السياسية الحديثة وكأنها قطيعة تامة؛ فقد بدأ مجلس جديد يطالب بالسلطة باسم الأمة أعماله بالقرب من أحد أقدم المواقع الدينية في أنقرة.
أُلغيت السلطنة في نوفمبر 1922. واعترفت معاهدة لوزان بالدولة الجديدة على المستوى الدولي في يوليو 1923، وأصبحت “أنقرة” العاصمة في أكتوبر من العام نفسه. ثم اندلعت أزمةٌ حكومية أعقبها التعديل الدستوري.
وفي يوم الاثنين، 29 أكتوبر، اجتمع المجلسُ وأَعلنَ “الجُمهورية”. وقد أضفى التصويت الصفة الرسمية على تحوُّلٍ كان قد بدأ بالفعل؛ لكنه لم يختزل مسار ذلك التحوّل في يوم واحد.

التحديث والتناقضات
وصف الرئيس التركي الأسبق “سليمان ديميريل” الجمهورية بأنها «أهم مشروع للتحديث في تاريخ الأمة التركية»! أما أتاتورك، فقد اعتبرها أعظم إنجازاته. ولم يكن الهدف من “الجمهورية” مُجرَّدَ استبدال الحكم السُلالي بنظامٍ آخر، بل كان يرمي إلى بناء دولة حديثة وهوية مدنية مشتركة في بلد أنهكته الحروب والخسائر والنزوح.
امتدت التغييرات إلى مجالات القانون والتعليم والإدارة العامة والحياة الأسرية. كما غيّرت طبيعةَ العلاقة بين الحكومة والدين، ومكانة المواطنين في الشؤون العامة. ولم يكن التحديث مجرد صياغة لغوية جديدة لمفهوم الدولة، بل انعكس على ما يتعلمه الأطفال، ومن يحق له الالتحاق بالمؤسسات العامة، والحقوق القانونية التي يتمتع بها الناس، والطريقة التي تقدّم بها البلاد نفسها إلى العالم.
لكن هذه العملية لم تكن سلسة، ولم تتسم بالديمقراطية الكاملة. فكثيراً ما كانت الإصلاحات تُفرضُ من المركز، في حين ظلّ التنافس السياسي مقيّداً في ظل حكم الحزب الواحد. وقد أتاحت الجمهورية بعض الفرص، لكنها حدّت من فرص أخرى. وهذا التوتر جزء من تاريخها، وليس تفصيلاً مزعجاً ينبغي حذفه من خطابات الاحتفال بالذكرى السنوية لتأسيسها.
وقد تجلّى هذا التوتر في محاولات تأسيس أحزاب معارضة خلال رئاسة أتاتورك. فقد أُغلق حزب الجمهورية التقدمي، الذي تأسس عام 1924، في عام 1925. أما الحزب الجمهوري الحر، الذي تأسس عام 1930، فقد حلّ نفسه في العام نفسه وسط توترات سياسية واضطرابات. ولم تنجح أي من التجربتين في أن تصبح مساراً دائماً نحو إقامة نظام سياسي تعددي تتنافس فيه الأحزاب على السلطة. وتُظهر هاتان التجربتان أن المعارضة كانت موضع محاولة، لكنهما تكشفان أيضاً مدى السرعة التي كان يمكن بها إغلاق المجال السياسي المتاح لها. فقد أُعلنت الجمهورية قبل أن يترسخ فيها تنافسٌ ديمقراطي مستقر على السلطة.
وتكشف الحقوق السياسية للمرأة عن مدى اتساع نطاق الإصلاحات الأولى، كما تكشف حدود التغيير القانوني. فقد حصلت النساء على حق التصويت والترشح في الانتخابات البلدية عام 1930، ثم على حق التصويت والترشح لعضوية البرلمان عام 1934. وفي انتخابات عام 1935، شغلت نساء مقاعد في الجمعية الوطنية الكبرى. وكانت هذه الإجراءات ذات أهمية على الصعيد الدولي، إذ اعترفت بالنساء بوصفهن مواطنات يتمتعن بحقوق سياسية، ولهن دور في الحياة العامة.
ومع ذلك، فإن اكتساب حق تاريخي لا يؤدي في حد ذاته إلى تحقيق المساواة في النفوذ أو الفرص أو الأمان. كما أن دخول النساء إلى البرلمان لم يكن يعني أن المواطنين باتوا قادرين على الاختيار بين حكومات وطنية متنافسة. فقد يكون الإصلاح تاريخياً، لكنه يظل غير مكتمل في الوقت نفسه. لقد فتحت الجمهورية الأبواب، لكنها لم تضمن أن يتمكن الجميع من عبورها على قدم المساواة.
الانتقال الذي شكّل منعطفًا حاسمًا
كان الانتقال إلى التعددية الحزبية بعد الحرب العالمية الثانية منعطفًا آخر بالغ الأهمية. فقد أدّى “عِصمت إينونو”، خليفة أتاتورك في رئاسة الجمهورية وزعيم الحزب الحاكم خلال عهد الحزب الواحد، دورًا محوريًا في هذا التحوّل. وجاء ذلك في ظل ضغوط داخلية ومناخ دولي متغيّر ازدادت فيه أهمية التنافس الديمقراطي. ولم يكن التحوّل فوريًا ولا خاليًا من التوتر؛ إذ جرت انتخابات عام 1946 في ظروف أثارت انتقادات.
أما انتخابات عام 1950 فكانت مختلفة. فقد فاز الحزب الديمقراطي، وغادر حزب الشعب الجمهوري، الذي كان يتزعمه إينونو، السلطة. وقَبِلَ “إينونو” النتيجة وسلّم الحكم إلى خصومه الذين انتُخبوا ديمقراطيًا. وهكذا، أصبح الحزب الذي حكم البلاد منذ تأسيس الجمهورية حزبًا معارضًا. وكان ذلك الانتقال السلمي للسلطة إنجازًا ديمقراطيًا كبيرًا يستحق أن يحتل مكانه في تاريخ الجمهورية، إلى جانب إعلان تأسيسها نفسه.
لكن ذلك لا يجعل فترة حُكم الحزب الواحد السابقة ديمقراطيةً بأثر رجعي، ولا يعني أن الانتقال إلى التعددية كان حتميًا. بل يبيّن أن الخيارات السياسية لها أهميتها. فقد كان بإمكان “إينونو” أن يتعامل مع الهزيمة باعتبارها تهديدًا للدولة أو للدور التاريخي لحزبه. لكنه اختار، بدلًا من ذلك، أن تنتقل السلطة عبر العملية الانتخابية. وتظل تلك السابقة ذات قيمة حتى اليوم، تحديدًا لأنها ليست أمرًا مضمونًا.
البلاد كما هي اليوم
في عامها الثالث بعد المئة، تواجه تركيا ضغوطًا من النوع المألوف في بلدان كثيرة، وضغوطاً أخرى ترتبط بتاريخها السياسي الخاص. فقد جعل الاستقطاب السياسي التعاملَ مع الاختلاف أكثر صعوبة، وباتت السلطة التنفيذية أكثر تمركزًا. ولا تزال المخاوف قائمة بشأن استقلال القضاء وطريقة التعامل مع المعارضة. كما يعمل الصحافيون والمنتقدون تحت الضغط، ويمكنُ فرضُ قيود على الاحتجاجات السلمية. وتؤثر هذه الظروف في مدى ثقة المواطنين بأن المؤسسات ستستمع إليهم وتنصفهم.
أما الاقتصاد، فيجعل هذه المسائل أكثر إلحاحًا. فارتفاع تكاليف المعيشة يؤثر في الخيارات المتعلقة بالسكن والعمل والأسرة. ويعيد الشباب النظر في إمكانية بناء حياة مستقرة داخل البلاد. وبالنسبة إلى بعضهم، فإن المغادرة قرار عملي يتعلق بفرص العمل والأمان، وليس إعلانًا عن انتماء سياسي. ويشكّل فقدان الكفاءات والأشخاص الطموحين جزءًا من التساؤل الأوسع بشأن المستقبل الذي تستطيع تركيا أن تقدّمه لمواطنيها.
لا تُقاس الديمقراطية بمجرد إجراء الانتخابات. بل يجب أن يتمكن المواطنون أيضًا من التنظيم، ونقل الأخبار، وتوجيه الانتقادات، وطلب العدالة، والتنافس على المناصب العامة في ظل قواعد تُطبَّق بنزاهة ومن دون تمييز. وعندما يُعامَل النقد باعتباره خيانة للولاء، يضيق نطاق النقاش العام وتتراجع حيويته. وثمة مفارقة في إعلان السلطات باستمرار عن الوحدة الوطنية، في أجواء يُتوقّع فيها من الناس ألّا يعبّروا عن خلافاتهم بصوت مرتفع أكثر مما ينبغي. فالوحدة المفروضة بالصمت هشّة. أما الوحدة المستدامة، فتقوم على شعور المواطنين بأنهم قادرون على الجدال، والخسارة، والمحاولة مجددًا، مع احتفاظهم بحقهم في الانتماء إلى وطنهم.
الشباب مواطنون اليوم، لا مواطنو المستقبل
كثيرًا ما يُوصَف الشباب بأنهم «المستقبل»، وهي عبارة تبدو مشجّعة، لكنها قد تتحول إلى وسيلة لتأجيل الإصغاء إليهم. فالشباب مواطنون اليوم، يواجهون عملًا غير مستقر، وتكاليف متزايدة، وقيودًا على المشاركة في الحياة العامة. وتتداخل مخاوفهم بشأن الحقوق مع أسئلة ملحّة تتعلق بكسب العيش وإمكانية التخطيط لحياة في تركيا. ولا يوجد أي تناقض بين الرغبة في الحريات الديمقراطية والرغبة في الحصول على وظيفة مستقرة.
وليس الشباب كتلة سياسية واحدة. لكن كثيرين منهم يصرّون على الإنصاف، وتكافؤ الفرص القائم على الكفاءة، والحرية، والحصول على صوت مؤثر في القرارات التي ستشكّل حياتهم. إن إصرارهم على حماية المبادئ التأسيسية للجمهورية وتعزيزها أمر بالغ الأهمية. فعندما يشكّكون في المؤسسات أو يتحدّون الظلم، فإنهم يشاركون في النقاش الدائر حول الجمهورية، ولا يخرجون عن إطارها.
غير أن الإصرار وحده لا يستطيع أن يضمن استقلال المحاكم أو أن يخفض تكاليف المعيشة. بل ينبغي أن يقابَل بأحزاب سياسية تمتلك برامج موثوقة، ووسائل إعلام حرة قادرة على التحقيق وكشف الحقائق، ومؤسسات عامة تطبّق القانون بصورة متسقة وتُقدّر الكفاءة. فالشباب يحتاجون إلى أكثر من مجرد الإشادة بشجاعتهم. إنهم يحتاجون إلى بلد تكون فيه المشاركة قادرة على إحداث فرق، ويكون فيه للجهد والعمل أفق ونتيجة.
في عامها الثالث بعد المئة، لا تزال الجمهورية إنجازًا ومسؤولية في آن واحد. فلم يكن تأسيسها معجزة تحققت على مائدة العشاء، ولم يكن تأسيس نظام ديمقراطي متكاملاً ونهائيا. إن تاريخها يتضمن إصلاحات جريئة، وتجارب معارضة فاشلة، ثم انتقالًا سلميًا للسلطة بعد انتخابات. إنها رواية أكثر تعقيدًا، لكنها أكثر فائدة. فهي تذكّرنا بأن التقدم الديمقراطي يمكن أن يتراجع أو يتعطّل أو يتقدّم، تبعًا للخيارات السياسية.
أما المبادئ المطروحة على المحك، فهي مبادئ عملية: فالسيادة الشعبية تقتضي حكومة خاضعة للمساءلة؛ والعلمانية تحمي حرية الضمير؛ والمساواة يجب أن يلمسها الناس في حياتهم اليومية؛ والتعليم ينبغي أن يشجّع البحث والتساؤل؛ والقانون يجب أن يُطبَّق بصرف النظر عن النفوذ السياسي.
إن الشباب الأتراك المصمّمين على الدفاع عن هذه المبادئ لا يكتفون بوراثة الجمهورية، بل يساهمون في تقرير ما إذا كان وعدها الديمقراطي سيواصل التقدّم أم لا.
*يوسف كانلي، صحفي ورئيس تحرير سابق لصحيفة “حريت ديلي نيوز”، وعضو في “مجلس أمناء الشفاف”. يقيم في أنقرة، تركيا.

