قرار البابا لاوون، الصادر في 29 آب/أغسطس 2026، الذي أعطى أساقفة كل كنيسة شرقية مجتمعين صلاحية عزل البطريرك، حدثٌ تاريخي بالنسبة لكنائس حرصت دائماً على استقلاليتها إزاء الفاتيكان (يمكن الإطلاع على فحوى قرار البابا بالضغط على رابط “فاتيكان نيوز” هنا).
وللمرة الاولى، اصبحت سلطة البطريرك رهنا بـ”مجلس المطارنة”، ولم تعد سلطة مطلقة، باعتبار أن البطريرك هو « خليفة القديس بطرس على الارض »، خصوصا الكنيسة المارونية، التي تُعتبر « كنيسة إنطاكيّة ». فالتقليد الكنسي والتاريخ يثبتان أن القديس بطرس أسس “كنيسة أنطاكيا” وأقام فيها أسقفاً قبل توجهه إلى روما وتأسيس كرسيها.
وتبعا للتقاليد والاعراف في الكنائس الشرقية، للقديس يطرس خليفة واحد، سلطانه مطلق ولا يمكن تغييره او استبداله ما لم يقرر هو بنفسه الاعتزال او التنحي عن كرسي البطريركية، حتى لو اصيب بالعجز الكامل او الجزئي، واصبح غير قادر على مزاولة مهامه.
فالبطريرك بخسر منصبه بالوفاة فقط، قبل صدور قرار البابا الاخير الذي منح سينودوس الاساقفة، او ما نعرفه بـ”مجلس المطارنة او الاساقفة” سلطةَ عزلِ البطريرك في حال وجدَ المجلس اسبابا موجبة.
فالقانون البابوي الذي جاء ضمن مجموعة قوانين الكنائس الشرقية (CCEO) ينظم الصلاحيات والمسؤوليات داخل الكنائس البطريركية الكاثوليكية الشرقية وفيه:
- تعديل صلاحيات السينودس: حيث مُنح سينودس أساقفة الكنيسة البطريركية الشرقية صلاحية البدء والإقرار الأولي لقرار عزل البطريرك في حال وجود أسباب خطيرة تمس الشركة الكنسية أو إدارة الكنيسة.
- توزيع المسؤولية: يتم إقرار التقييم والدفاع داخل « السينودس » أولاً، ثم تُرفع النتيجة إلى الحبر الروماني (البابا) للموافقة النهائية حتى يُصبح الكرسي البطريركي شاغراً رسمياً.
- الهدف: تعزيز الإدارة المشتركة (« السنودسية ») وضمان آليات قانونية واضحة لحل الأزمات الداخلية ضمن الكنيسة البطريركية نفسها.
المعلومات تشير الى ان الاب ميشال الجلخ يقف خلف القرار البابوي الاخير، علما ان الجلخ يشغل منصب اسقفا شرقيا لكرسي طليطله، إضافة الى منصب امين عام مجمع/دائرة الكنائس الشرقية. وهو أول ماروني يتم تعيينه في هذا المنصب، منذ نشوء العلاقة التاريخية بين كنيسة الموارنة الشرقية وحاضرة الكثلكة في الفاتيكان.
وتضيف المعلومات ان الشكاوى التي تصل الى حاضرة الفاتيكان دوريا بشأن فسادٍ كنسي او عجز بطاركة عن القيام بمهامهم او سوى ذلك، لا تتوقف. وقد نقل الجلخ الى الحِبر الاعظم ضرورة منح مجلس الاساقفة صلاحيات عزل البطريرك، في حال توافر اسباب موجبة لذلك، على ان تعالج الكنائس الشرقية مشاكلها وترفع خلاصات المعالجات الى قداسة البابا ليتخذ القرار النهائي بشأنها.
وبذلك يكون الفاتيكان قد حافظ على الاستقلالية النسبية للكنائس الشرقية، اولا، ويكون قراره بشأن عزل بطريرك نابعاً عن موافقته على قرار مجلس الاساقفة بعد اقتناعه بالاسباب الموجبة، وموافقة اغلبية ثلثي مجلس الاساقفة على القرار النهائي، بعد ان يكون البطريرك موضع الشكوى قد اعطي حق الدفاع عن نفسه امام مجلس الاساقفة.
هل سيطال القانون الجديد البطريرك الراعي؟
في 6 مايو 2017، وافق البابا فرنسيس على استقالة بطريرك كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام، رئيس ثاني طائفة كاثوليكية في الشرق التي يبلغ عدد اتباعها نحو مليوني شخص في العالم. وجاء قبول استقالته لأسباب مالية وسياسية تتعلق بدعمه لنظام بشار الاسد.
وأعلن بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، الكاردينال العراقي “لويس ساكو، استقالته، في 10 مارس 2026، بعد 13 عاما من الخدمة، بهدف “التفرغ بهدوء للصلاة والكتابة والخدمة البسيطة”.
وقد بلغت شكاوى عدة حاضرةَ الفاتيكان بشأن تخلُّف الكنيسة المارونية عن المبادرة الى إجراء اصلاحات بنيوية ومؤسساتية في هيكلها. وأنها اصبحت بعيدة عن رعاياها، رغم المناشدات والمطالبات المتكررة بضرورة اضطلاع الكنيسة بدور اكبر للحد من هجرة الموارنة، خصوصا الشباب، وضرورة وضع المؤسسات الكنيسة في خدمة ابناء الطائفة وليس العكس. خصوصا المؤسسات التعليمية والاستشفائية، التي اصبحت كالمسالخ والمؤسسات المالية التي تبغي الربح الوفير، إضافة الى اتاحة فرص اكبر للموارنة للاستثمار في اراضي الاوقاف ما يخلق فرص عمل تساهم في الحد من نزفهم البشري.
هل يبادر الراعي الى الاعتزال اسوةً بالكاردينالين لحّام وساكو، وأسوةً بسلفه المثلث الرحمات البطريرك صفير عندما استشعر ان قدراته الجسدية تتراجع وتحول دون امكان مزاولة مهامه فأفسح في المجال امام انتخاب خلف له، و”انصرف الى العبادة لملاقاة ربه” كما قال؟
ام ان الراعي الذي بلغ من العمر عتيا، سيتمسك بكرسي انطاكية، فيبادر عندها مجلس الاساقفة الى الشروع في اجراءات عزله؟ ويكون بذلك مجلس الاساقفة قد سجل بادرة تتخذ للمرة الاولى في تاريخ الكنيسة المارونية؟
وما يصح قوله على البطريرك الراعي يصح ايضا على جميع الكنائس الشرقية التي تتبع الفاتيكان.
الكنائس الكاثوليكية الشرقية
هي كنائس ذاتية الحكم (Sui Iuris) تتمتع بشركة إيمانية وقانونية كاملة مع كنيسة روما وحاضرة الفاتيكان (البابا)، مع احتفاظها التام بطقوسها الشرقية، وليتورجيتها، وهيكليتها القانونية والسنودسية الخاصة.
ويبلغ عددها 23 كنيسة:
الكنيسة المارونية: الكنيسة الشرقية الوحيدة التي بقيت دائماً في شركة متواصلة مع روما دون انقطاع. مقر بطريركيتها في بكركي (لبنان).
- كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك: انفصلت عن الروم الأرثوذكس وتجددت الشركة مع روما عام 1724. تتبع الطقس البيزنطي باللغة العربية.
- الكنيسة السريانية الكاثوليكية: تمتعت بالشركة الكاملة مع روما في القرن الثامن عشر.
- الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية: كنيسة ذات أصول آشورية/مشرقية دخلت في شركة مع روما في القرن السادس عشر، ومقر بطريركيتها في العراق.
- كنيسة الملابار الكاثوليكية (Syro-Malabar): كنيسة عريقة تقع في الهند (ولاية كيرالا) وتتبع التقليد السرياني الشرقي.
- الكنيسة الأوكرانية الكاثوليكية: أكبر الكنائس الشرقية الكاثوليكية عدداً.
- كنيسة الروم الكاثوليك في المجر، رومانيا، وسلواكيا.
- الكنائس البيزنطية الصغيرة في اليونان، ألبانيا، بلغاريا، ومقدونيا.
- الكنيسة القبطية الكاثوليكية: مقرها مصر.
- الكنيسة الإثيوبية الكاثوليكية.
- الكنيسة الإريترية الكاثوليكية.
- كنيسة الأرمن الكاثوليك: تتبع الطقس الأرمني، ومقر بطريركيتها في بذوّار (لبنان).
خصائص تنظيمية مع روما:
- الاستقلالية الإدارية: يدير البطريرك مع سينودس الأساقفة شؤون الكنيسة الداخلية، وتعيين الأساقفة الجدد، وإدارة الأوقاف وفقاً لـ “مجموعة قوانين الكنائس الشرقية“ (CCEO).
- الشركة مع البابا: يعترف البطاركة ببابا روما كـ “أب للكنيسة الجامعة” وكرئيس لكرسي بطرس، ويُطلب من البطريرك الجديد بعد انتخابه الحصول على “الشركة الكنسية” (Ecclesiastical Communion) من البابا.
