بعد التهديد بفرض مساهمة استثنائية على أرباحها، تراجعت شركة “سي أم آـ سي جي إم” CMA CGM عن التزامها بتسجيل 40 سفينة تحت العلم الفرنسي
نقلاً عن “لوموند”
القرار الذي اتخذه رودولف سعادة، رئيس شركة النقل البحري، يهدف إلى الضغط على الحكومة التي قد تقرر، في إطار الموازنة، تحميل المجموعة مساهمة مالية أكبر، في وقت يُتوقع أن تتجاوز أرباحها في عام 2026 مبلغ 2.1 مليار يورو الذي حققته في عام 2025.
قبل بضعة أسابيع، وتحديدًا في 9 يونيو/حزيران، كان “رودولف سعادة”، قد تعهّد أمام لجنة الشؤون الاقتصادية في الجمعية الوطنية الفرنسية، برفع عدد سفن الشركة التي ترفع العلم الفرنسي من 30 إلى 40 سفينة بحلول عام 2028: وقال أمام النواب: «لقد اخترنا العلم الفرنسي والطاقم الفرنسي. وقد فعلنا ذلك لأن البحارة الفرنسيين بحارة ممتازون، ونحن نرغب في أن يكون لدينا عدد أكبر منهم».
لكن شركة النقل البحري تراجعت الآن عن التزاماتها. ووفقًا لمعلومات صحيفة لوموند، أعلنت إدارة الشركة انها ستتوقف عند 33 سفينة بدلًا من 40 سفينة كما وُعد سابقًا. أما السفن السبع التالية فسيتم تسجيلها تحت أعلام دول أخرى
وحسب نقابة “سي إف دي تي”، وهي النقابة الأكبر داخل الشركة أن «السبب الذي قُدّم هو المساهمة الضريبية الاستثنائية الجديدة التي ستؤثر مرة أخرى في قدرة الشركة على المنافسة أمام منافسيها الأوروبيين والدوليين هذا العام».
«صدمة باردة»
وأضافت النقابة: «كان لهذا الإعلان المفاجئ والصادم بطبيعة الحال وقع الصدمة الباردة»، معربة عن أسفها لـ «قرار راديكالي إلى حد ما من وجهة نظرنا».
وفي الوقت الذي تستعد فيه الحكومة لتقديم مشروع موازنة لعام 2027 في ظل قيود اقتصادية وسياسية عديدة، تخشى “سي إم آ ـ سي جي إم” أن تُفرض عليها مساهمة استثنائية جديدة. ولا سيما أن أرباحها في عام 2026 يُتوقع أن تتجاوز 2.1 مليار يورو التي حققتها في عام 2025، مقابل رقم أعمال بلغ 49.8 مليار يورو.
يُذكر أنه، منذ عام 2003، لم تعد شركات النقل البحري خاضعة لضريبة الشركات، بل لنظام ضريبة الحمولة”” (Tonnage Tax) التي لا تعتمد إلا على سعة أسطول الشركة، وليس على حجم أرباحها.
وتعتبر شركات النقل البحري أن هذا النظام ضرورة مطلقة للحفاظ على القدرة التنافسية الفرنسية، بينما يرى معارضوه أنه يمثل خسارة في الإيرادات للدولة تُقدّر بنحو 1.4 مليار يورو في عام 2025، وفقًا للجنة المالية في الجمعية الوطنية، وهو أمر تعتبره الدولة غير مقبول.
وقد اختارت الحكومة حلًا وسطًا عندما طلبت من CMA CGM دفع «مساهمة استثنائية» بقيمة 450 مليون يورو في عام 2025، ثم أُلغيت هذه المساهمة في العام التالي.
«إظهار الغضب»
وبحسب مصدر قريب من المفاوضات بين الدولة والمجموعة، فإن «رودولف سعادة دخل في مواجهة مع الحكومة، ويريد أن يُظهر أنه يستطيع تغيير علم سفنه بلمسة زر، وفي غضون ربع ساعة عبر الإنترنت».
ومن بين نحو 700 سفينة تشغّلها الشركة، هناك نحو 400 سفينة مملوكة لها مباشرة. ولذلك فإن السفن المسجلة في فرنسا لا تمثل سوى جزءا صغير من أسطولها، لكنها تمثل أهمية كبيرة بالنسبة إلى فرنسا.
ويلخص لوران مارتان، المندوب العام لاتحاد شركات النقل البحري الفرنسية (Armateurs de France)، الأمر قائلًا:
«في فرنسا، تصل أكثر من 70% من الواردات عن طريق البحر. إن امتلاك أسطول استراتيجي يرفع العلم الفرنسي هو وسيلة لتأمين الإمدادات عندما تندلع أزمة. كما أنه يمكن أن يتيح للأسطول التجاري تقديم الدعم للعمليات العسكرية».
وإذا كانت فرنسا بحاجة إلى هذا الأسطول الاستراتيجي، فإن شركة النقل البحري تحتاج بدورها إلى دعم الدولة، ولا سيما دعم دبلوماسيتها. ففي مايو/أيار 2026، وخلال زيارته إلى كينيا، أعلن إيمانويل ماكرون أن CMA CGM نجحت في توقيع اتفاق إطار لتطوير وتحديث محطة ميناء مومباسا، وهي محطة تحظى باهتمام كبير، مقابل استثمار بقيمة 700 مليون يورو.
وفي حديثه إلى لوموند، ذكّر أحد الضباط بالمساعدات العديدة التي قدمتها الدولة لشركة النقل البحري عندما كانت تواجه صعوبات، قائلًا: «هناك أولًا تسوية ديون CGM، ثم بيع الشركة الحكومية إليها [إلى CMA التابعة لجاك سعادة] مقابل فرنك رمزي واحد عام 1996؛ ثم القرض المضمون من الدولة في فترة جائحة كوفيد-19 [والذي تم سداده منذ ذلك الحين]؛ وإعفاء أجور العاملين من الاشتراكات التي يتحملها أصحاب العمل حتى عام 2025؛ وأخيرًا مرافقة فرقاطة فرنسية لهم عندما يحتاجون إلى العبور بأمان في البحر الأحمر؛ كل ذلك له تكلفة».
(لا تشير “لوموند” إلى الدعم الذي قدمته الدولة الفرنسية لمجموعة “سي إم آ ـ سي جي إم” للحصول على عقد الحاويات في بيروت وعلى عدة عقود بحرية، وحتى جوية، في سوريا! وكان محمد رعد قد زعم، في مقابلة مع الصحفي الفرنسي جورج مالبرونو، أن حزب الله سهّل حصول الشركة الفرنسية على عقد حاويات مرفأ بيروت مقابل امتناع الدولة الفرنسية عن إثارة موضوع سلاح حزب الله))
ضباط فرنسيون
يفرض السجل الفرنسي الدولي (RIF) أن يكون الضباط البحريون من الرتب العليا من مواطني الاتحاد الأوروبي.
وحتى الآن، كانت CMA CGM تختار الذهاب إلى أبعد من هذه المتطلبات، من خلال توظيف ضباط فرنسيين، وهو ما يمثل تكلفة إضافية قدرها 1.75 مليون يورو سنويًا لكل سفينة، كما أوضح السيد سعادة لصحيفة Le Marin.
ويحذر أحد العاملين قائلًا:
«هذا التغيير المفاجئ في الخطة يطرح أسئلة من حيث سلامة الملاحة، لأن السفن التي تخرج من أحواض بناء السفن تستخدم تقنيات خاصة للغاز عالي الضغط [الخاصة بهذه السفن التي تعمل بالغاز الطبيعي المسال]. وسوف يتعين تدريب ضباط أجانب بصورة عاجلة».
