في لبنان، لم تعد السفارات تمارس الدبلوماسية، بل يبدو أن بعضها افتتح فرعاً لوزارة الوصاية الدولية، مع قسم خاص لإدارة شؤون مجلس النواب اللبناني، وقاعة محاضرات لتعليم اللبنانيين كيف يسنّون قوانينهم، وكيف يديرون مصارفهم، وكيف يكتبون تشريعاتهم، وكيف يفكرون، وكيف يتنفسون… وربما قريباً كيف يختارون أسماء أولادهم.
وآخر المواهب التي أطلّت علينا هي السفيرة الأوروبية، التي قررت أن تستبدل أوراق اعتمادها بأوراق أوامر، وأن تمارس هواية إعطاء التعليمات لدولة ذات سيادة، لا باعتبارها صديقةً للبنان، بل باعتبارها قيّمةً على قاصر فقد أهليته القانونية.
جاءت لتقول للبنانيين، وبكل ثقة لا يحسد عليها، إن على الدولة اللبنانية أن تقرّ، حرفاً بحرف، وكلمة بكلمة، وفاصلة بفاصلة، ما يريده صندوق النقد الدولي في القوانين المصرفية.
وهنا لا يملك المرء إلا أن يقف احتراماً…
لا احتراماً للكلام.
بل احتراماً لهذه القدرة الخارقة على الجمع بين الثقة المطلقة، وانعدام الصلة بالواقع.
ثم يخطر في البال سؤال صغير، بريء، متواضع، لا يحتاج إلى لجنة خبراء للإجابة عنه:
وإلا… ماذا؟
هذه الـ”وإلا” الأوروبية العظيمة، التي تُقال وكأنها آخر إنذار قبل نهاية العالم.
وإلا ماذا؟
لن يُعاد إعمار الجنوب؟
وهل إعادة إعمار الجنوب أصبحت مرتبطة بتعديل مادة في قانون مصرفي؟ أم أن الإسمنت الأوروبي يرفض التماسك إذا بقيت صلاحية هنا أو هناك بيد مصرف لبنان؟
ثم، معذرةً على الجهل، من الذي يمنع إعادة إعمار الجنوب أصلاً؟
أهو البرلمان اللبناني؟
أم الإسرائيلي الذي ما زال يحتل الأرض ويقصفها متى شاء؟
إذا كانت أوروبا عاجزة عن إلزام إسرائيل باحترام قرار دولي واحد، فمن أين جاءت فجأة هذه القدرة الخارقة على إلزام النواب اللبنانيين بتعديل قوانينهم؟
وإلا ماذا؟
لن تعود أموال المودعين؟
حقاً؟
وهل نسينا أن الوصفات الأولى التي خرجت من المطابخ الدولية كانت تقضي بشطب القسم الأكبر من الودائع؟
يا لها من معجزة.
الجلاد أصبح محامياً عن الضحية.
والذي اقترح اقتلاع الشجرة، أصبح يحاضر في كيفية ريّها.
وإلا ماذا؟
لن تساعدنا أوروبا؟
دعونا نفتش في دفاتر الذاكرة.
حين كانت البيوت تتحول إلى غبار، أين كانت أوروبا؟
حين كان الأطفال يهربون من بيوتهم، أين كانت أوروبا؟
هل رأينا أساطيلها تقف لحماية المدنيين؟
هل رأينا عقوبات على المعتدي؟
هل رأينا ضغطاً سياسياً يوازي الضغط الذي تمارسه اليوم على مادة قانونية في مشروع مصرفي؟
كلا.
كل ما رأيناه هو بطانيات، وبعض الأدوية، وعدسات تصوير، ومؤتمرات مانحين، وبيانات قلق، وعبارة “نعرب عن بالغ انشغالنا”، وهي عبارة أثبت التاريخ أنها لا توقف دبابة، ولا تعيد منزلاً، ولا تحرر شبراً واحداً من الأرض.
أما عندما يتعلق الأمر بقانون لبناني، فتتحول أوروبا كلها إلى أستاذ في كلية الحقوق.
وفجأة يصبح تعديل فقرة مصرفية قضية أمن قومي أوروبي.
وفجأة يصبح مجلس النواب اللبناني تلميذاً في الصف الأول.
وفجأة يصبح النواب مطالبين برفع أيديهم، لا اقتناعاً، بل امتثالاً.
وكأن اللبنانيين لم ينتخبوا برلماناً، بل انتخبوا سكرتارية لتسجيل ما يصل من الخارج.
بل إن ما يدعو إلى الدهشة حقًا ليس ما قاله الوفد الأوروبي، بل ما لم يقله.
جاء وفد من البرلمانيين الأوروبيين، وجاء معه سفراء، وجاءت السفيرة الأوروبية، ولم يخطر ببال أحد منهم أن يقول للبنانيين كلمة واحدة هي، في هذه اللحظة التاريخية، أهم من ألف ملاحظة على ألف قانون.
لم يقولوا:
نحن نقف إلى جانب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء وهما يخوضان، باسم الدولة اللبنانية، أصعب مسار عرفه لبنان منذ عقود؛ مسار السلام.
لم يقولوا:
نحن ندعم الدولة اللبنانية لأنها اختارت طريق التفاوض بدل طريق الحرب، وطريق الدولة بدل طريق الميليشيا، وطريق الشرعية بدل المغامرة.
لم يقولوا:
إننا نساند لبنان في معركته السياسية والدبلوماسية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، واستعادة الجنوب، وإعادة إعمار ما تهدّم، وإعادة الأهالي إلى قراهم، وتمكين الدولة من بسط سيادتها الكاملة وجمع السلاح غير الشرعي تحت سلطتها.
كان هذا هو الكلام الذي ينتظره اللبنانيون من أوروبا.
وكان هذا هو الموقف الذي يليق بقارة لا تتوقف عن إلقاء المحاضرات في السلام وحقوق الإنسان وسيادة القانون.
لكن يبدو أن الحديث عن السلام في لبنان ليس من اختصاص بعض الأوروبيين، أما الحديث عن توزيع الصلاحيات ، فهو قضية وجودية تستحق إرسال الوفود والبيانات والإنذارات.
لم تكن المشكلة يومًا في قلة النصائح، بل في ندرة المواقف.
النصائح وصلت بلا انقطاع.
أما الدعم السياسي الحقيقي للدولة اللبنانية وهي تحاول إنقاذ نفسها، فكان نادرًا إلى حد الندرة.
ولذلك، فإن اللبنانيين لا يحتاجون إلى سفراء يكتبون لهم القوانين، بل إلى أصدقاء يقفون معهم عندما يختارون السلام على الحرب، والدولة على الفوضى، والسيادة على الوصاية.
أما التشريع اللبناني، فهو شأن لبناني خالص، لا تُقرره الوفود الزائرة، ولا تُصادق عليه السفارات، ولا يُقاس بعدد الابتسامات الدبلوماسية في قاعات الاجتماعات.
والأعجب من ذلك أن بعض السفراء يتصرفون وكأنهم يحملون عبء الحضارة فوق أكتافهم، وأن اللبنانيين كانوا يعيشون في الغابات حتى وصلت إليهم برقيات التنوير من بروكسل.
يا سيدتي…
لبنان كان يكتب الدساتير حين كانت دول كثيرة في العالم لا تزال تتعلم كيف تجمع الضرائب.
ولبنان كان يصدر الصحف والجامعات والمحاكم، حين كان غيره يصدر الأوامر العسكرية.
ولبنان يعرف تماماً كيف يخطئ…
لكنه أيضاً يعرف أن حقه في الخطأ لا يقل قداسة عن حقه في الصواب، لأن السيادة لا تعني أن تكون معصوماً، بل أن تكون مسؤولاً عن قرارك.
لقد مات الاستعمار العسكري، لكنه يبدو أنه ترك وراءه أبناءً شرعيين يحملون جوازات دبلوماسية.
غير أن في لبنان مشكلة واحدة لم تستطع كل الإمبراطوريات حلها.
هذا البلد قد يختلف أهله على كل شيء.
على السياسة.
وعلى الدين.
وعلى التاريخ.
وعلى الاقتصاد.
وعلى أسماء الشوارع.
وعلى شكل الأرصفة.
لكنهم، عندما يشمون رائحة الوصاية، يتذكرون فجأة أنهم أبناء وطن واحد.

” لكنهم، عندما يشمون رائحة الوصاية، يتذكرون فجأة أنهم أبناء وطن واحد.”
من أين أتيت بهذا الإستنتاج يا أستاذ شربل ؟
التاريخ و الحالة الحالية المستعصية تقول بعكس ذلك .
الوصاية الأوروبية مرفوضة لغبائها لأنها لم تفهم القاعدة الذهبية لقبول
الوصاية لبنانياً : أن تكون مسلحة بقوة شرائية مباشرة أو غير مباشرة
هكذا تقبل الوصاية لبنانياً بل يبحث عنها .
و الوصاية قد تكون جزئية أو كلية .
هكذا قبلت الوصاية الناصرية و الوصاية السعودية و الوصاية القطرية
و الوصاية السورية و الوصاية الأيرانية أما الوصاية التي لا تطعم خبزاً
فلا مكان لها لبنانياً .
هذا المقال : 1- يخلط بين الضغط الدبلوماسي أو شروط المساعدات وبين الوصاية على الدولة، رغم أن ربط التمويل بالإصلاحات ممارسة شائعة في العلاقات الدولية. . 2- يتجاهل أن الانهيار المالي اللبناني ناتج أساساً عن سياسات داخلية، ما يفسر إصرار المجتمع الدولي على الإصلاحات. 3- يعتمد على السخرية والخطابة أكثر من اعتماده على الوقائع والأدلة القانونية أو الدبلوماسية. 4- يربط بين إعادة إعمار الجنوب والقوانين المصرفية بطريقة تبسيطية، بينما قد ترى الجهات المانحة أن الإصلاح المالي شرط لأي تمويل مستدام. 5- ينتقد أوروبا لعجزها عن الضغط على إسرائيل، وهو نقد مشروع، لكنه يستنتج من ذلك أنها تفقد حقها في إبداء… قراءة المزيد ..
ولما لا ربما النواب غير مأهلين في التشريع و ربما نحتاج إلى تأهيل للمواطنه
بعد ٥٠ سنه من الكلام الفارغ عن العدو نحتاج إلى تربيه لا تأهيل.