(جسّدت هذه الصورة الدعائية النموذجَ العِرقيَّ النوردي الذي روّج له النازيون)
حقيقة الآرية: إنه مفهوم نشأ في إيران والهند، ويستند إلى الخصائص اللغوية، لا الإثنية، على غرار مفهوم العروبة، الذي يشمل متحدثي اللغة العربية المنتمين إلى إثنيات عديدة في العالم العربي. ونظراً الى القرابة اللغوية بين اللغات الهندية والفارسية وأغلبية اللغات الأوروبية، صَنّفها اللغويٌون ضمن عائلة اللغات الهندوـ أوروبية(indo-européennes) . ومع نشؤ النظريات العنصرية في القرن التاسع عشر، اكتسب المفهوم مضموناً إثنيا بدلاً من أصله اللغوي، ما أدى إلى الكوارث التي نعلمها.
المترجم د. رالف غضبان
المؤلّفة: سوزان كوردس
أشقر، أزرق العينين، رياضي البنية: هكذا كان النازيون يتصورون «الآري» المثالي. وحتى اليوم، عندما يسمع معظم الناس كلمة «آري»، يتبادر إلى أذهانهم الفكر العنصري في عهد الرايخ الثالث. لكن لهذا المصطلح جذورًا مختلفة تمامًا.
لم يكن أدولف هتلر أشقر الشعر، ولم يكن طويل القامة بشكل خاص، شأنه في ذلك شأن كثير من الألمان الآخرين. وكانت الصورة المثالية لـ«الآري» من أصول نوردية، التي روّج لها النازيون، أقرب إلى أن تكون حالة استثنائية منها إلى أن تكون القاعدة.
لذلك كانت الأصول هي العامل الحاسم: فمنذ عام 1935، كان يتعين على جميع مواطني الرايخ، من خلال ما سُمّي «إثبات الآرية» (Ariernachweis) ، أن يثبتوا، بالعودة إلى ثلاثة أجيال على الأقل، أنه لا يجري في عروقهم «دم يهودي» ولا دم من “السنتي” و”الروما”. وكان على الموظفين والأطباء والمحامين تقديم هذا الإثبات قبل ذلك بعامين، أي منذ عام 1933.
وكان إعداد هذا الإثبات يتطلب في كثير من الأحيان بحثًا يستغرق وقتًا طويلًا، قبل أن يتمكن المواطنون من تقديم النتائج إلى «المكتب المختص بأبحاث الأنساب العائلية في الرايخ» (Reichsstelle für Sippenforschung) للتحقق منها.

اعتبر النازيون الشعب الألماني «عرقًا متفوقًا» أو «عرق السادة»، في حين صنّفوا اليهود ضمن «عرق أدنى»، فعملوا أولًا على إقصائهم بصورة منهجية، ثم انتهوا إلى إبادتهم. وفي أفلامهم الدعائية، زعموا أن اليهودَ يسعون إلى تدمير النظام العالمي وانتزاع السلطة والقيادة من «عرق السادة». أما في الرسوم الكاريكاتورية، ولا سيما في صحيفة التحريض النازية «دير شتورمر» (Der Stürmer) ، فقد صُوِّرَ اليهود بصورة مشوهة ومبالغ فيها، بأنوف معقوفة كبيرة وملامح وجه تَنِمُّ عن الجشع.
ولم يقتصر مفهوم «الآرية» عند النازيين على الألمان، بل نسبوا أيضًا سمات «آرية» إلى شعوب أخرى، وفي مقدمتها شعوب شمال أوروبا وإسكندنافيا. فإذا عثروا في لاتفيا أو بولندا أو في أي بلد آخر من البلدان التي احتلوها على أطفالٍ شقر ذوي عيون زرقاء، لم يترددوا في انتزاعهم من أمهاتهم ونقلهم إلى ما سُمّي ببيوت «ليبنسبورن» (Lebensborn) بهدف «أَلْمَنَتهم». وكانت هذه الفكرة من ابتكار هاينريش هيملر، قائد “قوات الإس إس”، الذي أراد تشجيع تكاثرِ سكانٍ يُصنَّفون على أنهم «ذوو قيمة عرقية».
لكن تصنيفَ البشر إلى ما يُسمّى «أعراقًا» لا يستند إلى أي أساس علمي، فضلًا عن كونه تصنيفًا تمييزيًا؛ إذ لا توجد قاعدة جينية تبرّر هذا النوع من التصنيف.

كانت كلمة «آري» أيضًا الأساس الذي قام عليه ما عُرف باسم «الأرْيَنة» (Arisierung) ، أي مُصادرة المتاجر والممتلكات اليهودية ونقل ملكيتها إلى غير اليهود.
الأصل الحقيقي لكلمة «آري»
على الرغم من شيوع كلمة «آري» في الاستعمال العام، فإن «علماء الأعراق» النازيين لم يكونوا يولونها أهمية كبيرة، وكانوا يفضلون بدلًا منها الحديث عن «الدم الألماني أو الدم ذي الصلة العرقية». فقد كانوا يدركون أن الكلمة، في أصلها، كانت تشير إلى أوجُهِ تشابهٍ لغوية، وليس إلى صفات جسدية موروثة.
وتشير الاكتشافات الأثرية إلى أن مصطلح «آري» يعود إلى أكثر من ألفي عام. فقد أمَرَ الملكُ الفارسي داريوس الأول، نحو 500 عام قبل الميلاد، بِنِحتِ قبرٍ صخري له في موقع نقش رُستُم، في إيران الحالية.
وجاء في النقش: «أنا داريوس، الملك العظيم… فارسي، ابن فارسي، آري، من أصل آري».
وتظهر الكلمة أيضًا باللغة السنسكريتية في النصوص المقدسة القديمة في الهند.

في الأصل، كانت كلمة «آريا» (Arya) ، التي تعني «نبيل» أو «شريف»، تسميةً ذاتيةً استخدمتها شعوب في الهند وإيران. وتعود أصول هذه الشعوب إلى جماعاتٍ من الرُحَّل هاجرت من مناطق تقع اليوم في أوكرانيا وكازاخستان وجنوب روسيا.
وفي مرحلة لاحقة، صنّف العلماء «الآريين» ضمن الشعوب التي تنتمي إلى عائلة لغوية هندوـأوروبية مشتركة، بعدما اكتشفوا أوجه التشابه بين معظم اللغات الأوروبية من جهة، واللغة السنسكريتية والفارسية (الفارسية/الفارسية الحديثة) من جهة أخرى.
إعادة تأويل عنصري لمصطلح «آري»
لم يبدأ تفسير مصطلح «آري» تفسيرًا عنصريًا إلا في منتصف القرن التاسع عشر، وكان ذلك تأويلًا خاطئًا لمعناه الأصلي. فقد قسّم الكاتب والدبلوماسي الفرنسي جوزيف آرثر دو غوبينو، في مؤلفه المؤلف من أربعة مجلدات «بحث في عدم المساواة بين الأجناس البشرية»، الذي كتبه بين عامي 1853 و1855، البشرية إلى ثلاثة «أعراق»: أبيض وأصفر وأسود.
وخلص غوبينو إلى أن «العرق الآري الأبيض الأصلي» يتفوق على الأعراق الأخرى، وأنه يتمتع بـ«ذكاء يفوقُها بما لا يُقاس»، وأنه مُهَيَّأ لحُكمها. كما حذّر في الوقت نفسه من اختلاط «الأعراق»، معتبرًا أن ذلك من شأنه أن يهدد صفات «العرق الآري الأصلي» ويعرّض البشرية بأسرها للخطر.

لم تلقَ نظرية غوبينو في البداية اهتمامًا كبيرًا لدى معاصريه، لكنها بدأت، بعد عقود من ظهورها، تحظى بانتشار متزايد. واستفاد منها عددٌ من العلماء والمفكرين في إعداد دراساتهم وكتاباتهم الخاصة حول هذا الموضوع. وكان من بينهم هيوستن ستيوارت تشامبرلين، الذي أصبح لاحقًا صهرَ المؤلف الموسيقي ريشارد فاغنر.
وفي عام 1899، نشر تشامبرلين، البريطاني الأصل، كتابه «أُسُس القرن التاسع عشر»، الذي طوّر فيه الأفكار والنظريات العنصرية التي طرحها غوبينو وذهب بها إلى مدى أبعد.

مجّد تشامبرلين «العرق الجرماني» الألماني. لكنه كان يدرك جيدًا أن الألمان لا يتطابقون جميعًا مع الصورة الجسدية المثالية للآري، كما رسمها غوبينو؛ لذلك استند إلى مجموعة من القِيَم التي كان يرى أنها تنتقل عبر الدم، مثل الصدق والوفاء والاجتهاد، واعتبرها صفات مشتركة بين الألمان.
أما «العِرق اليهودي»، الذي رأى أنه يفتقر إلى الإبداع والمثالية، وأنه لا تحركه سوى النزعة المادية، فقد اعتبره تهديدًا لـ«الآريين الجرمان».
ومع أنه أقرّ بأن بعض اليهود قد يتحلون بقدر من النبل، فإنه أكد في الوقت نفسه ما اعتبره «عجزهم ودونَيَّتهم» مقارنة بـ«العرق الآري».
وقد لقي كتاب تشامبرلين رواجًا كبيرًا في ألمانيا، وكان من بين المعجبين بأفكاره الإمبراطور فيلهلم الثاني، الذي دعاه إلى البلاط في مناسبات عدة.
شريكان في الفكر: تشامبرلين وهتلر
في عام 1917، انضم تشامبرلين إلى «حزب الوطن الألماني» (Deutsche Vaterlandspartei) ، وهو حزب من أحزاب اليمين الراديكالي، ذي توجه قومي-عرقي ومعادٍ للسامية.
وفي 30 سبتمبر/أيلول 1923، قام هتلر بزيارة تشامبرلين، ويبدو أن اللقاء ترك لديه انطباعًا بالغًا.
وبعد أيام قليلة من هذا اللقاء، كتب تشامبرلين إلى «القائد» الذي سيصبح لاحقًا: «إن ألمانيا، في ساعة المحنة، تنجب لنفسها هتلر؛ وهذا دليل على أنها ما زالت حية».
وكان هتلر، من جهته، يرى في تشامبرلين أحد «مبشّري» رؤيته للعالم. وفي كتابه «كفاحي» (Mein Kampf) ، أشار مرارًا إلى تشامبرلين، وأشاد، مثله، بتفوق «العرق الآري».

أساء النازيون استخدام مصطلح «آري» لتبرير أيديولوجيتهم اللاإنسانية. ولا يزال العنصريون في مختلف أنحاء العالم يستخدمون هذا المصطلح حتى اليوم.

