ليس بالضرورة أن يؤدي الحصار البحري الأمريكي على إيران، إلى استسلامها، بل الأرجح، حسب المراقبين، أن يزيد وبشدة الضغط على طهران، وقد يدفعها إلى التفاوض.
الصورة اليوم أكثر تعقيدا مما توحي به كلمة “استسلام”. فالولايات المتحدة تفرض ضغطا بحريا واقتصاديا كبيرا، وتعرقل حركة السفن المرتبطة بالتجارة الإيرانية. يأتي ذلك فيما تشير التقارير إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أصبح يميل إلى مخرج تفاوضي وضغط اقتصادي بدل الاستمرار في التصعيد العسكري.
وبالتالي، قد يمثّل الحصار خطرا كبيرا على إيران يتجاوز الخطر العسكري. فهو يضرب نقطة حساسة جدا، وهي قدرة إيران على تصدير النفط واستيراد السلع والحصول على العملة الصعبة. وإذا استمر هذا الحصار لفترة طويلة، يمكن أن يؤدي إلى انخفاض كبير في عائدات النفط، وإلى تراجع قيمة العملة مع ارتفاع التضخم، وإلى نقص بعض السلع والمواد الأولية، وكذلك إلى زيادة الضغط على الحكومة والحرس الثوري وخلق خلافات داخل النخبة حول الاستمرار في الحرب أو التفاوض.
وهناك فرق كبير بين إجبار إيران على تقديم تنازلات وبين إجبار النظام على الاستسلام. فالنظام يُظهر نفسه على أنه عصي على الاستسلام، لأن القيادة الإيرانية تستطيع أن تعتبر الحصار حربا وجودية، وفي هذه الحالة قد تفضّل تحمل خسائر اقتصادية هائلة بدل إعلان الاستسلام.
كما أن تجربة الأشهر الماضية أظهرت أن الضغط العسكري الكبير لم يؤد إلى انهيار القيادة الإيرانية، بل استمرت طهران في المقاومة وواصلت استخدام أدواتها الإقليمية والضغط على الملاحة. كما أن التقارير تشير اليوم إلى أن الأزمة ما زالت مستمرة، وأن واشنطن نفسها تبحث عن مخرج.
هناك إمكانية أن تستسلم إيران إذا تراكم الضغط الاقتصادي والعسكري والسياسي. غير ذلك، فإن الاستسلام بعيد. أما الاستسلام غير المشروط الذي طُرح في بداية الحرب في شهر مارس الماضي، فهو لم يتحول إلى واقع سياسي، بل انتقلت الأزمة تدريجيا نحو البحث عن تسوية وشروط لإنهاء الحرب.
لذلك، يبدو الحصار الأمريكي أخطر على إيران على المدى المتوسط من مجرد القصف الجوي. فالقصف قد يزيد من شعبية القيادة في إيران، بينما الخنق الاقتصادي الطويل يمكن أن يبدأ بتفكيك قدرة الدولة على الاستمرار.
لكن نجاح الخنق في إسقاط النظام أو إجباره على الاستسلام يتوقف أساسا على مدة الحصار، ثم على قدرة إيران على الالتفاف عليه، وعلى موقف الصين وروسيا، والأهم على تماسك الحرس الثوري والقيادة الإيرانية من الداخل.
إن مسار الأحداث اليوم لا يتجه إلى استسلام إيران، لكنه أيضا لا يتجه إلى قبول أمريكي بالشروط الإيرانية. أي أن المسائل بين الطرفين في مرحلة مساومة شديدة الصعوبة. ويُرجّح المراقبون في ظل ذلك الوصول إلى اتفاق مرحلي تتنازل فيه واشنطن وطهران معا.
فالتقارير اليوم تتحدث عن إمكانية التوصل إلى “ترتيب سلام أو اتفاق” لكن في المقابل تقول طهران رسميا إنه لا يوجد تقدم حقيقي وإن واشنطن مطالبة بالعودة إلى الاتفاق المرحلي السابق وتنفيذ التزاماتها. يأتي ذلك بعدما رفعت إيران سقف مطالبها بدل أن تخفضه. فطهران تربط إعادة فتح مضيق هرمز بإنهاء الحرب والحصار الأمريكي، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، وإنهاء الحرب في لبنان وفي غزة.
في المقابل، لم يُظهر ترامب استعدادا لقبول هذه المطالب، بل طالب إيران بتعويضات عن خسائر وأرواح مرتبطة بالحرب والصراعات السابقة، كما أعلن أنه مستعد لترك الضغط الاقتصادي يتراكم بدل الدخول في تصعيد عسكري جديد.
بعبارة أخرى، يبدو ترامب مقتنعًا بأن الضغط الاقتصادي سيجعل الإيرانيين أكثر استعدادا للتنازل، ولذلك لا يبدو مستعجلا لتقديم تنازلات الآن.
لكن، إذا رأي ترامب أن طهران لن تستسلم ولن تخضع للأوامر والشروط الأمريكية، فقد يأمر بتجدد القصف أو يوافق بشروط على الإفراج التدريجي عن جزء من الأموال الإيرانية، وتخفيف أو إعفاء بعض العقوبات النفطية، وتخفيف الحصار البحري أو إنهائه، وكل ذلك يجب أن يكون في مقابل حصوله على قيود نووية إيرانية، وترتيبات تفتيش ومراقبة، وضمانات بشأن الملاحة في هرمز، وتفاهمات إقليمية تخص الأذرع والصواريخ.
إن ترامب نفسه انتقل من خطاب “استسلام إيران” إلى خطاب التفاوض والضغط الاقتصادي. وهذا التحول مهم جدا. فلو كان مقتنعا بأن إيران على وشك الانهيار وأن الحل هو الاستمرار حتى الاستسلام، لما كانت هناك حاجة إلى هذا الحجم من الوساطات والاتصالات غير المباشرة.
والأهم أن تجربة الاتفاق السابق أثبتت أن الجانبين قادران بالفعل على صياغة صفقة، وأن المشكلة الآن هي الثقة وضمان تنفيذها وليس استحالة إيجاد صيغة اتفاق.
